Reading Time: 5 minutes

يا له من فارق يصنعه عام واحد فقط! قبل مارس/ آذار 2020، إن لم تكن تعمل في مستشفىً أو موقع بناء، فمن المستَبعد أن تكون قد ارتديت كمامةً على الإطلاق. الآن؛ نحن نمتلك الكمامات بالعشرات، ولدينا علب من كمامات «إن 95»، والكمامات الجراحية، وأغطية الوجه المنقوشة بالزهور؛ هذه هي الحياة خلال جائحة عالمية؛ ولكن عندما تخف قبضة فيروس كورونا، هل ستختفي الكمامات معها؟

بينما يحث الخبراء على توخّي الحذر؛ يجد قلة من المحظوظين أن القيود التي فرضتها الجائحة بدأت تخف. في 8 مارس/ آذار الماضي، نشر مركز السيطرة على الأمراض إرشادات جديدةً تنص على أن الأشخاص الذين تلقّوا اللقاح بالكامل (أي مضى أسبوعان على منحهم الجرعة الثانية من لقاح «مودرنا» أو «فايزر»، أو الجرعة الوحيدة من لقاح «جونسون آند جونسون»)؛ يمكنهم الاختلاط ببعضهم في الأماكن المغلقة دون ارتداء الكمامات.

منذ 10 مارس/ آذار الماضي حتى تاريخ كتابة هذا المقال، تلقّى 32 مليون أميركي -حوالي 9.7% من السكان- اللقاح بشكلٍ كامل؛ لكن هذا الرقم سيستمر بالارتفاع في الأشهر القادمة؛ وخصوصاً إذا وفت إدارة الرئيس بايدن بوعدها في تجهيز ما يكفي من اللقاحات لجميع البالغين بحلول نهاية مايو/ آيار، وبعد ذلك؛ سيكون الوصول إلى مناعة القطيع المرغوبة أمراً يتعلّق بتوزيع اللقاحات (وقبول العوام بها).

على الرغم من هذه السيناريوهات الإيجابية، فالمخاطر لاتزال موجودة، والسلالات الجديدة من فيروس كورونا تستمر بالظهور في كل بقاع الأرض؛ وهو أمر قد يجعل بعض اللقاحات الحالية أقل فعاليةً في مقاومة العدوى. توقّع علماء الأوبئة ازدياد عدد الإصابات خلال الربيع، وبيّن «أنتوني فاوتشي»؛ مدير المؤسسة الوطنية الأميركية للحساسية والأمراض المعدية، أن الأميركيين قد يحتاجون لارتداء الكمامات حتى بداية 2022 ليحافظوا على سلامتهم.

على الرغم من أن استخدام الكمامات يقل تدريجياً؛ إلا أن الخبراء يقولون أن هناك أسباباً مقنعةً للاستمرار في ارتداء الكمامات مستقبلاً.

كيف ساعد ارتداء الكمامات الولايات المتّحدة في محاربة كوفيد-19؟

كمامات

shutterstock.com/ Patuss89

قد يكون ارتداء الكمامات أمراً جديداً اضطر الأميركيون على الاعتياد عليه خلال السنة المنصرمة؛ لكن الاستخدام واسع النطاق للكمامات ليس جديداً. أغطية الوجه هي إجراء صحّي شاع استخدامه في شرق آسيا لأكثر من قرن من الزمن، ووفقاً لـ «إيما جاي. تينغ»؛ مؤرّخة في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا: «ظهرت الكمامات مع جائحة الإنفلونزا في 1918، وأصبحت شائعةً أولاً في اليابان»؛ لكن استخدام الكمامات ازداد بعد تفشّي فيروس «سارس» في 2002، والآن؛ هي شائعة للغاية في بلدان من الصين وكوريا أيضاً؛ إذ يرتديها الأشخاص حرصاً على الآخرين إذا شعروا بالمرض أو مواجهة التلوّث البيئي.

