Reading Time: 5 minutes

انخفضت العربة الصينية الجوالة، «زورونج»؛ وهو اسم إله النار في الثقافة الصينية، من خلال الغلاف الجوي الرقيق لكوكب المريخ، وهبطت بأمان على سهلٍ كبير صباح أمس- السبت-؛ حسبما ذكرت وسائل الإعلام الحكومية، وهو إنجازٌ لم يسبقها به إلا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتعد هذه المرحلة الثانية من مهمة «تايناوين-1» الصينية لاستكشاف المريخ.

استيقاظ التنين الصيني الفضائي

يتبع هذا الهبوط إطلاق الصين للوحدة الأساسية للمحطة الفضائية المدارية الجديدة الشهر الماضي، وكذلك مهمةً ناجحةً في ديسمبر/كانون الأول؛ جمعت ما يقرب من أربعة أرطال من الصخور والتربة من القمر وجلبتها إلى الأرض، وفي الشهر المقبل، تخطط البلاد لإرسال ثلاثة رواد فضاء إلى الفضاء؛ مما يفتتح ما يمكن أن يصبح وجوداً صينياً منتظماً في مدار الأرض.

ومن خلال الوصول إلى المريخ والدوران حوله في فبراير/شباط؛ أكّد برنامج الفضاء الصيني مكانه بين أفضل مستويات الوكالات التي تستكشف النظام الشمسي، والآن؛ بعد أن تم تنفيذ الهبوط على سطحه، مع وجود عربة جوالة ستشرع في العمل، أثبتت الصين نفسها كمنافس جديد فيما قد يكون النسخة الحديثة من سباق الفضاء.

قدم «توماس زوربوتشن»؛ مدير ناسا المسؤول للعلوم، تهنئةً للصين، وكتب على تويتر: «معاً، وبشراكة المجتمع العلمي العالمي، أتطلع إلى مساهمات هذه المهمة الكبيرة في فهم البشرية للكوكب الأحمر».

وحتى يوم الجمعة، قالت إدارة الفضاء الوطنية الصينية القليل عن خططها للهبوط، تماشياً مع السرية المعتادة عندما يتعلق الأمر بالعمليات؛ لكن ومع ذلك؛ بدأت أخبار الهبوط الوشيك تتسرب على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي التقارير الإخبارية الرسمية؛ مما سلط المزيد من الضوء على العملية.

لم يقدم التلفزيون الرسمي في الصين تقريراً مباشراً عن الهبوط؛ لكنه كرّس ساعاتٍ عديدةً لاحقاً تتحدث عن المهمة، كما أصدر زعيم البلاد؛ «شي جين بينغ»، رسالةً إلى علماء وكالة الفضاء والمسؤولين عن هذا الإنجاز، قائلاً: «هذا إنجازٌ آخر في المساعي الفضائية الجوية في بلدنا. لقد تحلينا بالشجاعة لخوض التحدي، وسعينا للتميز، وهذا ما جلب بلدنا إلى الطليعة العالمية في الاكتشاف الفضائي».

أين هبطت المركبة الأرضية، وماذا ستدرس؟

الماء على المريخ

Shutterstock.com/SquareMotion

هبطت المركبة في «يوتوبيا بلانيتيا»؛ وهو حوضٌ ضخم يبلغ عرضه بضعة آلاف من الأميال في نصف الكرة الشمالي، تم نحته على الأرجح بسبب تأثير ضربة نيزك، وتمت زيارة المنطقة نفسها بواسطة مركبة الهبوط «فايكينج 2»؛ التابعة لناسا، عام 1976.

تم اختيار هذه المنطقة للهبوط لعدة أسباب: إذا كانت هناك مياه وفيرة على الكوكب الأحمر قبل بضعة مليارات من السنين، كانت ستكون هذه المنطقة مغمورةً تحت الماء نظراً لانخفاضها، وجزءاً من محيطٍ واسع يغطي الجزء العلوي من الكوكب، كما تقع المنطقة في مستوىً أدنى من المناطق التي تم اقتراحها كمجموعتين من الشواطئ؛ وهي بقايا من محيطات المريخ المبكرة.

قد يكون بعض الماء من هذا المحيط المُفترَض قد تسرّب تحت الأرض، ولا زال متجمداً هناك حتى اليوم؛ ففي عام 2016، استنتج العلماء الذين استخدموا أداة رادارٍ في مركبة استكشاف المريخ المدارية التابعة لناسا، أن هناك بالفعل الكثير من الجليد هناك.

يتمثل أحد أهداف مهمة «تايناوين-1» الصينية في فهم توزيع الجليد في تلك المنطقة بشكلٍ أفضل؛ والذي يمكن أن يستخدمه المستعمرون البشريون في المستقبل على المريخ للحفاظ على أنفسهم، وسلطت وكالة الفضاء الصينية الضوء على التعاون الدولي في مهمة «تايناوين-1»؛ بما في ذلك مساهمات من وكالة الفضاء الأوروبية والأرجنتين وفرنسا والنمسا.

كيف هبطت المركبة على المريخ؟

تجارب الهبوط عام 2019. مصدر الصورة: وكالة شينخوا الصينية للأنباء.

يعد الهبوط على الكوكب الأحمر أمراً محفوفاً بالمخاطر؛ إذ يشير مهندسو ناسا إلى الأمر عادةً على أنه «سبع دقائق من الرعب»؛ وهذا ما أطلقوه على العملية عند هبوط المركبة الجوالة الأخيرة؛ «بيرسيفيرانس».

