Reading Time: 3 minutes

سأل أحد الحكماء مرة: ماذا يقول الثعلب؟ معلومات حول تأنيس الكلاب على ما يبدو. بفضل جهود تجربة متعلقة بتربية الحيوان بدأت أيام الإتحاد السوفييتي، كشف الباحثون بعض الغموض المتعلق بالجينات التي تحكم كيفية تحوّل الثعالب والأنواع الكلبية الأخرى من حيوانات عدوانية، إلى حيوانات أليفة ظريفة ولطيفة لا تمانع عيش حياة استرخاء مع البشر.

نشر البحث منذ عامين في دورية «نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن»، حيث بدأ في العام 1959، عندما قرر العالم الروسي «ديميتري بيلييف» إطلاق مشروع طموح يهدف لتعلُّم كيفية انحدار الكلاب من الذئاب وحيازتها للصفات التي تجعلها أليفة. توقَّع بيلييف أن سلوك الكلاب كان وراثياً. وقرر أن يبدأ بتربية وتوليد الكثير من الثعالب، حتى يختبر ما إذا كان قادراً على إعادة إنتاج التحوّل من الذئاب إلى الكلاب.
تأنيس الثعالب الحمراء

أخذ بيلييف مجموعة من الثعالب الفضية (ثعالب حمراء بفرو فضي اللون)، وبدأ بتوليد الأفراد الأكثر وداً وطواعية منها. في هذه الحالة، ميزة الطواعية تشير للأفراد التي لم تهاجم البشر الذين وضعوا أصابعهم في أقفاص الثعالب. زُوِّجت أكثر الأفراد طواعية من كل جيل لبعضها، وفي النهاية، بدأت أحفادها تتقرّب بشكلٍ فاعل من البشر وتطالب بالحنان. حتى أنها بدأت بإظهار الميزات الحيوية الأساسية للكلاب المستأنسة، مثل الذيول الملفوفة والآذان الليّنة (نعم، يعتني البعض بالقليل من هذه الثعالب كحيوانات أليفة.)

في نفس الوقت، ولّد بيلييف وزملاؤه خطاً آخراً من الثعالب الفضية التي انتُقت لسلوكها العدواني والانفعالي؛ مثل الهجوم أو الزّمجرة بوجه أي أحد يقترب منها. بعد أكثر من 40 جيل، أنتج المشروع خطّين منفصلين من الثعالب الأليفة والعدوانية.

تقول «جوجي زانج»، أستاذة في جامعة كوبنهاغن ومؤلفة مشاركة للدراسة الجديدة: «توفِّر تجربة تأنيس الثعالب الحمراء فرصة ممتازة لرؤية تاريخ تأنيس الكلاب، وتحديد الجينات المسؤولة عن التأنيس، لأن عملية التأنيس بحد ذاتها تمّت عن طريق انتقاء السلوكيات». لذلك، في عام 2010، قررت وزملاؤها سَلسَلة الجينوم الخاص بالثعالب الحمراء في جهود لتحديد الجينات الأكثر أساسية في عملية التأنيس. تُركّز الدراسة الجديدة على مجموعتيّ الثعالب من التجربة الروسية، ومجموعة ثالثة تمثّل عيّنة أكثر حياديّة سلوكياً.

أنتجت زانج وزملاؤها جينوم مرجعي للثعالب الحمراء، وسَلسَلوا جينوم 10 ثعالب أليفة، و10 ثعالب عدوانية، و10 ثعالب عادية. حدَّد الفريق 103 منطقة جينية تغيّرت أكثر مما تغيّرت بين الجماعات الثلاث. معظم هذه الجينات، وفقاً لزانج، متعلقة بسلوك الثعالب أو وظائفها المناعية. تقاطعت حوالي 45 من تلك المناطق مع المناطق التي تضبط التأنيس عند الكلاب. بينما كان معروف سلفاً أن 30 منطقة منها ترتبط بالتروُّض، أو العدوانية عند الثعالب الحمر.

