Reading Time: 7 minutes

نظراً لبدء رفع القيود المفروضة على السفر الدولي؛ بدأ العديد في زيارة البلدان التي تقدم لقاحاتٍ مختلفةً عن تلك التي تلقوها في بلدهم الأم. في الأشهر القليلة الماضية، تلقى بعض زوار الولايات المتحدة ممن تلقوا اللقاح في الدول التي كانوا فيها، لقاحاً من نوعٍ آخر لدى قدومهم؛ وفقاً لما ذكرته وكالة رويترز.

أشار التقرير إلى أنه في بعض الحالات؛ تلقى هؤلاء المسافرون في البداية لقاحات ذات فعالية أقل من تلك المعتمَدة للاستخدام في حالات الطوارئ في الولايات المتحدة؛ أملاً في الحصول على حمايةٍ أكبر من متغير دلتا شديد العدوى، بينما اضطر آخرون لتلقي لقاحٍ مختلف مع عودتهم إلى العمل والمدارس لتلبية شروط العودة إلى العمل مجدداً.

اقرأ أيضاً: متغير دلتا معدٍ أكثر مما كان يُعتقد سابقاً 

بدأ عدد قليل من الأميركيين في السعي للحصول على جرعةٍ إضافية من اللقاح أيضاً، حتى ولو كانت من مصنّعٍ آخر، بينما بدأت بعض الدول بتقديم الجرعة الثانية أو الثالثة من اللقاح، حتى ولو كان مُصنّع الجرعة الثانية أو الثالثة مختلفاً عن مُصنّع الجرعة الأولى.

 وفقاً لبعض الخبراء؛ هناك أسبابٌ وجيهةٌ أخرى وراء السماح بتلقي جرعاتٍ مختلفة من اللقاح غير رفع مستوى مناعة من يتلقاها؛ لكن منظمة الصحة العالمية حذرت في بيان يوم 10 أغسطس/ آب من أن هناك حاجةً لمزيد من الدراسات حول تأثير الجمع بين لقاحات مختلفة. يستكشف العلماء حالياً كيف تختلف الاستجابة المناعية لدى الأشخاص الذين يتلقون نوعاً واحداً من اللقاح أو نوعين مختلفين، ومع ذلك؛ يمكن أن تساعد هذه الممارسة في حل مشكلة إمدادات اللقاح المحدودة، وقد توفر في بعض الظروف حمايةً مناعيةً فائقة.

تقول «ديبورا فولر»؛ أخصائية اللقاحات في كلية الطب بجامعة واشنطن: «عندما يكون هناك حاجة لتطعيم عددٍ كبير من الناس بعدة أنواعٍ مختلفة من اللقاح، فمن المحتمل أن تحدث حالات المزج بين اللقاحات، وربما لن تكون هناك مشكلة في ذلك، وقد يكون من المفيد المزج بين اللقاحات بالفعل». 

هل تم مزج اللقاحات ومطابقتها من قبل؟

نعم؛ رغم أن ذلك لم يكن مخططاً مسبقاً. تقول فولر: «يتلقى البعض أحياناً جرعات من كلا النسختين القابلة للحقن والفموية (تؤخذ عن طريق الفم) من لقاح شلل الأطفال؛ واللتين تحتويان على التوالي نسخاً ميتةً أو مُضعفةً من الفيروس. من الشائع أيضاً في الولايات المتحدة أن يتلقى الأشخاص نسخاً مختلفةً من لقاح الإنفلونزا الموسمية من عامٍ لآخر».

تقول «كريستين لايك»؛ مديرة لقاح الملاريا في مركز تطوير اللقاحات والصحة العالمية في كلية الطب بجامعة ميريلاند في بالتيمور: «ما يزال موضوع الجمع بين لقاحاتٍ مختلفة المُتعمد؛ والتي يتم تطويرها لنفس المرض، مجال بحثٍ ساخناً حقاً»، وتضيف لايك؛ والتي شاركت في تأليف افتتاحية دورية «نيتشر ميديسن» حول خلط اللقاحات: «إنه نهج مجرب وناجع نقوم به خلال اختبار اللقاحات؛ ولكنه لم يصل إلى درجة دراسة مزج لقاحاتٍ عدة مرخصة بشكلٍ متعمد».

