Reading Time: 10 minutes

غالباً ما يُعتبر الفيلم الصامت «رحلة إلى القمر» الذي أُنتج عام 1902، أول فيلم خيال علمي في التاريخ. في ما يقرب من 12 دقيقة سريالية، قام طاقم مرح من «علماء الفلك» الذين يرتدون أزياء السحرة بزيارة القمر عن طريق حشر أنفسهم في قذيفة مدفعية عملاقة وإطلاقها من مدفع كبير جداً.

بمجرد هبوطهم في وجهتهم، ينزل رواد الفضاء إلى كهف مليء بالفطور، ويُقبض عليهم من قبل «البشر الحشرات» على القمر؛ والذين ينقلونهم إلى عمق أكبر تحت سطحه متوجّهين إلى بلاط ملك سكان القمر؛ لكن روّاد الفضاء يهربون ويتوجّهون على عجل إلى الأرض، ويختطفون أحد سكان القمر.

كهوف وأخاديد القمر

بالطبع؛ نحن لا نرسل البشر إلى القمر عن طريق إطلاقهم في قذائف (أو على الأقل ليس بشكلٍ مباشر)، ولا توجد مخلوقات تحت سطح القمر تنتظر منا التواصل معها؛ لكن تلك الرحلة عكست جانباً واحداً صحيحاً على الأقل: هناك كهوف بالفعل على القمر.

لا نعرف الكثير عن هذه الكهوف حتى الآن؛ لكننا نعرف ما يكفي لجعلها أهدافاً مقنعةً لمستكشفي الفضاء في المستقبل. في الواقع؛ في يوم من الأيام، يمكن أن تصبح الكهوف القمرية منازلنا؛ إذ أنها قد توفر لنا مأوىً من الظروف التي من شأنها أن تقتل المقيمين على سطح القمر، ويخطط مصممو المهمات بالفعل لرحلات استكشافية للبحث عن أماكن يمكن العيش فيها على جارنا القمر.

إذا كنا سنعيش في كهف على سطح القمر؛ يجب علينا أن نفهم طبيعة هذا المكان بشكل أفضل. تتشكل العديد من الكهوف الأرضية نتيجةً لما يُعرف بـ «التعرية»؛ وهي عملية لا يمكن أن تحدث على سطح القمر بدون هواء أو مياه جارية. بدلاً من ذلك؛ تولد الكهوف القمرية من البراكين.

عندما تنبثق الحمم البركانية الساخنة على سطح أكثر برودةً، تتجمّد طبقتها الداخلية أولاً، ونظراً لتصلب السطح الخارجي للحمم البركانية؛ يمكن أن يظل الجزء الداخلي منصهراً. من ناحية أخرى؛ يمكن للحمم الساخنة أن تحفر أنفاقاً في الصخور المحيطة، وفي كلتا الحالتين؛ عندما يتم تصريف الحمم المتبقية، فإنها تترك وراءها ممراً أجوفاً. يُطلق العلماء على الكهوف الناتجة من هذه العملية «أنابيب الحمم».

أنابيب الحمم موجودة على الأرض في المناطق ذات التضاريس البركانية مثل أيسلندا وجيجو والصدع شرق الأفريقي. يبلغ طول معظم هذه الأنابيب 1.6 أو 3.2 كيلومتر على الأكثر؛ ولكن هناك أنابيب حمم طويلة للغاية، مثلاً؛ يبلغ طول كهف «كازومورا» في جزيرة هاواي الكبرى 64 كيلومتراً على الأقل، وفي بعض الأجزاء، يزيد عرضه عن 19 متر. بعض أنابيب الحمم البركانية الموجودة في منتزه «أوندارا» في ولاية كوينزلاند في أستراليا تمتد لمسافة تزيد عن 160 كيلومتر.

 

أنبوب الحمم البركانية

أنبوب الحمم البركانية «ناهاكو» في هاواي. أن بي أس فوتو/دي. بويل

ولكن عندما كانت البراكين القمرية نشطة، كانت تنشط بطريقة مختلفة. تقول «تريسي كاي.بي. غريغ»؛ عالمة براكين في جامعة بوفالو: «بيئة القمر قاسية للغاية»، وتضيف: «إذا أخذنا [بركاناً] ووضعناه على القمر، فسنرى أشياءَ مختلفةً … فقط بسبب هذه البيئة القاسية».

