هل سبق لك أن جلست أمام شاشة حاسوبك في الساعة الثالثة فجراً، وعيناك تشبهان حبتي طماطم، وأنت تحاول إنهاء "أهم مشروع في حياتك"؟ في تلك اللحظة، تشعر ببطولة زائفة، كأنك محارب يخوض معركة ضد الوقت. لكن الحقيقة الصادمة هي أنك لست بطلاً؛ بل أنت تعمل بدماغ يعادل في كفاءته دماغ شخص "ثمل". حيث إن ما يحدث داخل دماغك في تلك اللحظة ليس "إنجازاً"، بل هو "حالة طوارئ بيولوجية" قد تجعل من مشروعك المهم حقلاً للأخطاء الكارثية. فما الذي يحدث فعلاً عندما نقرر التخلي عن وسائدنا مقابل إتمام أعمالنا؟
اقرأ أيضاً: كيف يؤثر الحرمان من النوم في الشعور بالتقدم بالعمر؟ دراسة حديثة تجيب
تأثير اضطراب الساعة البيولوجية في الذاكرة
عندما تسهر طوال الليل، فأنت عملياً تخوض معركة ضد الساعة البيولوجية لجسمك، أو ما يعرف بالإيقاع اليومي. تتحكم الساعة البيولوجية في تغيرات دورية يمر بها معظم الكائنات الحية خلال 24 ساعة، مثل النوم والاستيقاظ، وهي تتأثر بالضوء بدرجة كبيرة.
مع غروب الشمس، ترسل عيناك إشارات إلى "النواة فوق التصالبية" في الدماغ، وهي المركز الذي ينظم ساعاتك الداخلية. تحفز النواة الغدة الصنوبرية لبدء إفراز هرمون الميلاتونين (هرمون النوم)، الذي يخبر أعضاءك بأن وقت الراحة قد حان. تبدأ مستويات هذا الهرمون بالارتفاع عادة قبل نحو ساعتين من موعد نومك المعتاد.
في الوقت نفسه، تطلق خلايا عصبية في منطقة تحت المهاد وجذع الدماغ مادة تدعى "غابا" (GABA)، تعمل على إبطاء نشاط الدماغ ومنحك شعوراً بالهدوء تدريجياً مع الاقتراب من وقت نومك الطبيعي.
لكن خلال النهار، يتراكم في دماغك مركب يسمى "الأدينوزين"، وهو نتاج ثانوي للنشاط العصبي طوال اليوم. كلما زاد تراكمه، زاد شعورك بالنعاس والحاجة للنوم، فتستعين بالقهوة. يمنع الكافيين في القهوة الأدينوزين من الارتباط بمستقبلاته، ما يمنحك دفعة مؤقتة من النشاط والطاقة لاستكمال العمل على المشروع.
في أثناء اليوم، يخزن الدماغ المعلومات التي تكتسبها مبدئياً في الحصين، وهو مركز تشكيل الذكريات الجديدة وتخزينها، وعلى نحو خاص يرتبط بالذاكرة التصويرية (الذاكرة المتعلقة بالأماكن والأحداث)، ثم تعاد معالجتها في أثناء النوم وتنقل إلى التخزين الطويل الأمد في القشرة المخية الحديثة، وهي خطوة ضرورية لتحويل "الحفظ" إلى فهم قابل للاستخدام. عندما تسهر حتى الفجر لتنهي مشروعاً معقداً أو عرضاً مهماً، فإنك تحرم دماغك من هذه المرحلة. لذلك، قد يتمكن دماغك المحروم من النوم من استرجاع الحقائق المجردة، لكنه يواجه صعوبة في اكتشاف الأنماط أو حل المشكلات المعقدة.
اقرأ أيضاً: ما تأثير تغيير التوقيت العالمي في الساعة البيولوجية وكيف نخفف منه؟
فقدان التركيز: دماغك يحاول النوم في أثناء عملك على المشروع
في أثناء النوم، يتدفق السائل الدماغي الشوكي داخل الدماغ بكثافة، وذلك بالتزامن مع تغيرات عصبية ووعائية، للمساعدة على نقل الفضلات الأيضية خارج الدماغ. وفي دراسة حديثة، أجراها باحثون من معهد إم آي تي وجامعة بوسطن، تبين أنه حتى في حالة السهر طوال الليل والحرمان من النوم، يحاول الدماغ تعويض ما فاته من تنظيف ليلي.