ربما لم تصبح كمامات الوجه جزءاً من الثقافة الأميركية لأن فيروس سارس لم ينتشر في البلاد على نطاق واسع، وحقيقة أن العديدين من مسؤولي الصحة العامة في الولايات المتحدة نصحوا بعدم ارتداء الكمامات في بدايات الجائحة كانت أمراً ضاراً، وفي 3 أبريل/ نيسان من عام 2020، نصح مركز السيطرة على الأمراض بارتداء الكمامات القماشية كطريقة لحماية الآخرين، وربما لوقاية مرتديها نفسه.

اقرأ أيضاً: خطوات بسيطة للاهتمام بالكمامة القماشية

كانت هناك العديد من الأسباب وراء عدم النصح بارتداء الكمامات على نطاق واسع، وكان سبب واحد منها على الأقل مقنعاً علمياً. وفقاً لـ «مونيكا غاندي» من كلية الطب في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ففي ذلك الوقت؛ لم يكن لدينا ما يكفي من الأدلة العلمية التي تؤكّد أن الكمامات يمكن أن توقف انتشار مرض كوفيد-19، وفي الواقع؛ معظم البيانات التي كانت لدينا وقتها أتت من أبحاث أُجريت على الدمى وليس البشر.

على سبيل المثال؛ في إحدى الدراسات التي أُجريت في 2010 واستُلهمت من تفشّي فيروس سارس ومرض إنفلونزا الخنازير ونُشرت في دورية «أبلايد بايوسيفتي»؛ اختبر الباحثون 4 أنواع مختلفة من أغطية الوجه (الكمامات الجراحية، كمامات الغبار، العصابات، وكمامات إن 95) على رؤوس مصنوعة من مادة الستايروفوم، ثم استخدموا آلة بخّاخةً لرشّ محلول مائي ملحي في الهواء حول الرؤوس. وجدت الدراسة أن كمامات إن 95 كانت الأكثر فعاليةً في إيقاف انتشار جزيئات الهباء، ومع ذلك؛ واجه العلماء صعوبات في رسم استنتاجات حول الطريقة التي يمكن أن تعمل فيها هذه الكمامات في الواقع؛ أي في الظروف التي تؤثّر فيها عوامل مثل البيئة والطقس، وحتى الطريقة التي يتحدّث فيها الأشخاص مع بعضهم، في انتشار الفيروسات.

وفقاً لغاندي؛ استطاع علماء المخابر نتيجةً لذلك أن يقولوا أن بعض أنواع الكمامات «تحجب بالفعل الجسيمات الفيروسية فيزيائياً»، وتضيف أيضاً: «لكن لم يتم إجراء أية تجربة تبين أنه يجب ارتداء الكمامات خلال الجائحات».

مع ذلك؛ درس الباحثون خلال السنة الفائتة فوائد ارتداء الكمامات بشكل معمّق، وليس فقط على الأشخاص القريبين من شخص يرتدي كمامة؛ بل على الأشخاص الذين يرتدونها أيضاً. أنتجت الأبحاث الجديدة أدلةً وافرةً ومن مصادرَ مختلفة تتضمن دراسات على الدمى، وتحليلات إحصائية، وتجارب واقعية، وتبين هذه الأدلة أن الكمامات يمكن أن تقلل خطر التقاط ونشر فيروس كورونا.

مثلاً؛ في مايو/ آيار 2020، درس علماء الأوبئة حالة مُصفف شعر نقل عدوى كوفيد-19 في منزله؛ ولكن ليس بين زبائنه الذين تعامل معهم حصراً أثناء ارتداء كمامة. في دراسة أُجريت في ديسمبر/ كانون الأول ونُشرت في دورية «ذا أميركان جورنال أوف تروبيكال ميديسن آند هايجين»، بيّن الباحثون أن عدد الوفيات قل بشكلٍ كبير في المناطق التي انتشر فيها استخدام الكمامات؛ مقارنةً بالمناطق التي لم تنتشر فيها على نطاق واسع، وقد ثبت أيضاً أن الكمامات الجراحية -على الأقل عند استخدامها كحاجز بين حجرات تحتوي على الحيوانات- تقلل من خطر انتقال فيروس كورونا بين الحيوانات غير البشرية؛ مثل الهامستر.