الحمم البركانية التي تنبثق في درجات حرارة شديدة البرودة خلال الليالي القمرية التي كانت تستمر أسبوعين ستبرد بسرعة أكبر؛ مما يساعد على تشكل أنابيب الحمم البركانية. حمم القمر هي أيضاً أكثر ميوعةً من حمم الأرض؛ مما يسمح لها بالتدفق بسرعة أكبر.

الاختلافات الأخرى بين الأرض والقمر ستجعل الكهوف القمرية مميزة عن الكهوف الأرضية. القمر، على سبيل المثال؛ يتمتّع بسُدس قوة جاذبية الأرض؛ مما يعني أن الأجسام الموجودة على سطحه لها بنية مختلفة؛ إذ لا يتعين عليها تحمُّل نفس قوة الجذب. قد تكون الكهوف القمرية أيضاً مصنوعةً من مواد أقوى من تلك الموجودة على الأرض، نظراً لأن العديد من الصخور القمرية لا تعاني من التآكل.

يقول «ديفيد بلير»؛ منسق الحوسبة العلمية في جامعة «براون»: «لا توجد مياه على القمر»، ويضيف: «ليس هناك محيطات … أو أنهار … أو مطر. ولهذا فالصخور [القمرية] تبقى مصونةً وأكثر صلابةً على مدى فترات زمنية أطول».

قد تجعل هذه العوامل مجتمعة أنابيب الحمم كبيرة لدرجة أنها تُقزّم حتى أكبر نظيراتها الأرضية. عندما كان بلير طالب دراسات عليا في جامعة بوردو، قام بحساب الحجم الذي يمكن أن تصل إليه هذه الأنابيب نظرياً. أشار بحثه أن أنابيب الحمم القمرية يمكن أن يبلغ عرضها حوالي 4.8 كيلومتر؛ وهذا عرض يتّسع جزيرة مانهاتن ويزيد.

يُظهر بحث بلير أنه حتى بعد مرور نصف قرن على مهمات أبولو، فإننا لا نعرف الكثير عن طبيعة أنابيب الحمم البركانية القمرية.

يقول بلير: «كانت هناك بعض التخمينات الجيدة في السبعينيّات؛ لكنها كانت تستند إلى معرفة قديمة بالمواد القمرية»، ويضيف: «على الرغم من ذلك؛ كان الناس يستشهدون بهذه الأرقام منذ عقود».

مع ذلك؛ يمكن للعلماء رؤية أشياء يمكن أن تمثّل «بصمات» لأنابيب الحمم على القمر، فعلى سبيل المثال؛ سطح القمر مقلّم بقنوات ملتوية يسميها العلماء «الأخاديد المتعرّجة» (هبطت مركبة أبولو 15 في إحدى هذه الأخاديد في عام 1971.) قد تبدو هذه الأخاديد مثل مجاري الأنهار في البداية؛ إذ أنها تمتد متعرّجة لمئات الكيلومترات.

أخدود القمر ناسا

أخدود متعرّج كما صوّرته مركبة أبولو 15. ناسا

لا يوجد إجماع علمي حتى الآن حول كيفية تشكل الأخاديد المتعرجة؛ ولكن هناك نظرية واحدة تنص على أنها بدأت كأنابيب حمم وأخذت شكل قنوات عندما انهارت أسقفها بعد مرور بعض الوقت. إذا كان هذا صحيحاً، فإن الأرصاد تدعم النظرية بالفعل. تقول غريغ: «إذا كنت تعتقد أن الأخاديد المتعرجة هي أنابيب حمم منهارة، فهي ستكون أطول وأعرض بكثير من أنابيب الحمم البركانية على الأرض».

بفضل المركبة الفضائية «كاغويا»؛ وجد العلماء المزيد من الأدلة القاطعة. أطلقت وكالة استكشاف الفضاء اليابانية هذه المركبة المعروفة رسمياً باسم «المستكشفة السيلانية والهندسية» («سيلين») في عام 2007 لقياس حقل الجاذبية القمري ومراقبة سطح القمر. بالنظر إلى التضاريس الوعرة للبراكين القديمة المسماة «تلال ماريوس»، التقطت إحدى كاميرات كاغويا حفرة غير عادية بحجم طائرة بوينغ 747.