أوضح تصوير الدماغ الوظيفي السريع، وتخطيط الدماغ الكهربائي، واختبار الانتباه النفسي الحركي، وتتبع حدقة العين أن الدماغ، عند الحرمان من النوم، يدخل في حالة شبيهة بالنوم على الرغم من بقاء الإنسان مستيقظاً، حيث تبدأ موجات من السائل الدماغي الشوكي بالخروج من الدماغ ثم العودة إليه، وهي العملية نفسها تقريباً التي تحدث في أثناء النوم العميق، ولكن بكثافة أقل. ويترافق ذلك بلحظات شرود وانقطاع في الانتباه، مع تضيق حدقة العين، وانخفاض نشاط موجات الدماغ السريعة، وتباطؤ التنفس ونبض القلب عند خروج السائل الشوكي، ثم يعود التركيز عند التدفق للداخل، في نمط يشبه بدايات النوم العميق.
في مشروع يتطلب مراجعة أرقام، أو تدقيق تفاصيل قانونية، أو برمجة حساسة، تكفي ثوان من هذا الانقطاع لتسريب خطأ لا يكتشف إلا بعد فوات الأوان.
اقرأ أيضاً: كيف يؤثر السهر إلى ساعات متأخرة من الليل في الصحة القلبية والعمل
فقدان القدرة على التنسيق والتوازن الحركي
خلال صراعك مع الشعور بالنعاس والنوم تتعرض لما يعرف بـ "النوم الدقيق"؛ وهو فترات قصيرة جداً من النوم تستمر ثواني معدودة، وتحدث على نحو غير متوقع نتيجة الحرمان من النوم. فتحاول التمدد والتحرك لتبقى مستيقظاً، إلا أنك تفاجأ بفقدانك لمهاراتك الحركية! في دراسة قديمة أجراها باحثون من جامعة نيو ساوث ويلز وجامعة أوتاغو على 39 مشاركاً (30 من قطاع النقل، و9 من الجيش الأسترالي)، خضع المشتركون لتجارب حرمان من النوم مدة 28 ساعة وتجارب تناول كحول حتى تركيز 0.1% في الدم. تبين ما يلي:
- يضعف الحرمان المعتدل من النوم، نحو 17–19 ساعة، الأداء الذهني والحركي بمستوى يعادل أو أسوأ من أداء شخص لديه تركيز كحول 0.05% في الدم، وهو الحد القانوني للقيادة في دول كثيرة.
- تباطأت سرعة الاستجابة حتى 50% في بعض الاختبارات، وازدادت الأخطاء إلى حد كبير، مثل تضاعف عدد الإشارات الفائتة والإنذارات الخاطئة.
- وصل التدهور في الأداء إلى مستوى مكافئ لتركيز كحول 0.1% بعد فترات أطول من السهر، وهو مستوى يشكل خطراً شديداً على القيادة والعمل.
في بيئة مشاريع مهمة، سواء كنت طبيباً يناقش خطة علاج معقدة، أو مهندساً يراجع تصميماً إنشائياً، أو مبرمجاً يطلق تحديثاً حساساً، ينتج عن هذا التدهور في الحركة والدقة، الناتج عن تأثير الأرق في ليلة سابقة، زيادة احتمالات الأخطاء بنسبة كبيرة.
اقرأ أيضاً: ما هي المخاطر المرتبطة بتناول المشروبات الكحولية؟
فخ الدوبامين وفقدان القدرة على المحاكمة العقلية
مع شروق شمس اليوم التالي، تشعر بموجة عابرة من النشوة والحماس، سببها ارتفاع مؤقت لهرمون الدوبامين، وهي آلية طورها الجسم لتحفيزك على البقاء مستيقظاً بحثاً عن موارد (في حالة بدائية).
نتيجة هذا الارتفاع في الدوبامين تعمل "اللوزة الدماغية" (مركز المشاعر) بأقصى طاقتها، بينما تضعف "قشرة الفص الجبهي" (مركز المنطق واتخاذ القرار). بالنتيجة، تصبح أكثر عرضة للمخاطرة وردود الفعل الحادة، لأنك تفقد القدرة على تقييم العواقب الطويلة المدى لمشروعك، وتميل لاتخاذ قرارات متهورة قد تندم عليها لاحقاً.
فإذا واجهت سؤالاً نقدياً أو مشكلة تقنية في أثناء عرض المشروع، فإن اللوزة الدماغية النشطة ستجعلك سريع الانفعال أو التوتر. كما أنك لن تستطيع الرد بهدوء ومنطق، بل قد يظهر عليك الارتباك الشديد أو حتى الهجومية.