لقد سبق للعلماء الذين يدرسون اللقاحات وعلم المناعة أن بحثوا في هذه التقنية -والتي تُعرف بالتعزيز الأولي غير المتغاير للتلقيح- من أجل مواجهة مرض الإيبولا والسل وغيرها من الأمراض المعدية، وقد عكف العديد من الباحثين؛ بمن فيهم فولر وزملاؤها، على دراسة آثار الخلط المتعمد لأنواع مختلفة من لقاحات فيروس نقص المناعة البشرية المرشحة لعقود. قام إحدى مزائج اللقاحات؛ والذي لم تدرسه فولر وفريقها، بتخفيض معدل الإصابة بفيروس الإيدز بنسبة 31% في التجارب السريرية، واعتبر العلماء حتى هذه الدرجة المتواضعة من الحماية التي يوفرها هذا المزيج علامةً فارقة في الحرب ضد هذا الفيروس الماكر.

تقول فولر: «لم تكشف الدراسات السابقة حول الجمع بين اللقاحات المصممة لأمراض معدية أخرى عن أية مشاكل تتعلق بالسلامة؛ لكن هناك حاجةٌ إلى المزيد من البحث لتأكيد هذا الأمر بالنسبة للقاحات فيروس كورونا».

في الشهر الماضي، نصحت كبيرة العلماء في منظمة الصحة العالمية؛ سوميا سواميناثان، بعدم استخدام لقاحات مختلفة ضد فيروس كورونا، وكتبت على تويتر أن القرار يجب أن تتخذه وكالات الصحة العامة مع توفر المزيد من البيانات.

ما يحدث في جهاز المناعة

تعتمد لقاحات فيروس كورونا المستخدَمة حالياً على مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات لتحفيز جهاز المناعة. تعتمد لقاحات مودرنا وفايزر على تقنية الرنا المرسال؛ إذ تحتوي على أجزاء صغيرة من الجينات التي تشفّر بروتين الشوكة لفيروس كورونا، بينما تُعرف اللقاحات الأخرى؛ مثل لقاح جونسون آند جونسون وأسترازينيكا، بلقاحات الناقلات الفيروسية؛ والتي يتم خلالها تعديل نوع مختلف من الفيروسات وراثياً لحمل جينات فيروس كورونا، وتحتوي اللقاحات الأخرى المستخدَمة خارج الولايات المتحدة على أجزاء من بروتين الشوكة الفيروسي، أو على نُسخٍ معطلة من الفيروس.

أمراض المناعة الذاتية

Shutterstock.com/Ralwell

تقول فولر: «إن جمع نوعين مختلفين من اللقاحات يستخدمان استراتيجيةً مختلفةً، سيكون على الأرجح أكثر فاعليةً من جمع لقاحين مختلفين يستخدمان نفس الاستراتيجية الأساسية. نعتقد أن بعض اللقاحات أكثر فعاليةً في تحفيز نواحٍ معينة في الجهاز المناعي، وعندما نجمعها معاً، تبدأ في العمل معاً وتعزز جميع دفاعاتنا».

على سبيل المثال؛ يبدو أن فيروسات «الأدينوفيروس»؛ أي الفيروسات الناقلة الموجودة في لقاحيّ جونسون وأسترازينيكا، جيدةٌ خصوصاً في تحفيز الخلايا التائية؛ وهي من خلايا الدم البيضاء التي تلعب أدواراً مختلفة في الدفاع عن الجسم؛ بما في ذلك قدرتها على تدمير الخلايا المصابة وتنسيق الاستجابة المناعية. بينما تنجح لقاحات الرنا المرسال بشكلٍ خاص في تحفيز إنتاج الأجسام المضادة التي تستهدف الفيروس؛ وفقاً للايكي، وتضيف قائلةً: «إذا مزجنا بين الاثنين، فهل يمكننا على الحصول على فائدةٍ أكبر وتحفيز استجابةٍ مناعية واسعة تعمل على توليد الأجسام المضادة وتحفيز الخلايا التائية في نفس الوقت؟ وكيف سيؤثر ذلك على فعالية اللقاح؟».

من الممكن أن يكون هذا النهج مفيداً خصوصاً للأشخاص الذين يعانون من نقص المناعة. تقول لايكي: «سيفيد إعطاء جرعةٍ معززة ثالثة من لقاح الرنا المرسال لتحفيز استجابةً مناعية أكبر بين الأشخاص الذين لم يُبدوا استجابةً مناعيةً جيدة من الجرعتين الأوليتين؛ لكن السؤال المثير للاهتمام هو ما إذا كان إعطاؤهم جرعةً ثالثة من لقاح جونسون أند جونسون سيكون بمثابة محفز مناعي أفضل».