من الزوايا التي تصنعها ظلالها؛ استنتج العلماء أن الحفرة كانت أعمق مما تبدو، واستبعدوا إلى حد كبير احتمال أن تكون فوهةً بركانيةً. وعلى الرغم من أن الحفرة كانت في منطقة لها تاريخ عنيف؛ إلا أنها كانت تفتقر إلى الرماد أو تدفقات الحمم البركانية التي من شأنها أن تشير إلى حدوث انفجار بركاني.

فسح هذا المجال لاحتمال آخر مثير للاهتمام: ماذا لو كانت الحفرة في الواقع كوّةً في كهف نتجت عن انهيار سقفه؟

سرعان ما تقبل العلماء هذه الفكرة الأخيرة. تقول غريغ: «أعتقد أن كل عالم يدرس [أنابيب الحمم] مرتاح لفكرة أن هذه الحفر المنهارة، هي الشكل السطحي لأنابيب الحمم المدفونة».

حفر القمر ناسا

حفرة «تلال ماريوس»؛ كوة محتملة في أنبوب الحمم البركانية في منطقة بركانية قديمة على القمر تسمى «تلال ماريوس». ناسا/مختبر الدفع النفاث

لم تكتفِ «المركبة المدارية الاستطلاعية القمرية» التابعة لوكالة ناسا بزيارة الحفرة في عام 2011؛ بل وجدت أدلةً تبيّن وجود عدد من الحفر الأخرى، ورصد الباحثون حتى الآن ما لا يقل عن 12 حفرة من هذا القبيل. بعد عدة سنوات من أرصاد المركبة المدارية الاستطلاعية القمرية، وجدت مهمة «غريل» ما لا يقل عن 10 انخفاضات طفيفة في حقل جاذبية القمر، ويعتقد الباحثون أن هذه الانخفاضات تشير إلى وجود كهوف تحت الأرض يزيد عرضها عن 0.8 كيلومتر؛ هذا من شأنه أن يجعل هذه الكهوف أنابيباً بركانية، وفي الواقع؛ ستكون أكبر بكثير من أية أنابيب موجودة على الأرض.

لكن العلماء لم يرَوا صوراً من داخل أنبوب بركاني قمري حتى الآن، وحتى يفعلوا ذلك، لن يتأكدوا تماماً مما يمكنهم فعله حيالها. يقول «أنجيلو بيو روسّي»؛ عالم الجيولوجيا في جامعة «جاكوبس بريمن» في ألمانيا: «ليس من الواضح حجم وطول واتساع هذه الأنابيب».

لكن مجرّد أننا لا نعرف الكثير عن هذه الأنابيب لا يعني أننا لا نستعد بالفعل للتعمق في دراستها. إن فكرة استخدام الأنابيب البركانية القمرية كموطن بشري ليست جديدة حقاً؛ إذ أنها كانت موجودةً منذ الثمانينيات على الأقل، وهي كانت إحدى أهم الأسباب التي جعلت العلماء يبحثون عن أنابيب الحمم في المقام الأول.

ولكن الآن بعد أن قرّر البشر العودة إلى القمر -بشكلٍ دائم، إذا سار كل شيء وفقاً للخطة- هناك موجة جديدة من الاهتمام بالفكرة. لأول وهلة؛ يبدو العيش تحت سطح القمر أمراً مغرياً، وإذا كنت تريد أن تعيش على سطح القمر، فسيتعين عليك التعامل مع مجموعة من المخاطر التي يلقيها الفضاء عليك؛ ستواجه قصفاً متواصلاً من نيازك صغيرة لا تحترق، وذلك بسبب غياب الغلاف الجوي، كما يفتقر القمر أيضاً إلى غلاف مغناطيسي قوي بما يكفي لتصفية الإشعاعات التي ستصطدم بك. يمكن أن تكون درجة الحرارة في القمر ساخنةً بدرجة كافية لغلي الماء أثناء النهار، قبل أن تنخفض إلى أدنى مستوياتها في الليل.

لكن من ناحية أخرى، فإذا كنت ترغب في العيش في كهف؛ ستتمتّع بحماية من بعض هذه المخاطر. في أنبوب الحمم، نظراً لوجود طبقة من الصخور فوق رأسك؛ ستكون محمياً من الصخور الفضائية وأشعة الفضاء المُؤيِّنة، ونظراً لأنك ستكون بعيداً عن التعاقب المستمر لأشعة الشمس والظلال، فلن تقلق كثيراً بشأن التقلّبات الشديدة في درجات الحرارة.

