Reading Time: 4 minutes

صمم عالم النفس الأميركي «والتر ميشيل» وزملاؤه في أواخر ستينات القرن الماضي، موقفاً تجريبياً عُرف باسم اختبار المارشميلو؛ وذلك لدراسة القدرة على ضبط النفس لدى الأطفال؛ أو ما يعرف بـ «تأخير الإشباع» عند الأطفال، فما هو هذا الاختبار، ومن أين جاءت أهميته حتى بات من الاختبارات الشهيرة في علم النفس؟

آثار اختبار المارشميلو

يعرّف تأخير الإشباع في علم النفس بأنه فعل مقاومة الدافع لأخذ مكافأة متاحة على الفور؛ وذلك أملاً بالحصول على مكافأة ذات قيمة أكبر في المستقبل، وتعتبر القدرة على تأخير الإشباع ضروريةً للتنظيم الذاتي أو ضبط النفس. تم إجراء تجربة اختبار المارشميلو على أطفال الروضات من عمر 4-6 سنوات؛ يتم وضع الطفل في غرفة لا تحتوي إلا على طاولة وكرسي، ويوضع على الطاولة نوع واحد من الحلوى التي يفضلها الطفل؛ قد تكون قطعة الحلوى هذه عبارة عن قطعة مارشميلو أو بسكويت أو أصابع مملحة، ويقال للطفل بأنه إذا انتظر لمدة 15 دقيقة قبل أكل قطعة الحلوى فإنه سيحصل على قطعتين بدل القطعة الواحدة، ثم يُترك لوحده في الغرفة.

أثبت هذا الاختبار أنه مفيد للغاية في إظهار أهمية القدرة على تأخير الإشباع، وأظهرت الدراسات اللاحقة أن الأطفال الذين كانوا أكثر قدرةً على الانتظار في هذا الموقف عندما كانوا في عمر الـ 4 سنوات يكونون أكثر نجاحاً اجتماعياً وأكاديمياً كطلاب في المدارس الثانوية، ويحصلون على درجات أعلى في اختبار القدرات الدراسية «SAT»، وفي نسخة هذا الاختبار الخاصة بالمراهقين؛ والتي تم تصميمها من قِبل عالمة النفس «إيدلغارد وولفيرت» وزملائها، تم اكتشاف أن طلاب المدارس المتوسطة والثانوية الذين يمكنهم الانتظار لمدة أسبوع للحصول على مكافأة مالية يكسبون درجات أعلى، ويظهرون سلوكاً أفضل في المدرسة؛ وهم أقلية، ومن المحتمل أن تقل نسبة إقبالهم على التدخين والكحول والمخدرات مقارنةً بأقرانهم الذين يختارون عدم الانتظار.

اقرأ أيضاً: دع أطفالك يشعرون بالملل: إنه صحي تماماً

فوائد اختبار المارشملو

shutterstock.com/ Josie Garner

من المثير للاهتمام أن اختبار المارشميلو له آثار إيجابية على الفتيات أكثر من الفتيان؛ فقد وُصفت الفتيات اللاتي ينتظرن مضي الفترة المطلوبة على أنهن يتمتعن بقدرة فكرية عالية ومؤهلات جيدة وذكاء أكبر، في حين وُصفت الفتيات اللاتي لا يستطعن الانتظار على أنهن متقلّبات عاطفياً ومتذمرات. في المقابل، يوصف الفتيان الذين يستطيعون الانتظار للنهاية بأنهم خجولون ومتحفظون ومطيعون وقلقون، في حين أن الفتيان الذين لا ينتظرون حتى نهاية الدقائق العشرة يتم وصفهم بأنهم حيويون ونشيطون وحازمون. تعكس مثل هذه الاختلافات قيمة الثقافة الأميركية على ضبط النفس للفتيات، بينما تكشف عن قبول ثقافي لدرجة معينة من الاندفاع بين الفتيان، وهكذا تشجع الثقافة الأولاد على تطوير أنماط سلوكية يمكن أن تتسبب لهم مشاكل في المستقبل.