وتقول فولر: «هناك سببٌ آخر يجعل الجرعات المختلطة مفيدةً، فبعد أن يتلقى الشخص لقاح الناقل الفيروسي؛ مثل جونسون أند جونسون، يبدأ جسمه في صنع أجسام مضادة ليس فقط ضد بروتين الشوكة الفيروسي؛ بل وضد الفيروس الي يحمل المادة الجينية لفيروس كورونا؛ والذي يُعرف بالفيروس الناقل». تضيف فولر: «إذا واصلنا محاولة التعزيز بنفس تقنية الفيروس الناقل؛ سيكوّن الناس مناعةً ضده، ولن يعمل اللقاح جيداً في نهاية المطاف، بينما لا تبني لقاحات الرنا المرسال تلك المناعة الموجودة مسبقاً؛ مما يسمح بتلقي اللقاحات المعززة المحدّثة عند الحاجة لمكافحة ظهور متغيراتٍ جديدة».

قد يحدث نوع من المزج عند الأشخاص الذين أُصيبوا بفيروس كورونا قبل التطعيم، فقد كتب «شين كروتي»؛ الباحث في معهد لو جولا للمناعة في كاليفورنيا، في دورية «جورنال ساينس» في يونيو/ حزيران الماضي: «تشير العديد من الدراسات إلى أن اللقاح يمكن أن يعزز الاستجابة المناعية لدى الناجين؛ والذين يمتلكون مسبقاً مستوىً معين من المناعة ضد الفيروس، وربما تمنحهم أيضاً نوعاً فعالاً من «المناعة الهجينة».

تأمل لايكي وزملاؤها في تقديم بعض الإجابات حول مدى سلامة المزج بين لقاحات فيروس كورونا المختلفة، وكيف تؤثر هذه الممارسة على جهاز المناعة، وهم يتعاونون مع المعاهد الوطنية للصحة للتحقق فيما يحدث عندما يتلقى الأشخاص الذين تلقوا إحدى اللقاحات الثلاثة التي مُنحت الترخيص الطارئ في الولايات المتحدة، لقاحاتٍ معززة من شركات تصنيعٍ مختلفة.

وتقول لايكي: «نأمل أن نحصل على بعض البيانات بحلول نهاية أغسطس/ آب أو أوائل سبتمبر/ أيلول»؛ ولكنها تحّذر من أن دراستهم لن تكون قادرةً على إشراك عددٍ كبير كما كان عليه الحال في التجارب السريرية السابقة؛ حيث تقول: «لن نستطيع القول إن هذا المزيج يمنحك حمايةً تصل إلى 97% على مستوى كامل السكان».

ماذا نعرف عن مزج لقاحات فيروس كورونا حتى الآن؟

في مارس/ آذار الماضي، أوقفت بعض الدول الأوروبية استخدام لقاح أسترازينيكا بعد تقارير نادرة ربطت بينه وبين حالات تخثر الدم؛ مما يعني أن الأشخاص الذين تلقوا الجرعة الاولى من هذا اللقاح قد اضطروا إلى تلقي الجرعة الثانية من صانعٍ آخر؛ مما أثار الاهتمام بتأثيرات المزج بين اللقاحات.

كشفت العديد من التقارير عن نتائج مشجعة في الأشهر الأخيرة، فقد أفاد العلماء القائمون على تجربة «كومبي فاكس» في إسبانيا في شهر مايو/ أيار الماضي، أن الأشخاص الذين تلقوا جرعة لقاح ثانيةً من لقاح فايزر بعد تلقي الجرعة الأولى من لقاح أسترازينيكا، يُنتجون أجساماً مضادة أكثر من أولئك الذين تلقوا جرعةً واحدةً من لقاح أسترازينيكا.

وتشير نتائج دراسة «كوم-فاكس» في المملكة المتحدة إلى أن المزيج بين لقاحي أسترازينيكا وفايزر قد يحفز استجابةً مناعيةً أقوى من تلقي جرعتين من لقاح أسترازينيكا. بالإضافة إلى ذلك؛ وجد الباحثون أن المشاركين الذين تلقوا جرعتين من لقاح فايزر، أنتجوا مستوىً أعلى من الأجسام المضادة، بينما أولئك الذين تلقوا الجرعة الأولى من لقاح أسترازينيكا متبوعةً بجرعة ثانية من لقاح فايزر، أنتجوا استجابةً أقوى للخلايا التائية؛ لكن لا يزال من غير الواضح حالياً ما هو المزيج الذي سيحقق فعاليةً أفضل، وقد لاحظ باحثون من ألمانيا أيضاً تأثيراتٍ مماثلةً عند الجمع بين لقاح استرازينيكا مع لقاح فايزر أو موديرنا.

