لسنوات طويلة، ظل "المعيار الذهبي" للصحة متمثلاً في قاعدة "10,000 خطوة" أو "150 دقيقة من النشاط المتوسط أسبوعياً". وعلى الرغم من أنها أهداف ممتازة، فإنها تبدو أحياناً عوائق لا يمكن تخطيها لمن يملك وظيفة مكتبية أو يقضي وقتاً طويلاً في المواصلات أو يعاني قيوداً جسدية.
كشفت دراسة نشرت في المجلة الأميركية للطب الوقائي (يوليو 2025) أن 15 دقيقة كفيلة بتقليل خطر وفاتك بنسبة تصل إلى 20%.
المشي لكن بسرعة: هذا ما توصلت إليه الدراسة
اعتمدت الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة "فاندربيلت" على بيانات من أكثر من 79 ألف شخص من أصحاب الدخل المحدود، معظمهم من الأميركيين من أصل إفريقي، في 12 ولاية أميركية جنوبية، واستمرت مدة 17 عاماً تقريباً.
طلب الباحثون خلالها من المشاركين الإبلاغ عن عدد دقائق المشي التي يمشونها يومياً سواء مشياً بطيئاً أو سريعاً، ثم ربطوا هذه البيانات بحالات الوفاة وأسبابها على المدى الطويل.
وتوصل الباحثون إلى:
- قلل المشي السريع يومياً مدة 15 دقيقة فقط معدلات الوفاة بنسبة تقارب 20%.
- المشي البطيء ساعات طويلة (أكثر من 3 ساعات يومياً) ارتبط بانخفاض بسيط وغير ذي دلالة إحصائية في خطر الوفاة الكلي، مع بعض الفائدة المحدودة لأمراض القلب الإقفارية.
- الفوائد الصحية للمشي السريع ظهرت حتى عند من يمارسون أنشطة بدنية أخرى، ما يبرز أهمية سرعة المشي وليس فقط مدته.
اقرأ أيضاً: لماذا يعد المشي الياباني رياضة ممتعة من أجل اللياقة البدنية وإطالة العمر؟
كيف تحمي 15 دقيقة من المشي من أمراض الشيخوخة؟
قد تتساءل كيف يمكن لهذه النافذة الزمنية الضيقة أن تصنع فارقاً؟ يمكن تفسير ذلك من خلال عدة مسارات بيولوجية وقلبية وعصبية:
- تحسين القلب والأوعية: يحفز المشي السريع القلب والرئتين، ما يعزز كفاءة ضخ الدم، وتتمدد الأوعية لاستيعاب تدفق الدم المتزايد، فينخفض ضغط الدم، وتتحسن صحة "البطانة الغشائية" للشرايين، وهو ما يترجم إلى انخفاض واضح في خطر أمراض القلب والفشل القلبي.
- حساسية الإنسولين: حتى فترات قصيرة من النشاط المعتدل مثل المشي السريع، تجعل العضلات "جائعة للغلوكوز"، ما يحفز الخلايا لسحب السكر من مجرى الدم بفاعلية أكبر، فتتحسن حساسية الإنسولين، وتنخفض الدهون الثلاثية ويرتفع الكوليسترول الجيد، ما يقلل مخاطر السكري ومضاعفاته.
- تقليل الالتهاب: يعد الالتهاب المزمن "المحرك الصامت" للشيخوخة وأمراضها، لكن النشاط البدني المنتظم، ولو بجرعات صغيرة، يرتبط بانخفاض المؤشرات الالتهابية المزمنة في الجسم، وهي عامل مشترك في أمراض القلب والسرطان والشيخوخة المبكرة.
- دفعة للدماغ: يزيد المشي السريع إنتاج "عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ" (BDNF)، وهو بمثابة "سماد طبيعي" للمخ يساعد على ترميم الخلايا العصبية ونمو خلايا جديدة، ما يقي من التدهور المعرفي المرتبط بالعمر.
- ترياق التوتر: المشي مدة 15 دقيقة خاصة في الهواء الطلق يعد بمثابة "إعادة ضبط" قوية للجهاز العصبي، حيث يخفض هرمون الكورتيزول (هرمون الإجهاد) ويحفز إفراز الإندورفين "هرمون السعادة"، ما يمنحك تحسناً فورياً في المزاج.
اقرأ أيضاً: المشي 5 دقائق يومياً يحمي ذاكرتك ويعززها
كيف تطبق "قاعدة 15 دقيقة" في يومك؟
لكي تستفيد عملياً من هذه النتائج، تحتاج إلى أن تحول 15 دقيقة من المشي السريع إلى جزء ثابت من روتينك. يمكنك اتباع الطرق التالية:
- نزهة ما بعد الغداء: هي الوقت الأنسب للمشي بعد الوجبة وتقلل بشكل كبير طفرة الغلوكوز التي تتبع الأكل، ما يحمي تمثيلك الغذائي.
- المشي بسرعة كافية: الهدف هو مشي سريع يجعلك تتنفس بعمق أكثر من المعتاد، لكن ما زلت قادراً على الكلام في جمل قصيرة، وليس نزهة بطيئة.
- الاستفادة من القطع الصغيرة: إذا كان من الصعب تخصيص 15 دقيقة متواصلة في البداية، فيمكنك أن تبدأ بثلاث فترات من 5 دقائق موزعة خلال اليوم، ثم حاول دمجها تدريجياً في فترة واحدة أو فترتين أطول.
- ربط المشي بعادة قائمة: امشِ في طريق العودة من العمل، أو انزل من المواصلات في محطة أبكر، أو اجعل مكالماتك الهاتفية الطويلة فرصة للمشي السريع داخل أو خارج المنزل.
اقرأ أيضاً: المشي اليومي ليس ترفاً: إليك أهم فوائده في تحسين المزاج والذاكرة
- خدعة التنقل: اركن سيارتك بعيداً عن مقر عملك بمسافة 15 دقيقة، أو انزل من الحافلة قبل محطتك بمسافة مماثلة، أي اجبر نفسك على سلوك المشي السريع للوصول إلى عملك في الوقت المحدد.
- اجتماع المشي: إذا كانت لديك مكالمة عمل لا تتطلب شاشة، فارتدِ سماعاتك وامشِ في أرجاء الحي.