Reading Time: 5 minutes

تثير «روبالي ليماي»؛ الباحثة السلوكية والصحية في جامعة جونز هوبكنز، مسألة التطعيم مرات عديدة مع العائلة والأصدقاء والجيران لدرجة بات الناس يثقون بها لدرجةٍ كبيرة، ويَشْكون لها مخاوفهم بشأن اللقاح مباشرةً. في إحدى المرّات مؤخراً طلب أحد معارفها منها، عندما كانت في مسبح عام، أن تتحدث مع أحد أصدقائها لأن القلق يساورها بشأن ابنها المتردد بأخذ لقاح كوفيد-19.

لم تمانع ليماي ذلك مطلقاً، فاستمعت وأجابت على جميع الأسئلة المتعلقة بالآثار الجانبية والعواقب طويلة المدى للقاح. تقول: «لقد جلست وتحدثت معها عن اللقاح وأهميته ببساطة».

أهمية التحدث عن لقاح كوفيد-19

لقاحات كوفيد-19 المعززة

shutterstock.com/ insta_photos

تشهد الولايات المتحدة -وبعض دول العالم- حالياً موجةً أخرى من ارتفاع حالات الإصابة بكوفيد-19 والاستشفاء والوفيات. اللقاحات مهمةٌ جداً؛ إذ تقلل أعداد المرضى في المستشفيات، وتقلل الأمراض الشديدة والوفاة، وتحدّ من انتقال العدوى؛ لكن معدلات التطعيم في الولايات المتحدة انخفضت منذ ذروتها في الشتاء، ووسط انتشار متغير دلتا شديد العدوى، يتردد الكثير من الناس في الحصول على اللقاح.

اقرأ أيضاً: كيف تختلف أعراض متغير دلتا عن فيروس كورونا الأصلي؟ 

تلقى أكثر من 192 مليون شخص في الولايات المتحدة، وأكثر من 70% من البالغين جرعة واحدةً على الأقل من اللقاح حتى الآن، وقد ثبت أن جميع لقاحات فيروس كورونا الثلاثة المتاحة حالياً آمنة وفعالة؛ ولكن لم يتلقّ الجميع اللقاحات. بالرغم من أن العوائق التي تحول دون الوصول إلى الرعاية الصحية والتفاوتات في الرعاية الصحية تلعب دوراً كبيراً في انخفاض معدلات التطعيم، فإن الدراسات الاستقصائية تشير إلى أنه حتى لو كانت فرصة حصول الجميع على اللقاح متاحة، فلن يأخذه الكثيرون.

تقول ليماي: «يتأثر اتخاذ المرء لقرار التطعيم بالعديد من العوامل. على سبيل المثال؛ تؤثر آراء السياسيين والمصادر الإعلامية التي يثق بها الناس على قرارهم بأخذ اللقاح من عدمه. في الواقع؛ هناك الكثير من المعلومات الخاطئة التي تقف وراء مخاوف وقلق وتحفظات الناس بشأن لقاح فيروس كورونا». من جهتها تقول «راشيل بيلتش لوب»؛ باحثة التأهب لحالات الطوارئ الصحية العامة والتواصل بشأن المخاطر في جامعة نيويورك، وزميلةٌ في التأهب للطوارئ بجامعة هارفارد تي إتش: «يمكن أن يكون الحديث مع من نحب حول القرارات الصحية -خصوصاً تلقي اللقاحات- بالغ التأثير عليهم؛ إذ تمثل العائلة والأصدقاء مصادرَ معلومات جديرةً بالثقة بالنسبة إليهم، فهم الأشخاص الذين نتحدث إليهم غالباً، وهم الأشخاص الذين نقوم – بوعيٍ أو دون وعي منا- بتقليد سلوكهم بشكلٍ عام».

اقرأ أيضاً: تاريخ من عدم الأمان: لماذا يخاف الناس من اللقاحات؟

إذا كان هناك أصدقاء أو أفراد من العائلة في حياتك يترددون في الحصول على اللقاحات، فقد يكون التحدّث إليهم هو الطريقة الأفضل لتغيير رأيهم وتشجيعهم على أخذ اللقاح. تقول لوب: «أعتقد أن التحدث إلى المقربين منا أو إلى أصدقائنا يكون أكثر فاعليةً بكثير من الحملات الإعلامية العامة. كلما كان الشخص أقرب إليك، كلما كان أكثر ميلاً لتقدير المعلومات التي تشاركه إياها».

