علماء يكتشفون آليات تطورية تعاونية لدى أشجار الورد

كيف تتعايش وتزدهر الأنواع المختلفة من شجر الورد في الصين؟
مروج شجر الورد تغطي جبال هينغدوان في الصين. تشين لي
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

عندما تسمع مقولة “البقاء للأصلح” التي تصف الانتقاء الطبيعي، قد تتخيل الحيوانات وهي تتقاتل للحصول على الموارد الشحيحة وتتكيف لتزدهر على النحو الأمثل في عالم مخيف دائم التغيّر لا يعتبر البقاء فيه مضموناً. لكن أحياناً، يمكن أن يأخذ التطور شكلاً أكثر رفقاً ينطوي على التعاون بين الكائنات. في حين أنه غالباً ما تتم دراسة تطور الحيوانات التي تعيش في جزر الغالاباغوس مثل السلاحف البرية المذهلة والعصافير من فصيلة الشرشوريّات، فإن بعض العلماء يدرسون عالم النباتات لفهم آليات التطور بشكل أفضل.

دراسة تطور شجر الورد

سعى الباحثون في دراسة نُشرت بتاريخ 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2022 في مجلة علم البيئة لحل لغز تطوري يتعلق بالأزهار التي تنمو في الصين. تقع مروج جبال هينغدوان في جنوب غرب الصين بجوار مرتفع تشينغهاي في التبت. ويصنّف العلماء هذه المنطقة على أنها إحدى بؤر التنوّع الحيوي، أي أنها منطقة تتمتّع بتنوّع حيوي كبير وتعتبر معرضة للخطر بيئياً. تعيش عشرات أنواع النباتات التي تقرب بعضها وراثياً بانسجام في هذه المنطقة.

أحد أجناس النباتات التي تعيش في هذه المنقطة هو شجر الورد، وهو جنس من الشجيرات المزهرة يشمل شجيرات الأزالية الأرجوانية والوردية الزاهية وشجيرات إلفيرا التي تشبه أزهارها شكل الأبواق وشجيرات بلو بيتر. قالت الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراة في متحف فيلد للتاريخ الطبيعي والمؤلفة الرئيسية للدراسة الجديدة، تشين لي (Qin Li)، في بيان صحفي إنه في جبال هينغدوان، “يشكّل شجر الورد كتلاً كثيفة على طول سفوح الجبال تبدو مثل محيط من الأزهار”.

تظهر أنواع جديدة من شجر الورد في هذه المنطقة نتيجة لعملية تحمل اسم الانتواع. والتي تحدث عندما يتطور نوع جديد من سلف مشترك. وفقاً لأمين متحف فيلد في مدينة شيكاغو والمؤلف الرئيسي للدراسة، ريك ري (Rick Ree)، يتوقع العلماء أن تكون الأنواع الجديدة أكثر تشابهاً بكثير من الناحية البيئية مقارنة بأنواع النباتات ذات القرابة البعيدة.

قال ري في بيان صحفي: “تنص فكرة أساسية في علم المكانة البيئية على أن نمط حياة نوع معين، مثل الكائنات التي يتغذّى عليها أو الدور الذي يؤديه في بيئته، لا يمكن تكراره في نفس المجتمع. إذا عاش نوعان يتمتّعان بنفس نمط الحياة في نفس المنطقة، فسيتنافسان مع بعضهما. ما سيؤدي إما إلى تكيّف أحدهما أو كليهما مع أنماط حياة مختلفة وغير متقاطعة، أو انقراضهما”، وأضاف: “نظراً لوجود عدد كبير من أنواع شجر الورد القريبة من بعضها وراثياً في جبال هينغدوان، أردنا أن نكتشف الطريقة التي تمكّنت فيها هذه الأنواع من العيش مع بعضها بانسجام”.

اقرأ أيضاً: حتى النباتات تشهد انقراضاً بمعدل كبير

كيف استطاعت أنواع شجر الورد التعايش مع بعضها؟

لفعل ذلك، درس الفريق أنماط إزهار 34 نوعاً من شجر الورد. اكتشف العلماء أن هذه الأنواع تزهر في فترات مختلفة من الموسم بطريقة تجنّبها التنافس مع بعضها على الكائنات الملقّحة. وكأنها تمتلك تقويماً مشتركاً.

ما حيّر العلماء حول هذا الجنس الفريد من الأشجار هو أن أنواع شجر الورد القريبة وراثياً والتي تعيش في هذه المنطقة يجب أن تكون أكثر عرضة من غيرها من الأنواع للتنافس مع بعضها على الموارد. مع ذلك، هناك الكثير من الطرق التي تستطيع وفقها هذه الأنواع أن تتعايش. قال ري: “يمكن أن تصبح هذه الأنواع مختلفة للغاية من ناحية تفضيلاتها للتربة والضوء والرطوبة. وهي سمات فيزيولوجية وظيفية أساسية للغاية. يمكن أن تطوّر هذه الأنواع أيضاً آليات تقلل قابليتها لتلقيح بعضها أو التنافس على الملقّحات. تتجسّد هذه التكيّفات في التغيّرات في شكل الأزهار وأحجامها وألوانها. وقد تتجسّد أيضاً في التغيّرات في الفترات التي تصبح فيها الأزهار جاهزة للتلقيح”، وأضاف: “من خلال تجزئة الجدول الزمني للإزهار، تستطيع هذه الأنواع تقليل احتمال إهدار حبيبات طلعها والموارد التي تستهلكها في التكاثر”.

وفقاً للدراسة الجديدة، يمكن أن تفسّر هذه الآليات التطورية لماذا لم تتسبب أنواع شجر الورد في انقراض بعضها بمرور الزمن.

قال ري: “عندما بدأنا الدراسة، توقّعنا أن توقيت الإزهار هو أحد العوامل المهمة، ولكن لم نكن متأكدين”، وأضاف: “نعرف مسبقاً أن هناك موسماً طويلاً تزهر فيه النباتات في منطقة جبال الهيمالايا؛ إذ إن هناك بعض الأنواع التي تزهر بكثافة أمام الحقول المليئة بالثلوج، بينما تزهر أنواع أخرى في نهاية فصل الصيف. يؤكّد تحليلنا للبيانات التي درسناها هذا التوقّع”.

يعتبر تحديد فترات الإزهار ضرورياً للغاية لفهم التهديد الناجم عن التغيّر المناخي والذي تواجهه هذه النباتات بشكل أفضل. وفقاً لري، هناك أدلة تبين أن التغيّر المناخي يؤثّر على توقيت الإزهار. ما يتسبب في تراجع أعداد الأنواع المزهرة وانقراضها.

يقول ري: “إذاً، فالسؤال الذي يجب أن نجيب عنه هو ‘كيف ستستجيب مجتمعات النباتات حول العالم للتغيّر المناخي؟’. يعتبر الطقس أحد العوامل التي تحفّز إزهار النباتات. ونظراً لأن التغيّر المناخي يؤثر على الطقس، من المرجح أنه سيتسبب بتغيّرات في البيئات التنافسية التي تعيش فيها هذه النباتات”. قال ري: “عندما تتغير البيئة، تواجه الأنواع ثلاثة خيارات: الانتقال من الموطن أو التكيّف أو الانقراض. ومن الواضح أن التغيّر المناخي يسرّع عملية تغيّر البيئات”.

Content is protected !!