Reading Time: 3 minutes

مع عودة بعض الجامعات إلى التدريس بحضور الطلاب هذا العام، أشار نائب رئيس الجامعة الوطنية الأسترالية «بريان شميدت»، إلى أنه بالرغم من كون جامعته إحدى تلك الجامعات، فإن المحاضرات التعليمية ستكون أقل بكثير، ولن تكون «ركيزةً لسوء التعليم». منذ ذلك الحين؛ ناقش الكثيرون مشكلة المحاضرات؛ بمن فيهم نائب رئيس جامعة سيدني للتكنولوجيا، ومدير المركز الوطني للمساواة الطلابية في التعليم العالي في غرب أستراليا، وتباينت الطروحات بين من يدعو إلى تبنّي المحاضرات وبين إلغائها نهائياً.

لم يكن انتقاد أسلوب المحاضرات جديداً؛ لكن التحول الكبير والهائل في الاعتماد على التكنولوجيا بسبب جائحة فيروس كورونا، أدى إلى تصاعد الدعوات إلى إنهاء أسلوب المحاضرات وجهاً لوجه، ويُقال أنها ستستَبدل ببدائل متفوقة ومعززةٍ بالتقنية.

تنطوي هذه الطروحات على افتراضين ضمنيين؛ الأول هو أن المحاضرات تؤدي إلى سوء التعليم، والتكنولوجيا تحسّنه؛ ولكن هل هذان الافتراضان يستندان إلى الدليل العلمي؟ ربما ينبغي علينا أن نلقي نظرةً متفحّصة على كلا الافتراضين وعلاقتهما ببعضهما البعض، بدلاً من الدعوة إلى الغاء المحاضرات وتبنّي التكنولوجيا.

علاقتنا بالمحاضرات التعليمية

تتبع المناقشات حول التخلّص من المحاضرات أنماطاً يمكن التنبؤ بها؛ إذ يتركّز معظم النقد لها على أنها تؤثر سلباً على التعليم ومملة، ويستشهد منتقدو المحاضرات بالقاعدة المعروفة التي تقول أنّ فترة انتباه الطالب للمحاضر محدودة، وتتراوح بين 10 إلى 18 دقيقة فقط.

في حين أنه لا يوجد أي دليل على هذا الادعاء؛ إلا أن البعض قد يؤيده عندما يتذكر كيف كان يعاني كي يبقى مستيقظاً أثناء المحاضرات في الجامعة. بالمقابل؛ يمكننا تذكّر كيف تشدنا بعض المحاضرات إليها منذ البداية إلى النهاية. على سبيل المثال؛ من حضر برنامج «حديث تيد» الرائع، أو من تابع حلقاته على يوتيوب، يعرف الشعور الحقيقي بأن يكون منجذباً للعرض طوال الوقت.

مع ذلك؛ هل يمكن أن تجذب المحاضرات انتباه الناس لأكثر من 18 دقيقة؟ لقد اشتُهر الأستاذ الراحل «راندي باوش» بقوة وجودة محاضراته؛ خصوصاً محاضرته الأخيرة التي ألقاها بعد أن ثبتت إصابته بسرطان البنكرياس. كانت مدة هذه المحاضرة ساعةً وربع، ويعتبرها الكثيرون أكثر المحاضرات إلهاماً وبمثابة تحفةٍ في التدريس والتواصل الفعّال.

من الواضح أن المحاضرات الطويلة يمكن أن يكون لها تأثير كبير؛ ولكن كي يتحقق هذا التأثير؛ يجب فهم ما يجعل من المحاضرة جيدةً، ثم العمل على تطوير وتحسين هذا الأمر.

تخطّي الحدود والممارسة التقليدية

يتحدى باوش الصورة النمطية للمحاضرة التعليمية، فهو يستخدم الدعائم المادية والوسائط المتعددة والموارد الأخرى لتطوير المحاضرة، والانتقال بها إلى ما وراء المشاركة التعليمية النموذجية، وبذلك؛ يجعل محاضرته تغيّر كيفية تفاعل الجمهور معه بشكلٍ دوري، وبالتالي؛ تجذب الجمهور وتحافظ عليه.

يتطلب إلقاء محاضراتٍ على هذا المستوى أكثر من مجرّد امتلاك الخبرة؛ نحن بحاجة إلى مراجعة ممارسة التدريس، وتقييم جودة محاضراتنا فيما يتعلق بأهدافنا، ثم الالتزام بتطوير محاضراتنا وكذلك أنفسنا.