قد يسمح العيش تحت السطح لسكان القمر باستهلاك رواسب الجليد الجوفية بسهولة؛ وهي مصدر مهم للمياه. العيش في الكهوف على القمر يجعل الحياة على القمر أسهل بكثير بالفعل، ولا داعي للقلق بشأن الأعمال المكلفة لنقل المياه من الأرض.

لكن -مرةً أخرى- لا يمكننا التأكد من شكل الكهوف القمرية حقاً، فنحن لم نرَ ما بداخل هذه الكهوف من قبل، لذا بالإضافة إلى ضمان أن درجات الحرارة ومستويات الإشعاع آمنة بدرجة كافية.

ما الذي نحتاج إلى معرفته؟

تقول غريغ: «الأمر أشبه بشراء منزل»، وتضيف: «أنت لا تريد شراء منزل على وشك الانهيار، أو بالأحرى؛ إذا قمت بذلك، فستشتري المنزل وتصلحه أولاً، ثم تنتقل إليه».

على سبيل المثال؛ تقول غريغ أنه من الطبيعي أن ترغب في التأكد من استقرار منزلك، فليس من الجيد أن تعيش في كهف إذا كانت عمليات البناء فيه ستؤدي إلى سقوط الحطام على رأسك. تميل أنابيب الحمم الموجودة على الأرض إلى أن تكون ذات أسطح رقيقة وحساسة، وقد تكون نظائرها القمرية أضخم وأقل هشاشة نظرياً؛ لكن لا يمكننا التأكد بعد، وسيكون كل أنبوب مختلفاً.

من ناحية أخرى؛ قد ترغب في التأكد من أن لديك مساحةً كافية للعيش بشكل مريح، حتى لو كانت إقامتك قصيرةً. تقول غريغ: «لن نرسل الكثير من رواد الفضاء للعيش لمدة شهرين إذا لم يتمكن أحد منهم من الوقوف بشكل مستقيم». مرةً أخرى، توجد كهوف قمرية كبيرة بما يكفي من الناحية النظرية؛ لكننا لم نقم بعد بأخذ أي قياسات لأي منها.

ولكن ماذا لو كان بإمكاننا تلبية هذه المتطلبات؟ (ومما نعرفه الآن، فليس هناك ما يشير إلى عدم قدرتنا على ذلك). حينئذٍ؛ ستكون الظروف ملائمةً. تقول غريغ: «إذا تمكنا من العثور على نظام أنابيب مناسب؛ أعتقد أن الكهوف ستكون أماكن العيش فيها سهل»، وتضيف: «إنها مساكن جاهزة على سطح القمر».

دايدالوس

تمثيل فنّي لروبوت «دايدالوس». جامعة جوليوس ماكسيميليان.

لا نعرف حتى الآن ما إذا كانت أنظمة الأنابيب المناسبة موجودة؛ ولكن قبل أن نبحث عن منزل تحت سطح القمر، يمكننا استخدام الروبوتات في استكشافها. وفقاً لـ «علي آغا»؛ الباحث في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا، في الواقع؛ إن استكشاف مثل هذه الكهوف «هو إحدى الأهداف القادمة لوكالة ناسا». في العقد الماضي، اقترح بعض مخططي المهمات عدداً من الأفكار لاستكشاف أنابيب الحمم باستخدام الروبوتات.

لكن التخطيط لمثل هذه المهمات تحت الأرضية يتطلب تخطي العقبات اللوجستية التي واجهها عدد من مستكشفي الفضاء من قبل. كيف علينا أن نتواصل مع آلة ليست على السطح؟ كيف يمكننا أن نزوّد مسباراً لا تلمسه أشعة الشمس بالطاقة؟ وكيف سنتمكّن من إيصال الروبوت إلى الكهف في البداية؟

تقدمت جهود استكشاف الكهوف إلى الأمام في عام 2019 عندما بثّت وكالة الفضاء الأوروبية دعوةً لتقديم الطلبات. أرسلت 5 مجموعات مختلفة خططاً إلى وكالة الفضاء الأوروبية، وعالجت كل منها تلك الأسئلة بأفكار مختلفة: المركبات الجوالة المربوطة بأكبال، أسراب الروبوتات، أجهزة المسح الخاصة بقياس الجاذبية. قامت وكالة الفضاء الأوروبية الآن بتقليص عدد هذه الخطط إلى اثنين، وهي تقوم حالياً بإجراء دراسة أكثر تقدماً تعمل فيها المجموعتان المسؤولتان عن الخطتين على مناحٍ مختلفة تخص مهمّة واحدة.