أفضل الطرق للتحدّث لشخص متردد بالحصول على لقاح كوفيد-19

إذاً، كيف تجعل حديثك مع الآخرين بشأن اللقاح مثمراً؟ طرح الأسئلة والتعاطف هو المفتاح.

تقول «بلتش لوب» في هذا الصدد: « علينا جميعاً أن ندرك أن الأشخاص الذين يترددون في الحصول على اللقاح ليسوا أغبياء أو ساذجين»، وتشدد في الوقت ذاته على أن الإنسانية المشتركة يجب أن تكون أساس هذه المحادثات. وتوضح لوب أن المترددين في أخذ اللقاح غالباً ما قاموا بعملية البحث بأنفسهم ولديهم مخاوف جدّية، لذلك يمكن أن تتوقّع ردود فعلٍ سلبية جداً تجاه ما تقوله.

تقول «إيما فرانسيس بلومفيلد»؛ باحثة الاتصال في جامعة نيفادا؛ والتي تدرس أفضل الاستراتيجيات لمكافحة التشكيك بالحقائق العلمية: «من المهم فهم جذور تردد شخص ما قبل محاولة الرد عليه، لذلك فإن طرح الأسئلة مهم جداً لمعرفتها، ثم بمجرد تحديد المخاوف التي يعاني منها من تحدثه، يمكنك محاولة معالجتها. في الواقع؛ هناك أسباب مختلفة قد تجعل الشخص خائفاً من أخذ لقاح كورونا، وتقديم معلوماتٍ عامة غير محددة له في هذا الشأن لن يعالج مخاوفه عملياً، لذلك فإن طرح أسئلةٍ من قبيل «لماذا اخترت ذلك؟» أو «أين سمعت هذه المعلومات؟» يساعد في تحديد الاتجاه الذي يجب أن تقود فيه المحادثة».

تقول ليماي إن الاستماع والتعبير عن التعاطف يلعبان أيضاً دوراً كبيراً في بناء الثقة التي تُعتبر عنصراً أساسياً للتواصل الناجح. الاستماع لا يعني فقط الرد على كل مخاوف الطرف الآخر بالقول «هذا خطأ» أو طرح حقيقةٍ مخالفة؛ بل بالاعتراف بأننا في موقف صعب بالفعل، وقد يكون من الصعب فعلاً معرفة ما يجب تصديقه.

بمجرد ترسيخ الثقة ويصبح لديك فكرة واضحة عن السبب الجذري لقلق شخصٍ ما؛ يمكنك حينها البدء بمشاركة ما تعرفه عن فوائد التطعيم. تقول ليماي: «قد يكون ما تعرفه بياناتٍ من مصدر موثوق؛ مثل مركز السيطرة على الأمراض أو إدارة الصحة المحلية، أو قصة شخصية تقف وراء سبب قرارك بتلقي اللقاح، أو مزيج من البيانات والقصص». من جانبها تقول بلومفيد: «لا تؤثر الأرقام والحقائق كثيراً في البعض، لذلك من المهم إضفاء نوعٍ من الجاذبية العاطفية والتجربة الشخصية على ما تقوله. في الواقع؛ من الخطأ الاعتماد بشكلٍ كلّي على الحقائق العلمية، والأفضل طرح أمثلةٍ وقصص واقعية محددة بالرغم من أهمية البيانات. على سبيل المثال؛ يمكن أن يساعد ذِكر قصة شخص تعرفانه كلاكما أُصيب بالمرض أو نُقل إلى المستشفى أو يعاني من نقص المناعة في إعادة تقييم المخاطر لدى الطرف الذي تحدثه».

