بينما أنت تقرأ هذه السطور الآن، كيف تجلس؟ هل كتفاك مرفوعان باتجاه الأذنين؟ هل انحنى أسفل ظهرك ليأخذ شكل الهلال؟ هل عقدت ساقيك بما يعوق تدفق الدم؟ إن نمط حياة اليوم يتطلب من معظمنا الجلوس ساعات طويلة في وضعيات قد تكون غير صحية ودون وعي، إلا أن الجلوس فترات طويلة يرتبط بالعديد من المخاطر الصحية.
في دراسة نشرتها مجلة حوليات الطب الباطني، تبين أن الجلوس فترات طويلة يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية وبعض أنواع السرطان، وذلك بغض النظر عن ممارسة الرياضة ساعة يومياً بعد انتهاء الدوام. في المقابل، إضافة جرعات متكررة من الحركة الخفيفة في أثناء اليوم تقلل الإجهاد وتحسن التركيز والإبداع والقدرة على حل المشكلات.
لحسن الحظ، لا تحتاج إلى صالة رياضية داخل المكتب، ولا إلى تغيير مهنتك أو نمط حياتك، بل ما تحتاج إليه حقاً هو بيئة عمل تدعم الحركة بهدوء باستمرار. فتعرف على كيفية بناء هذه البيئة خطوة بخطوة.
اقرأ أيضاً: الحل لمن يجلس طويلاً: دقيقة واحدة تعيد إليك الحيوية واللياقة
تصميم المكان ليجبرك على الحركة
يحدد التصميم الفيزيائي للمكتب درجة نشاطك أكثر مما تظن. فإذا كان كل ما تحتاج إليه في متناول يدك، فلن يكون لجسدك أي دافع بيولوجي للحركة، في المقابل، فإن بعض التعديلات في تصميم المكتب تحثك على الحركة والنشاط، وهو ما يدعى بـ "الاحتكاك المنتج"؛ أي إدخال عوائق صغيرة تدفعك إلى التحرك دون أن تعوق إنتاجيتك. على سبيل المثال، يمكنك استخدام:
- استخدم مكتب الوقوف: يعرف أيضاً بـ "المكتب القائم". يسمح لك المكتب القائم بالوقوف ضمن مساحتك الخاصة بالعمل، بالإضافة إلى الحفاظ على لياقتك البدنية وصحتك الجسدية. يمكنك تصميم المكتب بما يتلاءم مع عملك، بحيث يكون طوله قابلاً للتعديل. مع الحرص على التبديل ما بين الوقوف والجلوس كل 30- 45 دقيقة، فالوقوف ساعات طويلة يرهق الأوردة بقدر ما يرهق الجلوس العمود الفقري. ومن أهم فوائده:
- حرق عدد أكبر من السعرات الحرارية مما يحرقه الجسم في أثناء الجلوس.
- إدارة داء السكري بخفض مستويات السكر في الدم، وفقاً للدراسة المنشورة في دورية الطب المهني والبيئي.
- تخفيض مخاطر الإصابة بأمراض القلب، حيث أشارت الدراسة المنشورة في المجلة الطبية البريطانية، إلى تراجع خطر الإصابة بأمراض القلب لدى سائقي الحافلات الذين يقفون فترات طويلة من اليوم مقارنة بسائقي الحافلات الذين يقضون وقتاً أطول خلف مقاعد القيادة.
- تخفيف آلام الظهر.
- استخدم معدات رياضية مدمجة: يعد الوقوف أمام المكاتب القائمة رياضة سلبية لأنه يحمي العضلات من الضمور، لكن يمكنك أيضاً ممارسة التمارين الرياضية الإيجابية في أثناء عملك باستخدام أجهزة رياضية مدمجة مثل:
- مكتب الدراجة: عبارة عن مكتب يتضمن كرسياً مدمجاً بدراجة رياضية؛ حيث يمكنك العمل على مكتبك وممارسة رياضة ركوب الدراجة في الوقت ذاته.
- دواسة الدراجة تحت المكتب: يمكن استخدامها لتمرين عضلات الجزء السفلي من الجسم، بالإضافة إلى عضلات الجزء العلوي، عبر استخدام اليدين على الدواسات.
- جهاز المشي المكتبي: وجدت دراسة نشرتها دورية بي إم سي للصحة العامة، أن لجهاز المشي المكتبي تأثيراً إيجابياً في ضغط الدم ونسبة الدهون.
- سجادات مقاومة الإرهاق: الوقوف فترات طويلة على أرضية صلبة قد يسبب ضغطاً وإجهاداً على المفاصل. لذلك ينصح باستخدام سجادة خاصة تساعد على تحفيز الحركات الصغيرة التلقائية في الساقين والكاحلين، ما يخفف الضغط ويحسن الدورة الدموية ويقلل التعب.
