كلنا نعرف ذلك الشعور، عندما تكون عاجزاً عن النوم وأنت تنظر إلى الساعة وقد بلغت الثانية بعد منتصف الليل، مع أنك تحليت بالمسؤولية وذهبت إلى النوم في الساعة 11 مساء. فمع مرور الدقائق، كل ما يدور في ذهنك هو أهمية النوم جيداً لتعزيز الأداء والمزاج والإنتاجية. والأسوأ من ذلك أن الأحرف البيضاء الكبيرة التي ترتسم في المنطقة المخصصة لإظهار تقييم جودة نومك ستظهر كلمة "ضعيف" كما لو كانت نتيجة اختبار في المرحلة الإعدادية. وفي حين أن أجهزة تتبع الصحة ساعدت الكثيرين على اكتساب معلومات معمقة عن أجسامهم، فإن التركيز المفرط على مقاييس النوم يمكن أن يأتي بنتائج عكسية.
اقرأ أيضاً: كيف يؤثر النوم في أدائك القيادي؟ وكيف تحسن جودته؟
ما هو الأورثوسومينا؟
منذ أن طرح جهاز فيتبيت في الأسواق عام 2009، أصدرت شركات التكنولوجيا الاستهلاكية عدداً لا يحصى من الأجهزة التي تسمح لنا بتتبع نومنا في المنزل. انتشرت الأجهزة القابلة للارتداء (مثل الساعات والخواتم) والأجهزة القريبة (مثل سجادات الاستشعار المخصصة لفراش النوم ومحطات التتبع المركزية المزودة بشاشات ذكية) في كل مكان، وولت الأيام التي كان تتبع النوم فيها مقتصراً على العيادات. فوفقاً للأكاديمية الأميركية لطب النوم، أكثر من ثلث الأميركيين استخدموا أجهزة لتسجيل وقائع نومهم.
أثارت هذه البيانات كلها المتعلقة بأدائنا خلال النوم قلقاً جديداً: الهوس بالنوم المثالي، وهي حالة يسميها الخبراء "الهوس بالنوم" أو "أورثوسومنيا". تمثل هذه الظاهرة الحديثة مفارقة قاسية أيضاً، فنظراً إلى طبيعة النوم الخاصة، فإن التركيز عليه يمكن أن يجعله أصعب منالاً في الواقع. يقول الباحث في النوم وعلومه ومدرب النوم السابق، درو كوبلاند، لمجلة بوبيولار ساينس، إنه بالنسبة إلى الكثيرين "بمجرد أن يبدؤوا السعي وراء النوم المثالي، فإن ذلك يؤثر سلباً في جودة نومهم".
تمكن الباحثون من تشخيص الهوس بالنوم للمرة الأولى في عام 2017، حيث لاحظوا أن المرضى يراجعونهم وهم قلقون بشأن بيانات أجهزة تتبع نومهم. وترى المختصة في علم النفس ومديرة مختبر طب النوم السلوكي في جامعة يوتا والباحثة في الدراسة الرائدة، الدكتورة كيلي غليزر بارون، أن قلق الناس بشأن نومهم يتسبب بتأثيرات مضاعفة. وتقول لبوبيولار ساينس إن ذلك غالباً ما يدفعهم إلى فعل أشياء تزيد نومهم سوءاً، مثل قضاء وقت أطول مما ينبغي في السرير، وهي طريقة شائعة لمن يعانون صعوبات في النوم ينصح الخبراء بعدم اللجوء إليها.
إن التفكير المفرط في الحصول على قسط كاف من النوم ليلاً قد يشعل دوامة من التوتر والقلق. يؤدي التوتر بشأن النوم إلى تنشيط الجسم، ما يبقيك مستيقظاً فترة أطول. وقد أسهم طوفان الأجهزة الجديدة خلال العقد الماضي في تدفق المرضى المثقلين ببيانات النوم إلى عيادة بارون بصورة منتظمة.
تقول بارون: "يأتي إلي أشخاص كل أسبوع ويضع كل واحد منهم الهاتف في وجهي ويقول: ’أنا لا أحصل على قسط كافٍ من نوم حركة العين السريعة‘".
اقرأ أيضاً: النوم والإنتاجية: ماذا تقول الأبحاث عن أفضل عدد ساعات نوم للمدراء؟
قياس التوقعات و"مراحل النوم"
في كثير من الأحيان، لا يفهم المستهلكون العاديون، الذين يدرسون مقاييس نومهم، ما يبحثون عنه مقارنة بما تحتاج إليه أجسامهم بالفعل.
تقول بارون: "من المفترض أن يكون نصف نومك في الليل نوماً خفيفاً". ومن الطبيعي أيضاً أن تستيقظ خلاله بضع مرات. فالنوم ليس غيبوبة، وليس من المفترض أن يكون كتلة متواصلة من فقدان الوعي.