يروي البروفيسور «إريك مازور» كيف أنه -وخلال تدريس الفيزياء في جامعة هارفارد في التسعينيات- توصّل إلى إدراكٍ مؤلم يفيد بأن محاضراته كانت تفشل في الحفاظ على مشاركة طلابه، أو خدمة الأهداف التعليمية للموضوع، وقد استخدم هذا الإدراك كنقطة انطلاق لتحسين محاضراته، وتطوير معرفته ومهاراته التربوية.

منذ ذلك الحين؛ أصبح مازور خبيراً معترفاً به في تحسين مشاركة الطلاب؛ حيث ابتكر مجموعةً متنوعة من الحلول للأكاديميين، لجذب انتباه الطلاب والحفاظ على نشاطهم في المحاضرات؛ حتى تلك التي تتجاوز مدتها 18 دقيقة. تتراوح الأساليب التي يتبناها مازور من دمج مناقشات الأقران بين بعضهم في المحاضرات، إلى استخدام نظام أساسي تعاوني عالي التقنية لتعزيز إعداد الطلاب قبل المحاضرة.

خسارة الافتراضات وليس المنبر

ماذا عن الادعاء بأن التكنولوجيا ستحُل محلّ المحاضرات التعليمية التقليدية؟ يبدو هذا الادعاء مشكوكاً به لعدة أسباب.

يمكن نقل أساليب باوش ومازور إلى ساحة الإنترنت؛ حتى لو لم ندعُ ما سينتج بأنه محاضرة. هناك الكثير من الأمثلة المعروفة على كيفية عمل ذلك في منصات التعلّم المهنية عبر الإنترنت؛ مثل منصّة «خان أكاديمي» أو «لينكد إن ليرنينج» -والمعروفة سابقاً بمنصة بـِ ليندا-. أياً كان ما نطلقه على هذه الأساليب، فمن الواضح أن التكنولوجيا يمكن أن تدعم المحاضرات بالفعل بدلاً من استبدالها.

دعونا الآن نغيّر صيغة السؤال: هل يضمن استخدام التكنولوجيا أو حتى يزيد من احتمالية التدريس الجيد؟ في الواقع؛ يمكن للتكنولوجيا أن تسهّل ممارسات التدريس الجيدة؛ مثل استخدام التصويت وغرف الاجتماعات الجانبية (في تطبيق زووم) والمؤقت الزمني، كمت يمكنها أن تفتح إمكانيات ونماذج جديدةً للتدريس؛ ولكن لا توجد ضمانات بهذا الشأن.

في الحقيقة؛ قائمة الإخفاقات التقنية في التعليم طويلة ومخيفة؛ لكن عند دراسة الخطأ الذي يحدث، نرى بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة. من هذه المفاهيم: الاعتقاد بأن إضافة التكنولوجيا ستؤدي حتماً لتحسين التدريس؛ لكن ليس للتكنولوجيا قيمة تعليمية متأصلة، فعندما تستبدل المنبر بجهاز آيباد، فإن التعلّم في حد ذاته لا ينتقل من كونه تجربةً مملةً إلى نشاطٍ تفاعلي وحيوي.

كما هو الحال مع المحاضرات؛ يجب أن يأتي استخدامنا للتكنولوجيا والأثر الذي تحدثه أولاً من التزام مدروس لتحسين التدريس والمعلمين.

كن نقدياً ومنطقياً

لا يمكن للتكنولوجيا مطلقاً أن تحلّ محل التفكير النقدي في القيمة التربوية لممارستنا التعليمية. بالرغم من أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد في إحداث تغيير كبير في ممارساتنا؛ إلا أنها لا يجب أن تكون شرطاً لتحسين أسلوب تعليمنا، فسواء كنت معلمّاً ملماً بالتقنيات الحديثة أو لا؛ يمكنك إلقاء محاضرةٍ جيدة أو إيجاد بدائل مفيدة إذا التزمت بأصول التدريس قبل التزامك بالتكنولوجيا.

يجب أن نرفض فكرة أن المحاضرات ستغرق طلابنا، وأن التكنولوجيا ستنقذهم. بدلاً من ذلك؛ دعونا ندرس كليهما بشكلٍ معمّق ونقدي، ونفكر في كيفية تحسين ممارساتنا وتطبيق أساليب وممارسات تعليمية سليمة لخلق تجارب تعليمية جذابة ومتعمقة.