توليفة دوائية جديدة تقضي تماماً على سرطان البنكرياس

3 دقيقة
توليفة دوائية جديدة تقضي تماماً على سرطان البنكرياس
الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي بإشراف محرر مجرة

حقق فريق بحثي بقيادة ماريانو بارباسيد في المركز الوطني الإسباني لأبحاث السرطان إنجازاً علمياً بالقضاء نهائياً على سرطان البنكرياس الغدي القنوي العدواني (PDAC) في نماذج الفئران، الذي عادة ما يكون سببه طفرة جين KRAS التي يصعب علاجها بالأدوية.

  • استراتيجية ثلاثية الأهداف: اس…

أعلن المركز الوطني الإسباني لأبحاث السرطان (CNIO)، في بيان رسمي صدر يوم الخميس 29 يناير 2026، نجاح فريق بحثي بقيادة العالم ماريانو بارباسيد في تحقيق إنجاز علمي غير مسبوق؛ حيث تمكن الفريق من القضاء التام والدائم على أورام بنكرياسية عدوانية في الفئران، دون ظهور أي مقاومة أو انتكاس خلال عدة أشهر. 

هذه النتيجة، إن أمكن نقلها بأمان إلى البشر مستقبلاً، قد تمثل منعطفاً كبيراً في معركة الطب الحديث مع أحد أشرس أنواع السرطان وأكثرها استعصاء على العلاج.

اقرأ أيضاً: من علاج السرطان إلى طباعة الأعضاء: إليك أهم الإنجازات العلمية والطبية لعام 2025

أهمية الإنجاز: لماذا يعد سرطان البنكرياس من أخطر الأورام؟

حتى يومنا هذا، يعد سرطان البنكرياس الغدي القنوي العدواني (PDAC) من أكثر الأورام الصلبة فتكاً، إذ لا يتجاوز معدل البقاء على قيد الحياة بعد 5 سنوات من التشخيص 10% في العديد من الدول، وذلك لعدة أسباب:

  • التشخيص المتأخر: يتطور هذا الورم في العادة بصمت دون أعراض واضحة أو متخصصة في المراحل الأولى، فيكتشف متأخراً، وغالباً ما يكون قد انتشر إلى أعضاء أخرى.
  • طفرة KRAS: قرابة 95% من حالات (PDAC) تنشط بتأثير طفرة في جين KRAS. هذا الجين بمثابة "المفتاح الرئيسي" للنمو داخل خلايا الجسم. فعندما يحتاج الجسم إلى ترميم أنسجة أو نمو خلايا جديدة، يرسل الجين إشارات كيميائية تحفز الخلية على الانقسام، وبمجرد انتهاء المهمة، يغلق الجين نفسه تلقائياً ليتوقف النمو. لكن، عندما يتعرض هذا الجين لطفرة يعلق في "وضع التشغيل" بشكل دائم، فتتلقى الخلية سيلاً لا يتوقف من الأوامر بالانقسام السريع والعشوائي، ما يؤدي في النهاية إلى تشكل الكتلة الورمية. علاوة على ذلك، أطلق عليه العلماء لقب "الجين غير القابل للاستهداف دوائياً" لأن سطح بروتين KRAS أملس جداً، ما يجعل من الصعب على الأدوية الالتصاق به وتعطيله.
  • المقاومة: على الرغم من تطوير أدوية تستهدف KRAS، فإنه غالباً ما يعود الورم للنمو خلال أشهر، ويكتسب مقاومة سريعة ذاتياً. حيث تستطيع الخلايا السرطانية أن تغير مسارات الإشارة التي تعتمد عليها، أو تفعل مستقبلات نمو احتياطية، أو تعيد بناء شبكات الاستجابة للضغط، فتنجو من استهداف دواء واحد أو مسار واحد بسهولة نسبية.

اقرأ أيضاً: ما أعراض سرطان البنكرياس؟

العلاج الجديد: استهداف الورم من 3 اتجاهات في آن واحد

اقترح بارباسيد وفريقه في الدراسة المنشورة في مجلة PNAS في ديسمبر 2025 نهجاً علاجياً جديداً يستهدف آليات تطور المقاومة في الورم بدلاً من التركيز على هدف واحد فقط.

