بصفتك مديراً، أنت في سباق دائم مع المواعيد النهائية، وتحاول إدارة فريقك والتخطيط للمستقبل، وغالباً ما تعمل ساعات طويلة. هذا ليس مرهقاً ذهنياً فحسب؛ بل يهيئ بيئة خصبة لاضطرابات الجهاز الهضمي.
ما قد لا تدركه هو مدى تأثير هذا الضغط ونمط حياتك في كل من جهازك الهضمي وإنتاجيتك وثقتك بنفسك، وحتى في حياتك الاجتماعية ضمن العمل. فما هو هذا التأثير؟ وكيف يمكنك التحكم في صحتك الهضمية؟
اقرأ أيضاً: ما هي أهم الفحوص الطبية الدورية التي يجب أن يجريها المدراء؟
الجهاز العصبي المعوي: الدماغ الثاني
يتكون الجهاز العصبي اللاإرادي في الجسم من 3 أقسام هي:
- الجهاز العصبي الودي (السمبثاوي)، يحفز استجابة "الكر والفر" في حال وجود ما قد يعتقد الجسم بأنه تهديد أو خطر.
- الجهاز العصبي اللاودي (الباراسمبثاوي)، يهدئ الجهاز العصبي اللاودي الجسم بعد زوال الخطر.
- الجهاز العصبي المعوي، المسؤول عن تنظيم وظائف الجهاز الهضمي، مثل الهضم والامتصاص وحركة الطعام وإفراز الإنزيمات وتنظيم تدفق الدم والاستجابات المناعية داخل الأمعاء.
يتكون الجهاز العصبي المعوي من شبكة واسعة ومعقدة من الخلايا العصبية المدمجة في جدران الجهاز الهضمي بأكمله، تمتد من المريء وصولاً إلى فتحة الشرج، وقد يصل عددها إلى أكثر من 100 مليون خلية عصبية؛ أي أكثر من عدد الخلايا العصبية في الحبل الشوكي بأكمله.
بالإضافة إلى ذلك، يعمل الجهاز العصبي المعوي على نحو مستقل عن الجهاز العصبي المركزي (الدماغ والحبل الشوكي)، مع الحفاظ على التواصل معه، على عكس الجهازين السابقين (الودي واللاودي) اللذين يتواصلان مباشرة مع الجهاز العصبي المركزي، لذا يطلق عليه اسم "الدماغ الثاني".
يدعم هذا الاستقلال الذاتي استخدامه لنواقل عصبية مطابقة لتلك الموجودة في الدماغ، بما فيها الأستيل كولين والدوبامين والسيروتونين. على سبيل المثال، تنتج الأمعاء نحو 95% من السيروتونين، الذي يطلق عليه غالباً "هرمون السعادة"، أي إن للجهاز العصبي المعوي تأثيراً في المزاج والسلوك. ومع ذلك، يمكن للجهاز العصبي المعوي التواصل مع الدماغ عبر مسار ثنائي الاتجاه، يعرف باسم محور الأمعاء والدماغ، من خلال العصب المبهم. أي إنه لا يؤثر في وظيفة الجهاز الهضمي فحسب، بل يمكن أن يؤثر ويتأثر في المزاج واستجابات التوتر والصحة النفسية.
علاوة على ذلك، تحتوي الأمعاء على تريليونات الميكروبات، من بكتيريا وفيروسات وفطريات، وتعرف مجتمعة بالميكروبيوم المعوي. تنتج هذه الميكروبات مجموعة متنوعة من المستقلبات وجزيئات الإشارة التي يمكن أن تؤثر في فيزيولوجيا الجسم، بما فيها الوظائف العصبية، وامتصاص العناصر الغذائية وتخليق الفيتامينات. في المقابل، يمكن أن يؤدي اختلال توازن ميكروبات هذا النظام إلى سلسلة من المشكلات مثل الاضطراب الهضمي والحالات الالتهابية.
ما الذي يؤثر في الصحة الهضمية للمدارء؟
يعاني المدراء في بيئة العمل من إجهاد العمل بتأثير عوامل مثل قلة وقت الفراغ والعمل بنظام المناوبات اليومية وعدم الرضا عن مكان العمل وأنماط الأكل غير المنتظمة وقلة النشاط البدني وبيئات العمل عالية الضغط. ويتواصل الدماغ مع الأمعاء (الدماغ الثاني) عبر محور الدماغ والأمعاء لتنشيط استجابة الكر والفر (تغيرات هرمونية وعصبية)، ما يسبب سلسلة من التغيرات مثل إفراز هرمونات التوتر (الكورتيزول والأدرينالين) واختلال توازن النواقل العصبية. توجه هذه التغيرات تدفق الدم بعيداً عن الوظائف غير الأساسية، مثل الهضم، نحو عضلاتك ودماغك، ما قد يعطل الأداء الطبيعي للمعدة والأمعاء، ويؤدي إلى العديد من المشكلات الهضمية، مثل تغير في إفراز حمض المعدة وحركة الأمعاء الدودية ( تباطؤ الهضم أو حتى توقفه)، ونفاذية الغشاء المخاطي ووظيفته.
في المقابل، يمكن أن يعيد اضطراب الجهاز الهضمي إرسال إشارات إلى الدماغ، تؤثر في المزاج والحالة النفسية للمدير.