تركّز إحدى المجموعتين على طريقة الدخول إلى أنابيب الحمم. يتضمّن حلّ هذه المجموعة استخدام رافعة تتمركّز عند حافة إحدى الحفر؛ حيث يمكنها أن تُنزل مركبة جوّالة داخل الكهف، ويخدم كابل التوصيل في التواصل مع المركبة وتزويدها بالطاقة التي تحتاجها بنفس الوقت.

لم يضع أي أحد رافعةً على القمر من قبل، كما أنها ستعمل بطريقة مختلفة في ظروف الجاذبية الأضعف وغياب الغلاف الجوي؛ لكن هناك أسباب تدفع لبناء رافعة مثل هذه تتجاوز أهداف هذه المهمة. يمكن أن تكون تكنولوجيا التصميم هذه ضرورية لبناء قواعد بشرية مستقبلية؛ وذلك وفقاً لـ «فيرمين نافارو»؛ عضو في المجموعة التي تعمل على فكرة الرافعة، وأستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة «فيغو» في مدينة «غاليشا» في إسبانيا.

مهمة المركبة «دايدالوس» الجوّالة

المركبة من تصميم المجموعة الثانية التي تطرح أن يكون شكلها كروياً. لم تُرسل أية مركبة جوّالة كروية إلى أي مكان خارج الأرض؛ ولكن الشكل الكروي له منافعه الخاصة في استكشاف الكهوف. المركبات الكروية يمكن أن ترى في كل الاتجاهات دون أن يحجب جسمها الرؤية؛ ومن ضمن هذه الاتجاهات أسفل المركبة.

يقول روسّي؛ وهو عضو أيضاً في المجموعة المسؤولة عن المركبة الجوّالة: «لقد اعتمدنا بسرعة كبيرة الفكرة الأساسية التي تنص على إرسال روبوت يمكن أن يعمل أثناء إدخاله في حفرة الكهف على سطح القمر وعلى أرضيته دون التضحية بالضرورة بالقدرة على الرؤية؛ والتي تنتج عادةً بسبب جسم المركبة الكبير».

مع نزول دايدالوس عبر فتحة الكهف، ستبدأ في تصوير محيطه. لن يمنح هذا العلماء لمحة عن العالم السفلي في القمر فحسب؛ بل يمكن أن يكشف لهم عن مدى استقرار الجدران والمواد الموجودة هناك. ستقوم المركبة الجوالة بمسح الكهف باستخدام «اللايدار» (وهو جهاز استكشاف يشبه الرادار، ولكنه يعمل باستخدام ضوء ليزري)؛ مما يسمح لها برسم خريطة للكهف وتحديد اتساعه حتى في الظلام. ستحمل هذه المركبة مستشعرات لقياس درجة الحرارة ومقدار الإشعاع أيضاً.

يجدر الذكر أن هذه ليست سوى دراسة نظرية للفكرة، ونتائجها ستحتاج الوقت للتبلور. العقبة الأولى التي ستواجه المهمّة هي أنه خلال أسابيع، ستقرر وكالة الفضاء الأوروبية ما إذا كانت الفكرة تستحق المتابعة وفقاً لخططها طويلة المدى لاستكشاف القمر. يقول نافارو: «إذا كانت الخطة قابلةً للتنفيذ، فسنواصل العمل»، وإذا سارت الأمور على ما يرام؛ يمكن أن تبدأ مهمة وكالة الفضاء الأوروبية في أوائل العقد الثالث من القرن الجاري تقريباً.

حتى ذلك الحين؛ يمكن للجيولوجيين تقدير ما قد نتوقعه من النظر إلى أنابيب الحمم على الأرض. من خلال زيارة هذه المواقع؛ لا يمكن للعلماء فقط معرفة المزيد عن أنابيب الحمم بشكل عام (أي كيف تتشكل وتتطوّر مثلاً)؛ بل يمكنهم اختبار المعدات التي قد يستخدمونها يوماً ما في عوالم أخرى. يمكنهم أيضاً التدرّب على قيادة الروبوتات في بيئات ضيقة ومتعرجة، أو قد يحاولون تشغيل مركبة جوالة في مكان بعيد عن السطح والتواصل معها.

