Reading Time: 4 minutes

يمكنك إرسال رسائل مشفّرة باستخدام تطبيقات مثل «سيجنال»؛ لكن لا يوجد حالياً أي نظام آمن تماماً بحيث لا يمكن اختراقه تماماً. يوماً ما؛ يمكن أن يصبح التشفير أكثر أماناً بكثير بفضل الشبكات الكمومية التي تُسخّر قوانين ميكانيك الكم (الفرع الغامض من الفيزياء الذي يحكم الكون في أصغر مقاييسه) لفعل ذلك.

على الأرجح أنّك تقرأ هذه المقالة باستخدام جهاز إلكتروني يعمل في أكثر مستوياته أساسيةً بوجود بِتّات مصنوعة من ترانزستورات سيليكونيّة. في العالم اللّاكمومي؛ والذي يدعوه العلماء «العالم الكلاسيكي»، يحمل كل من هذه البتّات رقماً واحداً: صفر أو واحد.

تستخدم الأجهزة الكمومية بتّاتها الكمومية الخاصة؛ والتي تدعى «كيوبتس»، وتعمل وفق قوانين ميكانيك الكم؛ هذا يسمح لهذه البتّات أن تتصرف بطرق غريبة ومدهشة. يستطيع «الكيوبت» مثلاً أن يحمل رقمين؛ صفر وواحد، معاً في نفس الوقت.

تستطيع الشبكة الكمومية إرسال هذه البتّات الكمومية الغريبة. الفوتونات هي مثال جيد؛ وهي جسيمات يستطيع العلماء إرسالها عبر الألياف الضوئية التي تمثّل أساس شبكة الإنترنت التقليدية.

الشبكات الكمومية؛ والتي لا تزال في المرحلة التجريبية، تفيد في ربط الأجهزة الكمومية مع بعضها. يقول «كريستوف سايمون»؛ باحث مختصّ في البصريّات الكمومية في جامعة كالغاري: «الآن مع البدء في تصميم الحواسيب الكمومية، بدأ العلماء بالتفكير بشكلٍ أكثر جديّة بطرق ربطها عن طريق شبكات».

من الصعب تصميم حاسوب كمومي حالياً، والأصعب هو جعل هذه الحواسيب أكبر حجماً. يقول «أوليفر سلاتيري»؛ فيزيائي في وكالة ومختبر «ذا ناشيونال إنستيتوت أوف ستانداردز آند تكنولوجي» الأميركية: «إحدى طرق زيادة قدرة هذه الحواسيب على المعالجة هي ربط عدد منها بشبكة لخلق حاسوب كمومي فائق واحد».

لكن الاستخدام الأصلي (والأكثر شيوعاً) للشبكات الكمومية هو في إنشاء اتصالات تكون -على الأقل نظرياً- محميّةً أكثر بكثير من أية اتصالات أخرى يمكن إجراؤها باستخدام الإنترنت التقليدي.

التشابك الكمومي

هذه الاتصالات فائقة الأمان تستفيد من ظاهرة تُدعى «التشابك الكمومي». ببساطة؛ يمكنك أن تخلق جسيمات «متشابكة» كمومياً، وإذا رصدت حالة واحد منها، ستؤثّر في حالة الآخر؛ وذلك بغض النظر عن المسافة بينهما.

يمكننا استخدام هذه الظاهرة لتشفير المعلومات؛ تخيّل أنك تريد إرسال رسالة لصديقك الموجود في مدينة أخرى، كلاكما ستستقبلان جسيماً من زوج من الفوتونات المتشابكة. قياس حالتي هذين الفوتونين سيمنح كلاً منكما رمزاً فريداً، ويمكنك عندها استخدام هذا الرمز في تشفير رسالة، ويستطيع بعد ذلك شريكك فك شيفرة هذه الرسالة باستخدام نفس الرمز.

اقرأ أيضاً: تطبيق سيجنال: لماذا يجب استخدام تطبيقات المراسلة المشفّرة؟

إذا حاول أحد ما كشف الرمز، فهذا الأمر وحده سيؤثّر في الفوتونات، وستعلم عندها أن أحداً ما يحاول اختراق النظام. تقول «ناتالي دي ليون»؛ أستاذ الهندسة الكهربائية وهندسة الحواسيب في جامعة برينستون: «لا يستطيع أحد التنصّت والقيام بالقياسات ضمن هذا النظام دون أن يُكشف»، وتضيف: «أيضاً لا يستطيع أحد أن يعترض المعلومات وينسخها».

لا يمكنك نسخ الكيوبت بسبب مبدأ كمومي آخر اسمه «مبدأ عدم الاستنساخ»؛ ولكن هذا المبدأ هو أيضاً نقطة الضعف الأكبر في الشبكات الكمومية. إذا أرسلت كيوبت في خطٍ ما، فلن يتحرّك لمسافة طويلة قبل أن يفنى. في شبكة الإنترنت التقليدية، يمكنك ببساطة أن تنقل هذه المعلومات؛ ولكن هذا لا يمكن فعله في العالم الكمومي، وذلك لأن استنساخ الكيوبت غير ممكن.