تطعيم الأطفال ضد كورونا

shutterstock.com/ Oksana Kuzmina

وتضيف ليمان: «ربما يكون من المفيد أيضاً مشاركة دوافعك والطريقة التي قررت من خلالها تلقي اللقاح، والتلميح إلى أنك ربما قد مررت بنفس عملية اتخاذ القرار التي يواجهها صديقك، وأنك لم تندفع فوراً وقلت لنفسك: نعم، سآخذ اللقاح». يوفر ذلك طريقةً جيدة لصديقك أو قريبك المتردد في أخذ اللقاح كي يثق بك، وفهم أن هناك أسباباً وجيهة قد تدفع شخصاً آخر لاتخاذ قرارٍ مغاير لقراره.

كما اتفق جميع الخبراء على أن لهجتك أثناء الحديث مهمة جداً. تقول بلومفيد: «قد يؤدي التعالي والاستياء والغضب إلى إنهاء المحادثة، ويضع الناس في موقف دفاعي. عليك معرفة متى يجب إيقاف المحادثة إذا لم تنجح أيضاً». تقول ليماي في هذا الصدد: «إذا بدأ النقاش في الاحتدام وشعرت أن الشخص الذي تحدثه أصبح دفاعياً نوعاً ما، فربما يكون من الأفضل التوقف وإنهاء المحادثة بطريقةٍ ودّية».

أخيراً؛ إذا تحدّثت إلى شخص ما وقرر الحصول على اللقاح، فإن ليماي تقترح بذل ما بوسعك لمساعدته على الوصول إلى اللقاح. على سبيل المثال؛ مساعدة أحد كبار السن في الأسرة في الحصول على موعدٍ عبر الإنترنت لتلقي اللقاح، أو إيصال شخصٍ ما إلى المراكز المختصة بإعطاء لقاحات كورونا.

من المفيد الصبر أيضاً عند التحدّث مع الآخرين بشأن اللقاح، فقد لا تكفي محادثةٌ واحدة. لقد استغرق بعض أفراد عائلة لوب أسابيع من المحادثات حتى قرروا في النهاية الحصول على اللقاح. تقول: «أعتقد أن هذه المحادثات ستكون صعبة؛ ولكنها ستثمر في النهاية رغم ذلك». وتقول بلومفيلد: «إذا كان بوسعك إجراء محادثة مع شخصٍ متردد في أخذ اللقاح، وحتى لو لم يغير الحديث قناعته، فقد تزرع في نفسه بذرة الشك، وستؤدي إلى قيامه بمزيدٍ من البحث أو قد يكون أكثر انفتاحاً في المحادثات المستقبلية».

ربما قد تنجح مثلما نجحت ليمان عندما ساعدت شخصاً غريباً في المسبح على حماية شخصٍ آخر من عواقب كوفيد-19، فمن خلال التعاطف وتبادل الأسئلة ومشاركة المعلومات؛ تمكّنت من تبديد مخاوف الأم بشأن حصول ابنها المراهق على اللقاح: «بعد ذلك؛ شعرت الأم براحةٍ أكبر، وبأنها تمكنت من التحدّث إلى شخصٍ يمكن أن يستمع إلى مخاوفها ببساطة».

ملخص:

1. اطرح الأسئلة لتحديد مخاوف الشخص المتردد؛ مثلاً:
* لماذا اخترت عدم الحصول على اللقاح؟
* أين سمعت هذه المعلومات؟
* ما هو أكثر شيء تخشاه من الحصول على اللقاح؟

2. احرص على أن تكون لغة الحوار بينكما هادئة، وإذا احتدم النقاش؛ توقف فوراً بطريقة ودّية خالية من الغضب أو العنف.

3. إظهار التعاطف مع الشخص، وعدم الاستهانة أو الاستهزاء به أو بمخاوفه.

4. لا تعتمد فقط على الحقائق العلمية، وإنما يجب مشاركة تجارب شخصية لأشخاص تعرفونهم.

5. إذا حصلت أنتَ على اللقاح؛ أخبره دوافعك للحصول عليه، وكيف تمت التجربة وآثارها عليك.

6. إذا قرر الشخص الحصول على اللقاح؛ شجّعه وأخبره أماكن مراكز اللقاحات التي يمكن الوصول إليها، وأسهل الطرق للوصول إليها.

 

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.