ماذا يخبرنا قرن كامل من ارتفاع منسوب مياه البحر عن الثلاثين سنة القادمة؟

ماذا يخبرنا قرنٌ كامل من ارتفاع مستوى مياه البحر عن الثلاثين سنة القادمة؟
جزء من مسار الدراجات مغطّى بمياه المحيط خلال أحد فيضانات المد والجزر في ميل فالي بكاليفورنيا في 3 يناير/كانون الثاني عام 2022. حقوق الصورة: جوزيف إديلسون/ أ ف ب.
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

في بوسطن وجالفستون وتشارلستون، تتدفق مياه المد والجزر العالية بانتظام إلى المناطق المنخفضة في الأيام المشمسة. مثل هذه الفيضانات، والتي كانت نادرة أو حتى مستحيلة منذ ثلاثة عقود، تحدث الآن عدة مرات في السنة. لقد باتت بعض أحياء ميامي تتعرض للفيضانات كل بضعة أسابيع في الربيع.

غالباً ما يُنظر إلى هذه الفيضانات على أنها إشارة إلى ما سيجلبه تغير المناخ إلى الشواطئ الأميركية. لكنها أيضاً نتيجة لارتفاع مستوى سطح البحر الذي حدث فعلاً، وعلامة على استعداد البلاد المحدود للتعامل مع المزيد من المياه. نواجه أزمةً بالفعل.

ارتفاع مستوى سطح البحر: السيناريو الذي سنواجهه كثيراً في المستقبل القريب

على مدى الثلاثين عاماً القادمة، سيكون متوسط ارتفاع مستوى سطح البحر في الولايات المتحدة أعلى بمقدار 30 سنتيمتراً تقريباً مما هو عليه اليوم، وذلك وفقاً للتوقعات الأخيرة في تقرير مشترك بين الوكالات صادر عن الإدارة الوطنية لعلوم المحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، والمستند على تقديراتٍ أكثر دقة لارتفاع مستوى سطح البحر وردت في التقارير الأخيرة الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. هذا الارتفاع، كما تشير NOAA، يعادل ارتفاع مستوى سطح البحر منذ عام 1920.

شاهد مستويات سطح البحر المتوقعة عبر الولايات المتحدة في ظل سيناريوهات الاحترار المختلفة.

سوف تتفاقم فيضانات المد والجزر على مدى الثلاثين عاماً القادمة، ما يؤثر على المجتمعات التي لا يمكن الوصول إليها حالياً. ولكن، كما يقول ويليام سويت، عالم المحيطات في NOAA والمؤلف الرئيسي للتقرير الجديد، فإن ما يحدث الآن ليس مجرد أحداثٍ عابرة. يعيش سويت في أنابوليس بولاية ماريلاند، ويقول إنه يتلقى بانتظام تحذيرات بشأن الفيضانات على الطرق المحلية، ويضيف: «عندما أسمع أن هناك مداً سيحدث في يوم مشمس، أقول يحدث هذا النوع من الفيضانات لدينا منذ عقود. دعونا نسميها الفيضانات بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر».

اقرأ أيضاً: على مدار 16 عاماً: ناسا ترصد خسارة الجليد وارتفاع سطح البحر 

مئة عام على بدء ارتفاع مستوى سطح مياه البحر

يقول روبرت كوب، عالم المناخ في جامعة روتجرز، ومؤلف رئيسي في أحدث التوقعات المناخية الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ: «على الرغم من أن ارتفاع مستوى سطح البحر في جميع أنحاء البلاد قد تسارع إلى نحو بوصة واحدة كل ثلاث سنوات في الخمسة عشر عاماً الماضية، إلا أن وتيرة الارتفاع في القرن العشرين كانت بالفعل الأسرع فيما لا يقل عن 3000 عام مضت». وجدت ورقة بحثية حديثة بقيادة أحد أعضاء فريق كوب أن محيطات الولايات المتحدة بدأت في الارتفاع بشكل مطرد في وقت ما في أواخر القرن التاسع عشر، بعد بضعة عقود من بدء متوسط درجات الحرارة العالمية في الارتفاع.