على سبيل المثال؛ عمل فريق دايدالوس سابقاً في جزيرة «لانزاروتي» (إحدى جزر الكناري). وفقاً لروسّي؛ تمثّل الكهوف هناك تقريبات جيدة لأنابيب الحمم القمرية، وذلك لأن البراكين في هذه الجزيرة صغيرة جداً، وكهوفها لا تحتوي على الكثير من التربة أو الغطاء النباتي.

تضاريس جزيرة «لانزاروتي» في جزر الكناري. أيه. روميو

الروبوتات على الأرض

تتجول الروبوتات على الأرض أيضاً عبر أنابيب الحمم في «معلم حقول الحمم الوطني» في ولاية كاليفورنيا لدراستها بحثاً عن علامات الحياة كجزء من مشروع وكالة ناسا المسمّى «برايل». تعتمد طريقة عمل الروبوتات التي تُختبر هناك على أعمال فريق «كوستار»؛ وهي مجموعة دولية تضم علماء ومهندسين من مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا.

يقول آغا؛ قائد فريق كوستار: «لقد أُتيحت لنا الفرصة لاختبار فئات متعددة من الروبوتات؛ ومنها ذات العجلات والهوائية والمجنزرة».

شُكّل فريق كوستار للمشاركة في تحدّي «داربا سَب تي»؛ وهي مسابقة مستمرة تتجوّل فيها الروبوتات في محاكيات تحت أرضية مثل الأنفاق والمدن تحت الأرضية والكهوف؛ لكن آمال أعضاء هذا الفريق تتجاوز الغلاف الجوي للأرض؛ إذ أنهم يأملون في تطبيق ما تعلموه في هذا التحدي على البعثات المستقبلية في عوالم أخرى.

على وجه الخصوص؛ تُركز جهود الفريق على المركبات ذاتية القيادة والذكاء الاصطناعي. قد تسمح تقنياتهم في يوم من الأيام لروبوتات الكهوف المستقبلية باتخاذ قراراتها الخاصة، دون الحاجة إلى الاعتماد على التحكم الأرضي. هذا منطقي: إذا كانت المركبة الجوالة في مكان يصعب الوصول إليه، فلماذا لا نمنحها القدرة على إنجاز جزء من وظائفها بمفردها؟

وفقاً لـ «جنيفر بلانك»؛ الباحثة في مركز أبحاث «أيمس» التابع لوكالة ناسا وقائدة مشروع برايل، ستصبح المركبات الجوالة قريباً قادرةً على رسم الخرائط واستكشاف الكهوف بمفردها، ويمكنها أيضاً تحديد نقاط الاهتمام الخاصة بها. على سبيل المثال؛ رواسب الجليد أو مواقع السكن الواعدة.

يحضّر البعض إلى العيش في الكهوف بطريقة أعمق حتّى. في أيسلندا، تأمل مجموعة من الطلاب في بناء محاكاة لظروف العيش في أنابيب الحمم القمرية. تدير وكالة الفضاء الأوروبية برنامجاً يسمى «كيفز»؛ والذي يتدرّب ضمنه رواد الفضاء من جميع أنحاء العالم داخل الكهوف، ويمكن أن يفيد هذا البرنامج رواد الفضاء بطرق متعددة. مثلاً؛ الأماكن الضيقة والأنفاق المعزولة يمكن أن تعد رواد الفضاء للإقامات الطويلة في محطة الفضاء الدولية.

لا يرغب الناس في استكشاف الكهوف القمرية فحسب، ففي نهاية المطاف؛ أنابيب الحمم البركانية ليست مقصورةً على القمر. ربما توجد كهوف مماثلة على كوكب عطارد، أو قمر المشتري «آيو»، وأي عالم آخر يحتوي على حمم بركانية مثل كوكب الأرض. توجد أنابيب الحمم البركانية بالتأكيد على سطح المريخ، وقد تم اقتراحها أيضاً كمساكن بشرية. من المحتمَل أن تلك الكهوف كانت حتى ملاجئاً لكائنات حية على المريخ، وربما لا تزال تحتوي على أشكال من الحياة.

في الواقع؛ الكوكب الأحمر هو الهدف النهائي لفريق كوستار وبرايل؛ لكن في الوقت الحالي، فالقمر هو هدفنا التالي، وعلى الرغم من أن أعماق كهوفه غامضة بالفعل؛ إلا أن التركيز عليها يزداد كل عام.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.