كنتيجة؛ يمكن للشبكات الكمومية الحالية إرسال الكيوبتّات لبضعة كيلومترات فقط؛ هذا يعني أنه حتى إذا تمكنّا من إرسال الكيوبتّات عبر ألياف حالياً، لن نستطيع أن نحقق ذلك على مقياس يتجاوز نطاق مدينة واحدة. تقول دي ليون: «القيام بذلك يتطلّب تقنيّات جديدة كلياً،»، ومع ذلك؛ هناك طرق أخرى، ولكنّها ليست آمنة بالضرورة؛ ومنها نقل الرسائل عبر وسطاء، ولا يمكن دائماً الوثوق بالوسطاء.

الفضاء الآمن

من الممكن أيضاً تجنّب الألياف كلياً وإرسال الكيوبتّات عبر ما يدعوه الباحثون «الفضاء الآمن»؛ وهو الهواء الطلق حرفياً. تشبه هذه العلمية تشغيل ضوء بشكلٍ متقطّع من قمة جبل لآخر، يجب عليك أن ترى الضوء مباشرة آتياً من الطرف الآخر؛ مما يجعل هذه الطريقة غير عملية في معظم الحالات، كما أنها معرضة لتأثير العوامل الجويّة.

مع ذلك؛ هذه الطريقة تعمل في الفضاء الفارغ؛ وهذا ما سمح للقمر الاصطناعي الصيني «كيو يو إي أس أس» بنقل كيوبت لحظياً من مداره إلى الأرض عام 2017. هذه العملية بطيئة وليست ذات كفاءة بشكلٍ خاص؛ لكن العلماء المسؤولين عن هذا القمر (والحكومة الصينية) يأملون أن هذه التكنولوجيا يمكن أن تمثّل أساساً لشبكة أقمار اصطناعية كمومية.

على الرغم من أن نقل الكيوبت لحظياً أمر مثير للإعجاب؛ لكن وفقاً لدي ليون، فهو مبني على أعمال سابقة؛ إذ تقول: «كانت تجربةً مهمةً للغاية … وأظن أننا تعلمنا الكثير منها»، وتضيف: «لكننا كنا نستطيع أن نحقق كل ما حققوه من 10 أو 15 سنة مضت».

مع ذلك؛ يركّز العلماء الآن على بناء محطات أرضية لاستقبال الكيوبتّات من الفضاء. لن يبقى القمر الاصطناعي الصيني وحيداً لفترة طويلة؛ يصمم عدد من العلماء من مؤسسات كندية؛ ومن ضمنهم كريستوف سايمون، قمراً اصطناعياً جديداً اسمه «كيو إي واي أس سات». يقول سايمون: «نحن في خضم عملية تحديد الأهداف الممكنة والمعقولة»، ويضيف: «بالحقيقة؛ نحن نفكّر بالقمر الاصطناعي التالي».

إذاً، هل يمكن أن تؤدّي هذه الأمور كلها إلى «إنترنت كمومي»؟ في النهاية؛ شبكة الإنترنت التقليدية السائدة اليوم بدأت كشبكة وليدة من الاتصالات بين المختبرات والجامعات.

لا يزال أمامنا الكثير من العمل حتى نحقق ذلك، كما تواجهنا بضعة عوائق تقنية يجب تجاوزها. يتطلّب تشغيل الحواسيب الكمومية درجات حرارة فائقة البرودة تتجاوز الصفر المطلق بقليل؛ لكن معظم الألياف الضوئية لا تتطلّب ذلك. لذا، فأي ربط بين الاثنين يجب أن يتضمّن حلًا لفرق الحرارة هذا.

لكن ربما يكون التحدّي الأكبر هو أن العلماء لم يُجمعوا بعد على العناصر الأساسية التي يجب بناء الشبكات الكمومية منها. تتضمن الشبكات الكمومية الحالية معدّات بسيطة نسبياً؛ لكن مع الزمن، سيحاول العلماء تصميم عُقد أكثر تعقيداً يمكن أن تستخدم الحيل الكمومية، وتلتف حول مشكلة عدم النّسخ، وتُشكّل شبكات كمومية أكبر. تقول دي ليون: «لم نحدد بعد العنصر الذي سيقابل الترانزستورات السيليكونية في الحواسيب الكمومية».

يريد بعض الباحثين قراءة الكيوبتّات عن طريق حصرها في بخار الروبيديوم، بينما يرغب آخرون في قراءتها باستخدام أقفاص من المغانط والليزرات. ترغب مجموعة دي ليون باستخدام طريقة عبقرية؛ الألماس. يمكن أن يخدم إحدى العيوب في الألماس؛ يدعى «مركز الشغور النتروجيني»، كشكل من الذاكرة الكمومية. تقول دي ليون: «الوحدة الأساسية لا تزال غير معروفة».

حتى تُحل مثل تلك المشاكل الأساسية؛ ستظل الشبكات الكمومية بأغلبها محدودة بالمختبرات، وبالرغم من تَميّز هذه التكنولوجيا؛ إلا أنها -على الأرجح- لن تستبدل شبكة الإنترنت التقليدي في أي وقت قريب. يقول سلاتيري: «من المؤكد تقريباً أن الشبكات التقليدية يجب أن تُشغّل إلى جانب الشبكات الكمومية حتى تكون هذه الأخيرة قابلةً للاستعمال بشكلٍ عملي».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.