جاءت أولى علامات هذا التغيير من قياسات المياه، والتي يعود عمر بعضها إلى أكثر من قرن. ويشير سويت إلى أنه تم استخدام هذه القياسات لرسم خرائط دقيقة لممرات سفن الشحن، ومع مرور الزمن، أدرك رسامو الخرائط أن متوسط المد والجزر قد ارتفع قليلاً على مر العقود.

لقد تغير مصدر ارتفاع مستوى سطح البحر على مدار المائة عام الماضية، على الرغم من أن السبب الرئيسي هو ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض. يعود جزء من الزيادة إلى تمدد مياه المحيط مع ارتفاع درجة حرارتها. لكن جزءاً كبيراً من الارتفاع خلال المائة عام الماضية جاء من الأنهار الجليدية في العالم. إذ تستجيب الأنهار الجليدية بسرعة لارتفاع درجات الحرارة، كما يقول توماس فريدريكس، خبير مستوى سطح البحر في مختبر الدفع المشترك التابع لوكالة ناسا ومؤلف أحدث تقرير من الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، لكنها لا تشكل الكثير من المياه بشكل عام.

ولكن منذ التسعينيات، شكلت المياه الذائبة المتدفقة من الصفائح الجليدية في جرينلاند والقطب الجنوبي نسبة متزايدة من الإجمالي. يقول فريدريكس: «إنها بخلاف الأنهار الجليدية، والتي تكون عادةً بطيئة للغاية، ولكن عندما تذوب، فإنها تضيف إلى المجموع بسرعة».

مناطق الولايات المتحدة التي شهدت أكثر التحولات دراماتيكية تغرق مع ارتفاع مستوى المحيطات. لقد ارتفعت سواحل المحيط الأطلسي أكثر- والتي ارتفعت نحو 20 سنتيمتراً منذ عام 1980- خلال ذروة العصر الجليدي الأخير واستمرت في الغرق أكثر منذ ذلك الحين. على سبيل المثال، تنخفض الأرض في سواحل تكساس ولويزيانا، التي ارتفعت مياه المحيط فيها قدماً منذ الثمانينيات، بسبب ضخ المياه الجوفية والتنقيب عن النفط والغاز والترسب البطيء للطين الساحلي. في المتوسط، انخفضت اليابسة في الولايات المتحدة أربع بوصات، بينما ارتفع المحيط ثماني بوصات.

ما هو أثر ارتفاع مستوى سطح البحر 30 سنتيمتراً على المجتمعات الساحلية؟

أصبحت فيضانات المد والجزر الآن أكثر شيوعاً في جميع أنحاء الولايات المتحدة بمقدار الضعف مقارنةً بما كانت عليه في عام 2000. وجدت دراسةٌ أجرتها منظمة «كلايمت سنترال» بقيادة كوب عام 2016 أن ثلثي الفيضانات الساحلية منذ عام 1950 لم تكن لتحدث على الأرجح لولا ارتفاع مستوى سطح البحر. وفي هونولولو، كان ما بين 83 و100% من الفيضانات التي حدثت منذ عام 2004 ناتجاً عن تغير المناخ.

سيكون الضرر خلال الثلاثين سنة القادمة أكبر بكثير. لقد بُنيت المجتمعات الساحلية على ارتفاع كافٍ فوق المحيط لحماية نفسها من ارتفاع مستوى سطح البحر. يقول سويت إن هذا لم يكن مقصوداً بالضرورة، إذ من المحتمل أن المجتمعات الساحلية قد بُنيت على ارتفاع كافٍ لتجنب العواصف الشديدة التي تحدث كل بضع سنوات فقط. هذا يعني أن لديهم عيباً في النظام، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يتأثروا بفيضانات المد والجزر إذا ما ارتفع مستوى سطح البحر بمقدار 30 سنتيمتراً.

سيؤدي هذا الارتفاع إلى فقدان الحاجز ضد العواصف. تتوقع NOAA أن الفيضانات المدمرة ستصبح أكثر شيوعاً بخمسة أضعاف بحلول عام 2050. قد يؤدي ارتفاع قدم واحد آخر من المياه إلى وضع المزيد من المجتمعات- بما في ذلك تلك الموجودة على الساحل الغربي، والتي لم تتعرض لفيضانات الإعصار- في موقع ميامي، إلى حدوث فيضانات مد عاتية ومنتظمة. يقول سويت: «سوف تُغمر المناطق التي تغمرها المياه الآن أكثر. المناطق التي تقع مباشرة على الحافة، والتي يوجد بها تجمعات سكنية في مناطق مكشوفة ومسطحة، ستبدأ في التعرض للفيضانات بشدة بعد ارتفاعٍ طفيف في مستوى سطح البحر».