لا تقتصر منافع الكمامات على الوقاية من كوفيد-19 فقط؛ حيث يعتقد الباحثون أن موسم الرشح في 2021 كان منخفض الشدة للغاية على الأقل جزيئاً، أو ربما كلياً في الولايات المتحدة، نتيجة استخدام الكمامات والالتزام بالتباعد الاجتماعي.

كيف سنمضي في الوقاية من كوفيد-19 والأمراض المعدية الأخرى؟

إذا كانت الكمامات فعالةً للغاية في الوقاية من انتشار الأمراض المعدية التي تنتقل بالهواء، فهل سنتخلّى عنها كلياً؟

من المرجّح أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها ارتداء الكمامات يومياً -أي تغطية الوجه في متاجر البقالة وأماكن العمل- غير ضروري. وفقاً لغاندي، فالتخلّي واسع النطاق عن الكمامات «سيكون تابعاً للمناطق»، في حين أن بعض الولايات -مثل تكساس- تتخلّى بالفعل عن بعض القيود، يقول الباحثون أن هذا الطرح له مخاطره، وذلك لأن عدد البالغين الذين تلقّوا اللقاح لايزال قليلاً.

ستلحق باقي الولايات تكساس في الوقت الذي يناسبها؛ إذ أن بعضها سينتظر «مناعة القطيع»؛ وهي المرحلة التي يصبح فيها عدد الأشخاص المنيعين كافياً لتقليل احتمال الانتشار المجتمعي للفيروس بشكلٍ كبير؛ لكن قد تستمر بعض الولايات في مطالبة سكانها بارتداء الكمامات حتى بعد منح اللقاح لأغلبهم.

السبب وراء ذلك مقنع، فمن المرجّح أن ينتشر الفيروس مجدداً في الخريف وأشهر الشتاء، وفي السنوات القادمة، قد يصبح المرض مستوطناً، وسينتشر بشكلٍ دوري مثل الإنفلونزا الموسمية.

حتى عندما يصبح ارتداء الكمامات غير مطلوب صحياً، فقد يظل متطلّباً اجتماعياً. قبل سنة، كانت تغطية الوجه والأنف قبل الدخول إلى أماكن العمل أمراً لا يمكن تخيّله؛ ولكن خلال سنة واحدة، أصبح هذا السلوك «فطرياً». حتى مع انخفاض خطر كوفيد-19 ببطء؛ سيشعر البعض أن عبء ارتداء الكمامات أقل أهميةً من الحماية الإضافية التي يوفّرها، حتى بالنسبة للأشخاص الذين تلقّوا اللقاح. بعد سنة من القلق الدائم، قد يعاني الأشخاص أيضاً في تقبّل الواقع الجديد، وقد يكون الخروج من المنزل دون كمامة أمراً صعباً بالنسبة لهم. مع انتقالنا لهذه العادات الجديدة، تقول غاندي أن ارتداء الكمامات قد يصبح أمراً يحدث انطلاقاً من اللباقة.

بالإضافة لذلك؛ ومثل كل شيء في العلم، فإن الأبحاث حول ارتداء الكمامات تتغير باستمرار. في حين أنه من الواضح الآن أن الكمامات متعددة الطبقات والمناسبة لشكل الوجه فعالة للغاية في تقليل انتشار فيروس كورونا؛ إلا أنه ليست كل الفيروسات والأحياء الدقيقة تنتشر بنفس الطريقة. تشير بعض الأبحاث أن الكمامات لا تقي من العدوى بالفيروسات التي تتسبب بالرشح بنفس الفعالية؛ يعود هذا على الأرجح إلى أن هذه الفيروسات يمكن أن تنتشر على الأسطح، بينما يبدو أن فيروس كورونا ينتقل بالهواء بشكلٍ رئيسي. ربما ارتداء الكمامات واتّباع الاحتياطات الصحية لسنة كاملة علّم الأميركيين أن تغطية الوجه عند الشعور بالمرض قد يحد من الجائحات المستقبلية.

سواءً تخلّيت عن الكمامات أو امتنعت عن نزعها للأبد؛ يبقى اتّباع إرشادات خبراء الصحة العامة أمراً ضرورياً. تقول غاندي: «تجب إزالة التوصيات عندما يكون ذلك مبرراً».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

الوسوم: كمامة