ما هي المشكلات الهضمية التي تصيب المدراء؟
سواء كنت على وشك إلقاء خطاب أمام أفراد فريقك أم اتخاذ قرار يحدد مصير المؤسسة، يمكن للتوتر الحاد والمزمن أن يسبب مجموعة من المشكلات الهضمية التي تؤثر في حالتك النفسية وأدائك -بوصفك مديراً- بالإضافة إلى صحتك، عن طريق تعطيل الوظيفة الطبيعية لنظام الجهاز الهضمي من خلال محور الدماغ والأمعاء، ومن أهمها:
- عسر الهضم: يمكن أن يحفز التوتر تغييرات في إنتاج حمض المعدة، إما بزيادته ما يؤدي إلى حرقة المعدة وارتجاع المريء، وإما بانخفاضه وبالتالي بطء الهضم والشعور بالامتلاء أو الانزعاج. كما يمكن أن يسبب توتر العمل تشنجات في المريء يرافقها ألم أو صعوبة في البلع.
- حرقة المعدة وارتجاع المريء: يزيد التوتر إنتاج حمض المعدة ويسبب ارتخاء العضلة العاصرة بين المريء والمعدة، ما يسمح لحمض المعدة بالتدفق إلى الأعلى والعودة إلى المريء.
- الغثيان والقيء: الشعور بـ "الفراشات في المعدة" هو مظهر شائع لتأثير التوتر. في الحالات الأكثر شدة، يمكن أن يؤدي التوتر مباشرة إلى الغثيان، وحتى إلى القيء في بعض الحالات.
- الإسهال: عند التوتر، قد يحاول الجسم التخلص بسرعة من أي شيء غير ضروري، مثل الطعام، فيسرع حركة الأمعاء ليمر الطعام بسرعة عبرها متحولاً إلى براز لين ومائي.
- الإمساك: على العكس من ذلك، ينخفض تدفق الدم إلى الجهاز الهضمي بفعل هرمونات التوتر لدى بعض المدراء، لتحويل الموارد إلى أجزاء أخرى من الجسم، فتتباطأ عملية الهضم وتنخفض حركة الأمعاء، ويصبح البراز أكثر صلابة وصعوبة في الخروج.
- ألم وتشنجات في البطن: يمكن للتوتر أن يجعل أمعاءك أكثر حساسية للألم، حيث تصبح الأعصاب في الجهاز الهضمي "مفرطة الوعي" حتى بالعمليات الطبيعية، مثل تمدد جدران الأمعاء أو حركة الغازات، ويشعر المدير بالألم والتشنج أو انقباض المعدة.
- الانتفاخ والغازات: يؤدي تباطؤ مرور الطعام إلى منح البكتيريا وقتاً أطول لتخمير الطعام، ما يؤدي إلى زيادة إنتاج الغازات وانتفاخ البطن المزعج.
- نوبات متلازمة القولون العصبي: يعد التوتر محفزاً رئيسياً لأعراض القولون العصبي. على الرغم من أن التوتر لا يسبب متلازمة القولون العصبي، فإنه قد يفاقم أعراضها، مثل ألم البطن والتشنجات والانتفاخ والإسهال أو الإمساك.
- التهاب الأمعاء: بالنسبة للمدراء الذين يعانون أمراضاً مزمنة مثل داء كرون أو التهاب القولون التقرحي، يمكن أن يؤدي التوتر إلى تفاقم الالتهاب وتفاقمه، وزيادة حدة أعراضه.
- زيادة نفاذية الأمعاء (الأمعاء المتسربة): يمكن أن يؤثر التوتر فترات طويلة في سلامة بطانة الأمعاء، فيجعلها أكثر نفاذية، أي قد تتسرب بعض المواد من الأمعاء إلى مجرى الدم، ما قد يحفز الالتهابات والاستجابات المناعية.
اقرأ أيضاً: 20 عادة صحية على المدراء التكيف معها واعتمادها
عادات صحية يمكن للمدراء اتباعها للحفاظ على صحة أمعائهم
يمكن للمدراء اتباع عادات صحية متعددة للحفاظ على صحة أمعائهم وتحسين أدائهم المهني، مثل:
1- التغذية الصحية: يعزز النظام الغذائي الصحي نمو البكتيريا الصحية على حساب البكتيريا الممرضة، والذي يتضمن:
- ألياف: 40 غراماً من الألياف يومياً، وتوجد في البقوليات والخضروات والحبوب الكاملة.
- البروبيوتيك: وهي الأطعمة التي تحتوي على البكتيريا المفيدة، مثل المخللات والألبان.
- البريبايوتيك: هي مواد غير قابلة للهضم من قبل الإنسان، وتعمل بصفتها مغذيات للبكتيريا النافعة الموجودة في الأمعاء. وتوجد عادة في بعض الأطعمة مثل الثوم والبصل والكراث والهليون والموز غير الناضج والحبوب الكاملة. كما تتوفر أيضاً على شكل مكملات غذائية.
2- إدارة التوتر بفعالية: مارس اليقظة الذهنية وتقنيات الاسترخاء القصيرة، مثل التأمل مدة 5 دقائق أو تمارين التنفس العميق في أثناء فترات الراحة لتقليل التوتر الهضمي ودعم صحة الأمعاء. كما قد يساعد المشي بعد الاجتماعات أو في أثناء فترات الراحة على خفض مستويات الكورتيزول.
3- الحفاظ على الترطيب: يساعد شرب لترين من الماء كل يوم على تحسين عملية الهضم وتنظيم حركات الأمعاء ومنع الإمساك.
4- الحصول على قسط كاف من النوم: يجب الحصول على ما لا يقل عن 8 ساعات من النوم كل ليلة، لتقليل التوتر وتعزيز البكتيريا المفيدة.
5- ممارسة التمارين الرياضية: يعزز النشاط البدني حركة الأمعاء، لذا حاول ممارسة التمارين الرياضية يومياً، وتجنب الجلوس فترات طويلة عن طريق التمدد أو المشي كل 30 دقيقة لتحسين الدورة الدموية.