Reading Time: 4 minutes

يقدّر العلماء أن هناك ما يقرب من (10^31) فيروس على كوكب الأرض؛ هذا الرقم هو واحد يتبعه 31 صفراً، وفي محاولة تخيل مدى ضخامته، يُقدر عدد النجوم في الكون المرئي بنحو (10^24) نجم؛ بمعنى أن عدد الفيروسات أكبر بنحو 10 مليون مرة من عدد النجوم في الكون.

إذا تمكنت من وضع كل فيروس فوق الآخر، وأنشأت برجاً من الفيروسات، فسيمتد هذا البرج إلى ما بعد القمر، والشمس، وأقرب النجوم لنا «ألفا سنتوري» (رجل القنطور)، وسيتخطى حدود مجرة ​​درب التبانة والمجرات المجاورة، ليصل ارتفاعه إلى 200 مليون سنة ضوئية.

نحن نتعرض باستمرار للفيروسات، في الهواء الذي نتنفسه، والأشياء التي نلمسها، والماء الذي نشربه. يمكن للفيروسات أن تسبب مجموعةً مختلفةً من الأمراض؛ من الفيروسات التي تصيبك بنزلات البرد، إلى الفيروسات التي قد تقتلك سريعاً.

لكن مع كل هذه الأرقام والخطورة التي قد نتعرض لها بسبب تلك الكائنات متناهية الصغر، ما الفائدة التي تقدمها لنا، وهل هي مهمة؟

ما هي الفيروسات؟

الفيروس هو جسيم مُعدي صغير للغاية، يمكنه أن يتكاثر فحسب من خلال إصابة خلية المضيف؛ حيث تسيطر الفيروسات على الخلية وتستخدم مواردها لتصنع المزيد من الفيروسات، في الغالب تعيد برمجتها لتصبح مصنعاً للفيروسات، ولا تستطيع التكاثر بأنفسها دون الاعتماد على مضيف. 

بالإضافة إلى ذلك، فالفيروسات ليست خلايا، فهي لا تتكون من العضيّات الخلوية المعروفة مثل النواة والجسيمات الكوندرية والفجوات وغيرها من عضيات الخلية الأخرى؛ بل تتكون فقط من مادة وراثية، قد تكون «DNA» أو «RNA» فقط، وليس كلاهما حتى، وتحاط المادة الوراثية بغلاف بروتيني للحماية؛ وهو ما يمنح كل فيروس شكله المميز. 

اقرأ أيضاً: لماذا لا توجد مضادات الفيروسات بكثرة؟

ما هي فائدة الفيروسات؟

فوائد الفيروسات

Shutterstock.com/Gorodenkoff

مع ظهور علم الفيروسات؛ وجد الباحثون عدة استخدامات لهذه الكائنات الفريدة متناهية الصغر؛ والتي تُستخدم على نطاق واسع في الطب والهندسة الوراثية. لنتعرف على بعض أهم استخدامات الفيروسات:

1. الدراسات البيولوجية

تُستخدم الفيروسات على نطاق واسع في الدراسات البيولوجية الجزيئية والخلوية، وتتميز بكونها أنظمة بسيطة يمكن استخدامها في التلاعب والبحث في وظائف الخلايا الحية، كما تُستخدم الفيروسات في مجال الأبحاث الوراثية، وفهم الجينات، وتكرار ونسخ الحمض النووي «DNA»، وتشكل الحمض النووي الريبوزي «RNA» وترجمته، وكذلك في تشكل البروتينات، وأساسيات علم المناعة.

2. الطب

تُستخدم بعض أنواع الفيروسات كناقلات، وتحمل المواد المطلوبة لعلاج إحدى الأمراض لمختلف الخلايا المستهدفة في العلاج الجيني؛ حيث يكون العنصر الرئيسي هو إدخال جينات نشطة إلى خلايا المريض، ويقوم هذا الجين الجديد بالمهام المطلوبة، ويصحح الجينات المعيبة أو الخاملة داخل تلك الخلايا؛ حيث تكون أكثر الخلايا المستهدفة هي الخلايا السرطانية.

كما أن هناك بعض أنواع الفيروسات التي يمكن أن تستهدف وتصيب، وإذا تم اختيارها بشكلٍ صحيح؛ تُدمر البكتيريا المسببة للأمراض.

3. اللقاح المضاد للفيروسات

تُستخدم الفيروسات منذ عهد الطبيب والعالم إدوارد جينر في إنتاج اللقاحات المضادة للفيروسات؛ حيث استخدم جينر فيروسات جدري البقر لتطعيم الناس ضد الإصابة بعدوى مرض الجدري، ليُنتج أول لقاح مضاد للفيروسات ويساهم في القضاء على مرض الجدري.