في ربيع هذا العام، تمت إضافة لقاح «نوفافاكس» القائم على البروتين ولقاح موديرنا إلى دراسة «كوم-كوف»، بينما يدرس الباحثون في الفلبين آثار الجمع بين لقاح «كورونافاك»؛ والذي تم تطويره في الصين ويستخدم شكلاً معطلاً من فيروس كورونا، مع ستة لقاحاتٍ أخرى، كما يتم النظر حالياً في الجمع بين لقاح «سبوتنيك فاي» الروسي (والذي يعتمد على فيروسٍ ناقل في جرعتيه الأولى والثانية) مع لقاح أسترازينيكا.

لم تجد هذه الدراسات الصغيرة أية آثار جانبية خطيرة مرتبطة بالجمع بين اللقاحات. مع ذلك؛ وجد الباحثون في دراسة «كوم-كوف» زيادةً في بعض الأعراض مثل القشعريرة والصداع لدى الأشخاص الذين تلقوا لقاحاتٍ مختلفة.

اقرأ أيضاً: هل من الآمن الحصول على أكثر من نوع من لقاحات كورونا؟

هل هناك دول تقدم أنظمة لقاحات مختلطة؟

أفادت رويترز مؤخراً أن العديد من البلدان تدرس أو قررت مزج لقاحات كورونا ومطابقتها. يستخدم العديد من الدول لقاحاتٍ من مصنعين مختلفين للجرعة الأولى والثانية في بروتوكول اللقاح؛ مثل الدنمارك وإيطاليا وكندا وفيتنام وكوريا الجنوبية، بينما تقدم دولٌ أخرى جرعاتٍ إضافيةً من لقاح فايزر أو مودرنا للأشخاص الذين تم تحصينهم بالكامل بلقاحاتٍ أخرى؛ مثل كمبوديا وألمانيا وتركيا وإندونيسيا.

تقول لايكي: «هناك مشكلةٌ كبيرة تتعلّق بنقص إمدادات اللقاح في جميع أنحاء العالم. يجب علينا القيام بعمل أفضل إذا أردنا محاصرة الأماكن التي يمكن أن يتسرب منها الفيروس ويتكاثر فيها ويصنع هذه المتغيرات الخطيرة حقاً، لذلك إذا تمكنا من توسيع نطاق توزيع اللقاح المتاح بين أيدينا بأي شكلٍ من الأشكال، أو اكتشاف أفضل طريقة لتقديم لقاحاتٍ معززة؛ ستكون تلك الأخبار جيدةً حقاً للجميع».

أعلنت الحكومة الأميركية هذا الأسبوع أنها تخطط لتوفير جرعاتٍ معززة من لقاح فيروس كورونا على نطاقٍ واسع بسبب مخاوف من تناقص المناعة بمرور الوقت (رغم انتقاد بعض العلماء لهذا القرار واعتباره سابقاً لأوانه). كان لدى مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بالفعل الإذن بإعطاء جرعاتٍ معززة من لقاحيّ موديرنا وفايزر للأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة، فوفقاً للوكالة؛ إذا لم يكن لقاح الرنا المرسال المُعطى في أول جرعتين متوفراً أو لم يكن معروفاً؛ يمكن إعطاء أي لقاحٍ قائم على الرنا المرسال.

تُعتبر اللقاحات المتوفرة حالياً في الولايات المتحدة فعالةً للغاية في وقاية الأشخاص من الإصابة بالمرض الشديد أو الموت بسبب متغير دلتا. ومع ذلك؛ قد يتبين فيما بعد أن الجمع بين لقاحات فيروس كورونا المختلفة سيكون المفتاح للحصول على المناعة على المدى الطويل، ومحاربة حتى المتغيرات التي قد تظهر في المستقبل؛ وفقاً لفولر.

في غضون ذلك؛ هناك مصدر قلقٍ أكثر إلحاحاً يتمثّل في الوصول إلى الأشخاص الذين لم يتلقوا اللقاح بعد. تقول لايكي في هذا الصدد: «يمكننا الحديث حول الجرعة المعززة حتى الصباح؛ ولكن إذا لم يتلقَّ نصف السكان اللقاح الأولي، فنحن بحاجةٍ لبذل المزيد من الجهد لإقناع الناس بمدى سلامتها».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.