كان هناك جينٌ واحد بالتحديد أثار اهتمام الفريق فضلاً عن أي جين آخر: «أس أو آر سي إس 1»، وهو موجود في موقع معروف جيداً أنه يَحكم ميّزات سلوكية. تقول زانج: «هذا الجين واحد من أهم الجينات التي تُعتبر كإشارات للانتقاء الاصطناعي، إذ أنه يختلف بشكل كبير عن باقي الأنواع المختلفة، كما أن وظيفته دُرست بشكل مفصّل من قَبل وكُشف عن أنها ترتبط بالعديد من الاضطرابات السلوكية عند البشر؛ مثل التوحد والألزهايمر». وجدت دراسة حديثة على الفئران أن الجين السابق يلعب دوراً في توليد الإشارات العصبية، مما قد يفسر تأثيره على المزاج والسلوك. تقول زانج: «لذلك، من المحتمل بالفعل أن هذا الجين يلعب دوراً أساسياً في عملية انتقاء الصفات العدوانية أو الأليفة عند الثعالب».
تفاعل الثعالب مع البشر
اختبر الفريق هذه الفرضية عن طريق قياس الطريقة التي يتفاعل بها حوالي 1600 ثعلب مع البشر. ثم قارن هذا السلوك بنسخ الجين «إس أو آر سي إس 1» الموجود عند كل ثعلب، مما كشف في النهاية عمّا إذا كان سلوك الثعلب الأليف أو العدواني يرتبط بشكلٍ أكبر أو أقل بنسخة الجين الموجودة عنده. الثعالب المطواعة امتلكت نسخة من الجين كانت غير موجودة عند الثعالب العدوانية أو العادية، بينما كانت نسخة أخرى من الجين غالبة عند الثعالب العدوانية نادرة في الجماعات الأخرى.

تمتلك الثعالب المؤنسة بعض صفات الكلاب – Kingston Photography for the JAB Canid Education and Conservation Center

تمثل الدراسة الجديدة مرحلة جديدة مثيرة للإعجاب من المشروع الذي استمر لحوالي 60 سنة. لكن النتائج نفسها لا يجب اعتبارها كأدلة على أن جينات أو مناطق جينية محددة تحكم بشكلٍ تام ما إذا كان الحيوان أليفاً أم لا. تقول زانج: «العديد من الجينات تتفاعل مع بعضها بطرق معقدة لتولّد الميّزات السلوكية». على سبيل المثال، ترتبط منطقة جينية اختلفت من جماعة ثعالب لأخرى بمتلازمة «ويليامز بيورين»، وهو اضطراب يسبب عادة عادات اجتماعية ومنطلقة للغاية عند البشر.

قد نتوقع أن هذه المنطقة ستظهر عند الثعالب الأليفة، لكنها ظهرت عند الثعالب العدوانية بدلاً من ذلك. من ناحية أخرى، الأشخاص المصابون بالمتلازمة السابقة يعانون من نوبات حادّة من القلق. عند الثعالب، القلق يمكن أن يولّد الخوف من الإنسان، مما يؤدي إلى سلوكيات عدوانية. كشف طرق الانتقال من الأنماط الجينية إلى الأنماط الظاهرية هو عادة عملية مضنية وصعبة.

تقول زانج: «تحديد إشارة الانتقاء هو أمر صعب لأن الإشارات على الجينات المنفردة يمكن أن تكون ضعيفة». لاقى الفريق النجاح في تحديد ودراسة الجين أس أو آر سي أس 1 في العمق، ولكن «نحن لا نتوقّع أن نكون قادرين على تحديد الجينات المنفردة كلها بهذه المقارنة».

مع ذلك، تشير النتائج إلى أن السلوكيات الجينية عند الأنواع الحيوانية المختلفة تنتج عن نفس الآليات الجينية، إضافة إلى أن السلوك يمكن أن يتغيّر بشكلٍ كبير عبر عدة أجيال فقط من الانتقاء الاصطناعي.

المقالة باللغة الإنجليزية