فمثلاً؛ يُستخدم في لقاحات أمراض شلل الأطفال والحصبة وجدري الماء فيروسات حية ضعيفة أو جسيمات من فيروسات ميتة، وعندما تدخل إلى جسم الإنسان المُعافى، تساعد الجهاز المناعي على التعرف على هذا النوع من الفيروسات، وتكوين مناعةً ضدها؛ حيث يتذكر الجسم هذه الجسيمات، ويهاجمها في حالة وجود أي عدوى أخرى في وقت لاحق؛ وبالتالي يمنع الإصابة بالمرض.

4. الزراعة

يمكن استخدام وسائل التعديل والهندسة الوراثية لإنتاج جينات معدلة؛ والتي يمكن نقلها إلى النباتات من خلال الفيروسات، وقد تؤدي هذه الوسائل إلى خلق نباتات معدلة وراثياً وأكثر إنتاجيةً، خاصةً في البيئات القاسية التي تواجه فترات من الجفاف والبرد ودرجات حرارة التربة المرتفعة، كما يمكن أن تُستخدم الفيروسات لمكافحة الآفات الضارة بالمحاصيل الزراعية.

5. تقنية النانو

تتعامل تقنية النانو مع الجزيئات المجهرية متناهية الصغر؛ والتي لها استخداماتها المختلفة في مجال البيولوجيا والطب، وكذلك في مجال الهندسة الوراثية. يمكن اعتبار الفيروسات كجزيئات نانوية عضوية، يحمل سطحها أدوات محددة تهدف إلى عبور حواجز الخلايا المضيفة.

اقرأ أيضاً: ما هو تحليل بي سي آر اللازم للكشف عن فيروس كورونا؟

هل جميع الفيروسات ضارّة؟

فوائد الفيروسات

Shutterstock.com/Design_Cells

يقدّر علماء الأحياء أن 380 تريليون فيروس يعيشون داخل أجسادنا؛ أي 10 أضعاف عدد البكتيريا، يمكن أن يسبب بعضها المرض؛ لكن الكثير يتعايشون معنا ببساطة، وبعضها يعزز صحتنا أو ينقذنا من أمراض أخرى، وبعضها يمنع تكاثر البكتيريا الضارة في بيئة معينة، أو حتى في أجسادنا، ليمنع إصابتنا بالأمراض، وأثبتت الأبحاث المتعددة انتشار أنواع مختلفة من الفيروسات في جميع أنحاء أجسادنا، دون أن تُحدث ضرراً معروفاً؛ حيث توجد على الجلد وفي الفم والأمعاء والجلد والدم والبول وحليب الأم أيضاً، والأكثر إثارةً للدهشة هو وجودها في السائل الدماغي الشوكي؛ الذي يُعتبر بيئةً عقيمةً تماماً.

أما عن الفيروسات التي تدافع عنّا، على سبيل المثال، توجد الفيروسات الحمراء في الجهاز التنفسي؛ حفنة منها مرتبطة بأمراض اللثة أو أمراض الرئة؛ لكن البعض الآخر يمكن أن يحارب أمراض الجهاز التنفسي. مثال آخر؛ يفترض العلماء أن انتشار الفيروسات آكلة الجراثيم، المعروفة باسم العاثيات، يمكن أن تنتشر على بطانة الأمعاء دون أن تسبب أضراراً، وتنتظر دخول بكتيريا مثل السالمونيلا الضارة، فتهاجمها وتتكاثر على حسابها؛ وبالتالي تقضي عليها دون أن تسبب المرض للإنسان. بهذه الطريقة؛ قد تعمل العاثيات كنظام مناعي يحمينا من الأمراض. 

اقرأ ايضاً: كيف تعمل اللقاحات لقتل الفيروسات؟

لماذا لا تُعتبر الفيروسات كائنات حية؟

فوائد الفيروسات

Shutterstock.com/Design_Cell

 لا تستطيع الفيروسات التكاثر بأنفسها بدون الاعتماد على المضيف، لذا لا تُعتبر كائنات حية، كما أنها لا تملك خلايا، فهي صغيرة جداً، أصغر بكثير من خلايا الكائنات الحية، وهي في الأساس مجرد مجموعات من الحمض النووي والبروتينات.

ولكن رغم هذا؛ تملك الفيروسات بعض الصفات الهامة المشتركة مع الخلايا الحية. على سبيل المثال؛ تملك جينات الحمض النووي على أساس الشفرة الوراثية نفسها التي يتم استخدامها في خلايا الجسم، وخلايا جميع الكائنات الحية، وكذلك مثل الخلايا الحية؛ تملك الفيروسات التباين الوراثي ويمكنها أن تتطور.

لذلك، فعلى الرغم من أنها لا ينطبق عليها التعريف الحرفي للحياة؛ إلا أنها تقع في منطقة رمادية بين الحياة وانعدامها.

إذاً، فالفيروسات ليست ضارةً فحسب؛ بل لها وجه آخر مفيد يمكننا استغلاله لإصلاح الكثير من أمور حياتنا، فهل لديك فكرة أخرى عن كيف تكون الفيروسات مفيدة؟

اقرأ أيضاً: ليست كل الفيروسات سيئة: كيف يعمل بعضها من أجل صحتنا؟