اقرأ أيضاً: لا تجلس طويلاً أمام الكمبيوتر لتتجنب الآلام المزمنة
إعادة برمجة سير العمل
لا تعني الحركة بالضرورة ممارسة التمارين الرياضية الشاقة. في الطب، يستخدم مفهوم (NEAT)، للإشارة إلى الطاقة المصروفة في كل نشاط لا يندرج ضمن النوم أو الأكل أو التمارين المنظمة، ولتحفيز مثل هذه الأنشطة في بيئة العمل يمكنك اتباع ما يلي:
- تقنية بومودورو بنسخة حركية: تستخدم عادة تقنية بومودورو لتنظيم الوقت والتركيز، وتتضمن 25 دقيقة عمل ثم 5 دقائق راحة. يمكن اتباع النهج ذاته للحركة، فخلال استراحة الخمس دقائق، امنع نفسك من النظر إلى أي شاشة، ومارس تمارين حركة بسيطة مثل التمدد أو سكوات.
- تفريغ ضغط المكتب: قف، ومد ذراعيك نحو الأعلى، ثم انحنِ ببطء إلى الأمام. تساعد هذه الحركة على إعادة ترطيب الأقراص الفقرية المضغوطة في أثناء الجلوس.
- قاعدة إطار الباب: في كل مرة تعبر فيها باباً، مارس تمرين فتح الصدر، بوضع يديك على جانبي الإطار عند مستوى الكتفين، ثم تقدم بجذعك قليلاً إلى الأمام حتى تشعر بتمدد في عضلات الصدر والكتفين، وابقَ في هذه الوضعية مدة 15- 30 ثانية.
- حيلة الطابعة: انقل الطابعة إلى غرفة أخرى، ما يحثك على النهوض والتنقل بين الغرف، كلما دعت الحاجة.
- الماء بمسافة: ضع كوب ماء صغيراً على المكتب بدل عبوة كبيرة، لتضطر إلى الذهاب إلى المطبخ أو المبرد كلما شعرت بالعطش.
- سلة مهملات مركزية: تخلَ عن السلة الصغيرة أسفل المكتب، وامشِ في كل مرة إلى سلة المهملات العامة.
اقرأ أيضاً: لماذا يعد المشي الياباني رياضة ممتعة من أجل اللياقة البدنية وإطالة العمر؟
المحفزات البيئية
تتأثر حالة اليقظة والنشاط البدني للفرد بعناصر البيئة المحيطة، بما فيها:
- الإضاءة: يؤثر الضوء الطبيعي إيجاباً في سلوكنا وأدائنا ومزاجنا وتنظيم عملية الأيض، بالإضافة إلى تأثيره في مستوى إنتاجيتنا وكذلك قدرتنا على التعلم. في المقابل، تؤدي الإضاءة الضعيفة أو غير الكافية إلى زيادة الشعور بالإرهاق والخمول، ما يقلل الدافع للحركة ويعزز السلوكيات الساكنة. لتحقيق أقصى استفادة من الضوء في بيئات العمل أو الدراسة، ينبغي فتح النوافذ أو استخدام المساحات ذات الإضاءة الطبيعية.
- درجة الحرارة: تثبط درجات الحرارة المرتفعة جداً أو المنخفضة جداً الرغبة في الحركة، وتدفع الأشخاص إلى البقاء ساكنين في أماكنهم لتجنب الانزعاج. لذا ينبغي الحفاظ على درجة حرارة معتدلة تتراوح بين 20- 24 درجة مئوية عادة.
اقرأ أيضاً: قد تكون الحركة هي أفضل آلية للتعامل مع آلام الظهر
تجاوز الوصمة الاجتماعية
في كثير من أماكن العمل، قد ينظر إلى الموظف الذي يتحرك كثيراً أو يأخذ فترات راحة قصيرة للمشي أو التمدد على أنه "غير جاد" أو "غير منتج". هذه الوصمة الاجتماعية تجعل الموظفين يترددون في القيام بسلوكيات صحية خوفاً من الحكم عليهم من قبل الزملاء أو الإدارة.
اقرأ أيضاً: ما هو دوار الحركة وما أسبابه وكيفية الوقاية منه؟
لكن حين تمنح صحتك الأولوية، فإنك لا تكسر حاجز الخوف أو الحرج لديك فقط بل تشجع زملاءك على تقليدك دون الشعور بالذنب أو الخوف من الحكم عليهم. وبذلك، تسهم في تغيير ثقافة العمل نحو بيئة أكثر دعماً للحركة والرفاهية.