أقرأ أيضاً: امنحوا الأطفال حرية أكثر في اللعب

اختبارات المارشميلو مستمرة

shutterstock.com/Josie Garner

لم يتوقف الباحثون عند التجربة التقليدية لاختبار المارشميلو، بل استمروا في إعادة التجربة بظروف مختلفة، وإضافة عوامل يمكن أن تؤثر على النتائج. بعض هذه التجارب دعّم نتائج اختبار «والتر ميشيل، وبعضها أظهر العكس.

اختبار المارشميلو لا يتنبأ بالمستقبل

أظهرت إحدى الدراسات من المعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية لرعاية الطفولة المبكرة وتنمية الشباب الأميركي؛ ونُشرت في دورية «سايكولوجيكال ساينس» العلمية عام 2018، تجربةً معدلةً من اختبار المارشميلو؛ أُجريت على 900 طفل؛ أي أن عدد الأطفال المشاركين في الدراسة أكبر وأكثر تنوعاً من التجربة التقليدية لاختبار المارشميلو، وقد اعتُبر الأطفال الذين ينتظرون 7 دقائق قبل تناول الحلوى لديهم القدرة على ضبط النفس، واستنتج المؤلفون أن التدخلات التي تركز فقط على تعليم الأطفال الصغار ضبط النفس من المرجح أن تكون غير فعالة.

ركزت الكثير من التحليلات في هذه الدراسة على عينة فرعية من الأطفال الذين لم تكمل أمهاتهم الدراسة الجامعية وقت ولادة الطفل، وكانت هذه العينة الفرعية أكثر تمثيلاً للتكوين العرقي والاقتصادي لعدد أكبر من الأطفال في الولايات المتحدة الأميركية؛ مقارنةً بتجارب المارشميلو الأصلية، وأظهرت النتائج أنه على الرغم من أن الأطفال الذين كانوا قادرين على الانتظار ومقاومة الإغراء يميلون إلى امتلاك مهارات أقوى في الرياضيات والقراءة في مرحلة المراهقة، إلا أن الارتباط كان ضئيلاً واختفى بعد أن تحكم الباحثون في خصائص أسرة الطفل والبيئة المبكرة، ولم يكن هناك ما يشير إلى أن القدرة على تأخير الإشباع تُنبئ بسلوكيات لاحقة أو مقاييس شخصية.

صبر الأطفال

وفي دراسة أخرى من جامعة كاليفورنيا الأميركية، نُشرت أيضاً في دورية «سايكولوجيكال ساينس» العلمية عام 2020، أعادت النظر في تجربة اختبار المارشميلو، وأفادت بأن الأطفال يهتمون أكثر مما كان يُعرف سابقاً بما يفكر به الآخرون عنهم، فقد أظهرت أن الأطفال الصغار سينتظرون ضعف المدة تقريباً للحصول على المكافأة إذا قيل لهم أن معلمهم سيكتشف المدة التي انتظروها؛ وبذلك يكون لاختبار المارشميلو أهمية أخرى هي وعي الأطفال بما يفكر به الآخرون، بالإضافة إلى ضبط النفس؛ فالأطفال الذين ينتظرون وقتاً أطول يكون لديهم وعي أكبر بذلك.

شملت الدراسة 273 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 3 و 4 سنوات في الصين، وأشارت النتائج إلى أن الرغبة في إقناع الآخرين قوية ويمكن أن تحفز السلوك البشري بدءاً من سن مبكرة جداً. فوجئ الباحثون بالنتائج التي توصلوا إليها، لأن وجهة النظر التقليدية هي أن الأطفال في هذا السن أصغر من أن يهتموا بما يفكر فيه الآخرون.

يمكن قياس تجربة اختبار المارشميلو على أي فعل في حياتنا؛ فهي لا تقتصر على الأطفال فقط، ويمكن اعتمادها كأسلوب حياة لزيادة انتاجيتنا، واتباعها لتقوية الإرادة وإظهار القدرات الكامنة في التحكم بالذات بهدف تحقيق إنجازات أكبر.

اقرأ أيضاً: إجابات الخبراء: لماذا نحب المرح؟