شاهد كيف ستؤثر مستويات سطح البحر المرتفعة على كل مقاطعة على حدة

تختلف قابلية التأثر بشكلٍ كبير تبعاً لمدى تغير المناخ. يمكن أن تشهد هونولولو ارتفاعاً في مستوى سطح البحر بمقدار قدمٍ بحلول عام 2050 إذا خفّض البشر انبعاثات الكربون بسرعة، أو نحو قدمين إذا استمرت الأنشطة البشرية كما هي عليه الآن.

اقرأ أيضاً: ما الذي يحدث بالضبط مع ارتفاع مستوى سطح البحر

هل استجابت المجتمعات الساحلية؟

لكن تأثير ارتفاع مستوى سطح البحر يتعلق بمن يعيش بجوار المحيط، وليس فقط بمقدار ارتفاعه. لقد بنى الأميركيون على مدى القرن الماضي المزيد من المنازل على السواحل، وغالباً بوتيرةً أسرع من بنائها في الداخل.

يشير ذلك إلى أنه حتى ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار قدم واحد لم يقنع الناس بالضرورة بالبحث عن منازل في مكان آخر.

يقول كوب: «أعتقد أنه من المهم مراعاة الاختلاف بين تأثيرات ما بعد الكارثة والتأثيرات المزمنة». غالباً ما تؤدي الكوارث (ولكن ليس دائماً) إلى تخصيص الأموال الفيدرالية لمعالجتها، وتخلق إطاراً فيدرالياً لشراء المنازل المعرضة للفيضانات، عادةً من خلال الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA). كما تؤثر على أسعار الإيجارات والعقارات نظراً لأن بعض ساكني المناطق الساحلية يقررون الانتقال بدلاً من إعادة بناء منازلهم.

تعد عمليات الاستحواذ في المناطق التي تتعرض للفيضانات بشكل متكرر نادرة. أحد برامج الاستحواذ الدائمة الأولى في البلاد موجود في ولاية نيو جيرسي. تم إنشاء البرنامج، المسمى «بلو أكرز» (Blue Acres)، في عام 1995، وتم تعزيزه بتمويل فيدرالي بعد إعصار ساندي. يشتري البرنامج المنازل في جميع المقاطعات المتضررة من إعصار ساندي، فضلاً عن العقارات التي تعرضت لفيضانات متكررة. بعد ذلك، يتم تحويل الأرض إلى مساحة عامة مفتوحة بهدف إنشاء مناطق ساحلية عازلة تشكل حاجزاً لامتصاص الفيضانات المستقبلية.

نمت شعبية البرنامج بعد الكوارث الطقسية، مثل إعصار إيدا في الصيف الماضي. لكن حقيقة أن البرنامج دائم تعني أنه يمكن أن يستجيب أيضاً للفيضانات الأقل شدة التي تنجم عن ارتفاع مستوى سطح البحر.

تدير لويزيانا أيضاً برنامج استحواذ لثلاثة أحياء معرضة للفيضانات بشكل خاص متناثرة في جميع أنحاء الولاية، وتخطط للتوسع في أربعة مواقع أخرى قريباً. في أحد أحياء «تشارلز ليك» التي ضربها إعصاران في عام 2020، يقدم برنامج الاستحواذ قيمة سوقية عادلة للمنزل، أو حداً أدنى لسعر يكون بمثابة «حافزٍ سكني مرن». (ترتبط أسعار المساكن في "السوق العادلة" بالاستبعاد الاجتماعي التاريخي- والذي ينطوي على الحرمان المنهجي من الخدمات المختلفة لسكان أحياء أو مجتمعات معينة- وقد أدى استخدامها إلى تحيز عنصري في تمويل التعافي من الكوارث).

يقول أحد سكان حي تشارلز ليك لصحيفة أميركان برس: «في كل مرة تمطر بغزارة علينا المغادرة. نحن بحاجة للمساعدة هنا».  لكن الارتفاع الهائل في أسعار المساكن أدى إلى عدم قدرة برنامج الاستحواذ على تغطية تكلفة الانتقال.