إذ على الرغم من تطوير أدوية تستهدف KRAS، فإنه غالباً ما يكتسب الورم مقاومة سريعة ذاتياً عن طريق تنشيط مسارات بديلة داخل الخلية. لذا، قرروا استهداف 3 مسارات حيوية معاً لتقليل قدرة الورم على التكيف والهروب من العلاج، وهي:

  1. مسار RAF1: المسؤول عن إشارات الانقسام والبقاء تحت قيادة KRAS، وذلك باستخدام مثبطات مثل daraxonrasib (RMC-6236)
  2. مسار EGFR: وهو مستقبل على سطح الخلية يغذي الورم بإشارات نمو خارجية، وينشط كآلية تعويضية عند تثبيط KRAS. حيث استخدم الباحثون دواء (أفاتينيب) الخاص بعلاج سرطان الرئة، ويعمل عن طريق غلق مستقبلات EGFR التي يستخدمها السرطان كـ "طريق فرعي" للالتفاف عند تثبيط جين KRAS.
  3. مسار STAT3: "مسار الطوارئ" الذي يمنح الخلية مرونة فائقة للتكيف مع الضغوط العلاجية والهروب من الموت الخلوي. وقد استهدفه الباحثون عبر مثبطات تدمر بروتينات أساسية في دعم نمو الورم، مثل SD36.

اقرأ أيضاً: أبطال البقاء: كيف تساعد قصص الناجين العلماء على فهم السرطان من جديد؟

تصميم الدراسة ونماذجها

أجرى الباحثون تجاربهم على عدة نماذج من أورام البنكرياس في الفئران تمثل حالات متنوعة من الورم، وتساعد في تقييم فاعلية العلاج على عدة مستويات قبل الانتقال إلى التجارب السريرية، وهي:

  • نموذج زرع الأورام في البنكرياس مباشرة.
  • نماذج مهندسة وراثياً تحمل طفرات في جين KRAS.
  • نماذج أورام إنسانية مزروعة في فئران.

وتوصلوا إلى ما يلي:

  • تراجع كامل للورم: أدى العلاج الثلاثي إلى تراجع كامل للأورام في النماذج التجريبية المدروسة كلها، بحيث لم يتبق أثر قابل للقياس للورم بعد العلاج. 
  • عدم ظهور مقاومة: على عكس العلاجات التقليدية حيث يعود السرطان أشرس مما كان، ظلت هذه الفئران خالية من الأورام مدة تتراوح بين 200 و300 يوم بعد توقف العلاج. وبمقاييس عمر الفئران، يعادل هذا سنوات عديدة من حياة الإنسان دون أي ظهور للمرض.
  • سمية منخفضة: غالباً ما تكون التوليفات الدوائية الثلاثية "عدوانية" وسامة، لكن العلاج الثلاثي أظهر تحملاً جيداً في الحيوانات دون آثار ضارة كبيرة أو مؤذية، وهو عامل أساسي للمضي قدماً نحو التجارب السريرية على البشر، بشرط توافر تحكم طبي مناسب.

اقرأ أيضاً: متى يزيد تناول لحوم الدجاج خطر إصابتك بسرطانات الجهاز الهضمي؟

من المختبر إلى الواقع

على الرغم من أهمية العلاج العلمي الجديد، فإنه لا يزال في المرحلة قبل السريرية، ولم تختبر هذه التوليفة في البشر حتى الآن. فالجرعات المستخدمة في التجارب الحيوانية، خاصة عقار (أفاتينيب)، تتجاوز المستويات الآمنة للبشر حالياً، كما أن بعض المركبات مثل SD36 تحتاج إلى تطوير في خصائصها الصيدلانية (مثل الامتصاص والأيض).

لكن هذه الدراسة "خارطة طريق" ذكية للمستقبل؛ فهي لم تقدم دواءً جاهزاً للصيدليات، بل قدمت دليلاً بيولوجياً قاطعاً على أن العلاج الاستراتيجي المتعدد الأهداف يمكن أن يحد من تكيف الورم، ويقيم أساساً للتجارب السريرية المستقبلية التي قد ترفع من فرص النجاح في علاج هذا المرض القاتل.

المحتوى محمي