نظراً لأن «تايناوين-1» كانت بالفعل في مدارٍ حول المريخ؛ فإن سرعة هبوطها لم تكن بنفس سرعة بيرسيفيرانس، وبالتالي؛ تطلّب الهبوط الصيني القليل من الرعب الإضافي؛ إذ استغرق الهبوط هذه المرة تسع دقائق؛ ذلك حسبما ذكرت صحيفة «جلوبال تايمز» يوم الجمعة نقلاً عن خبراء. كان المسبار يعمل أيضاً من تلقاء نفسه؛ حيث تستغرق الإشارات حالياً 17 دقيقة و 42 ثانية للانتقال بين المريخ والأرض.

تهبط المركبات الفضائية عادةً نحو المريخ بسرعة عالية، ولا يؤدي الغلاف الجوي الرقيق إلى إبطاءها في طريقها إلى السطح، كما تولّد موجات الهواء المضغوط المصتدمة بكبسولة السرعة، حرارةً شديدةً يجب امتصاصها أو تبديدها، وقد تحطم عددٌ من البعثات السوفيتية والأميركية والأوروبية بفعل تلك الحرارة.

لحد الآن؛ ناسا فقط هي من وصلت إلى سطح المريخ بسلامٍ أكثر من مرة؛ إذ اعتمدت عمليات إنزال أكبر مركباتها الجوالة؛ كيوريوسيتي وبيرسيفيرانس، على المظلات لإبطاء المركبة الفضائية، والدروع لتبديد الحرارة الناتجة عن الاحتكاك بالغلاف الجوي، والأنظمة المعقدة التي تسمى الرافعات السماوية؛ وهي في الأساس عبارة عن حقائبَ نفاثة تعمل بالطاقة الصاروخية، وهي التي حملت المركبات الجوالة تحتها وأنزلتها إلى السطح على الكابلات قبل أن تطير بأمان بعيداً عن منطقة الهبوط.

قال «تشين بايشاو»؛ أحد كبار المصممين للمهمة، في تصريحاتٍ نقلتها صحيفة «ذا بيبر»، ومقرها شنغهاي: «بالنسبة إلى أول مهمةٍ لاستكشاف المريخ في بلادنا؛ لم يكن لدينا بيانات مباشرة عن البيئة على المريخ؛ وخاصةً الغلاف الجوي؛ لذلك كان الأمر بمثابة دخولنا إلى بيئة مجهولة تماماً، ويمكنك أن تتخيل مدى صعوبة ذلك».

قالت وكالة الفضاء الصينية لصحيفة جلوبال تايمز، أن مسبار «تايناوين-1» خفّض ارتفاعه عن مدار وقوفه قبل أن تنفصل مجموعة مركبة الهبوط عن المركبة المدارية بداية، ثم عاود الارتفاع بعد ذلك، وعاد إلى مدار وقوفه بعد حوالي نصف ساعة من الانفصال، وللهبوط بأفضل شكل، حلّقت مركبة المسبار والمركبة الجوالة حول المريخ لمدة ثلاث ساعات أخرى قبل دخول الغلاف الجوي للمريخ في طريقها للهبوط.

بالنسبة لمهمة «تايناوين»؛ حملت كبسولة دخول مخروطية الشكل مركبة الإنزال والعربة الجوالة عبر الغلاف الجوي، وكان الدرع الواقي من الحرارة يحمي المركبة الفضائية من الغازات شديدة الحرارة أثناء تسارعها عبر الجزء العلوي من الغلاف الجوي. بعد ذلك؛ ساعد احتكاك هواء المريخ الرقيق في إبطائها بنحو 90%.

وعلى ارتفاعٍ منخفض، تم التخلص من الدرع الحراري، وفي الخطوة التالية، تم التخلص من المظلة والجزء العلوي الذي يشبه الأنف، وبعدها، عند إطلاق محرك صاروخي، فإن مركبة الهبوط رباعية الأرجل حلّقت لفترةٍ وجيزة أثناء بحثها عن مكانٍ آمنٍ، ومن ثم هبطت بأمان أخيراً.

مهمة الصين على المريخ

مهمة تايناوين-1 الصينية، المريخ

مهمة «تايناوين-1».
مصدر الصورة: إدارة الفضاء الوطنية الصينية

تم إطلاق مهمة «تايناوين-1» من الأرض في يوليو/حزيران الماضي، بهدف الاستفادة من نافذة الوقت كل عامين؛ عندما يكون المريخ والأرض أقرب معاً خلال رحلاتهما حول الشمس، وتتكون المهمة من مركبة مدارية، ومركبة هبوط، وعربة جوالة.

انطلقت المركبة المدارية في مدار المريخ في 10 فبراير/شباط، ومنذ ذلك الحين، كانت تحلق على مسافةٍ آمنةٍ استعداداً لمحاولة الهبوط، بينما كانت مركبة الإنزال تحمل عربةً جوالةً أُطلق عليها اسم «زورونج».

تبلغ كتلة زورونج حوالي 240 كيلوغراماً، وهذا أثقل قليلاً من عربتيّ «سبيريت» و «أوبورتيونيتي» اللتان هبطت بهما وكالة ناسا على المريخ عام 2004؛ ولكن فقط حوالي ربع كتلة العربتين الجوالتين النشطتين حالياً، والتابعتَين لناسا.

بعد أيام من الهبوط؛ ستتدحرج العربة الجوالة منفصلةً عن المسبار. سيتم تشغيل «زورونج» بواسطة الألواح الشمسية؛ والتي يمكن سحبها بحيث يمكنها التخلص بشكل دوري من أي غبارٍ متراكم، بينما في عربات ناسا الجوالة، تحول البطاريات النووية الحرارة المنبعثة من اضمحلال البلوتونيوم المشع إلى كهرباء، وتشمل أدوات «زورونج» سبع كاميرات، ورادار اختراق الأرض، وكاشف المجال المغناطيسي، ومحطة الطقس.