علاوة على ذلك، فإن العديد من المستخدمين ببساطة يبالغون في التقدير في تقاريرهم الصباحية. وفي حين أن تكنولوجيا تتبع النوم الاستهلاكية قد قطعت أشواطاً كبيرة منذ أن نشرت بارون ورقتها البحثية الأولى، يتفق الخبراء على أن هذه الأجهزة ليست بارعة بعد في رصد التفاصيل التي تتجاوز وقت نومك ووقت استيقاظك ومعدل ضربات قلبك. فالمقاييس الأكثر تجريداً ليست موثوقة.
يقول مختص علم النفس ومدير برنامج أبحاث النوم والصحة في جامعة أريزونا، الدكتور مايكل غراندنر، في حديث له مع بوبيولار ساينس، "إن ’النتيجة‘ و’التعافي‘ اللذين يظهرهما التطبيق ليسا سوى هراء في الغالب. إنهما شبيهان بتوقعات الأبراج".
ويحذر غراندنر أيضاً من تصديق مقاييس مراحل النوم التي تقدمها الأجهزة.
يقول غراندنر: "[مراحل النوم] لا يمكن تسجيلها بصرياً إلا بواسطة الإنسان. هناك الكثير من برامج الذكاء الاصطناعي، ولكن لا أحد يثق بها، لأنها تفتقر إلى الموضوعية".
ابتكر الباحثون مراحل النوم في ثلاثينيات القرن العشرين للإشارة إلى علامات التزامن في الدماغ في أثناء النوم كما تظهر من خلال قياسات موجات الدماغ. وحتى بعد مرور ما يقرب من قرن من الزمان، لا يمتلك الخبراء التكنولوجيا اللازمة لرؤية العملية الفعلية التي تطلق الخلايا العصبية من خلالها النواقل العصبية، ولهذا السبب قد يقدم اثنان من الفنيين تفسيرين مختلفين قليلاً لمراحل النوم.
ويقول غراندنر إن الأجهزة الاستهلاكية أكثر فوضوية. علاوة على ذلك، فإن مراحل النوم أقل أهمية مما يعتقد الناس. من الأفضل استخدام أجهزة تتبع النوم بصفتها "صوراً لحظية" لأوقات استيقاظك ونومك، أي أن تكون أداة مرافقة إلى جانب ما تشعر به بالفعل.
تقول بارون: "لن أبدأ العلاج أبداً بناء على البيانات المستمدة من جهاز شخص ما. فعلاج الأرق يعتمد على تجربة الأشخاص الذاتية لنومهم".
اقرأ أيضاً: لماذا يحتاج بعض الأشخاص إلى قدر أقل من النوم؟
كيفية التعامل مع مشاكل النوم
يقول كوبلاند إنه إذا كنت تعتقد أنك ربما تعاني مشكلة في النوم، فتحدث إلى معالج مختص، سواء شخصياً أو عبر الإنترنت. ثمة علاجات مفيدة، مثل العلاج المعرفي السلوكي للأرق. إذا كنت تعتقد أنك ربما تفرط في التركيز على بيانات نومك، فتوقف عن تتبع النوم لديك.
يرتدي كوبلاند خاتم أورا في يده اليمنى، وما يعجبه فيه هو أنه يقدم له تحليلاً موجزاً وشاملاً لأوقات نومه على مدار أسابيع وشهور. ويجد أن ذلك يساعده أيضاً على تعزيز تعاطفه الذاتي في الأيام التي تلي ليلة لم يحظ فيها بنوم جيد.
يقول كوبلاند: "النوم، بطبيعته، هو أمر يتطلب الاسترخاء. أما الاستلقاء في السرير والتفكير في أنك تحتاج إلى زيادة هذه النتيجة إلى أقصى حد، فإنه يشكل ضغطاً إضافياً. يجب أن يكون النوم فرصة لتنعم بالراحة، لا منافسة عليك أن تخوضها".
تستخدم بارون جهاز تتبع النوم لديها بأسلوب مماثل، وتقول إنها لم تغير سلوكها بناء على البيانات.
يقول عالم الأعصاب، الدكتور ماثيو ووكر، في مدونته الصوتية، إن أفضل شيء يمكنك فعله في اليوم التالي للنوم السيئ في الليل، هو ألا تفعل شيئاً مختلفاً عما أنت معتاد عليه. لا تذهب إلى الفراش في السادسة مساء، أو تأخذ قيلولة وقت الغداء. فالاستمرارية والتحلي بالهدوء هما أفضل السبل لضمان أن تسير إيقاعات ساعتك البيولوجية كما ينبغي.
مع أن النوم حاجة حيوية، لكنه ليس أمراً ينبغي للناس أن يشعروا بالحاجة إلى التحكم فيه بدقة. فهو مثل التنفس، عملية بيولوجية سلبية. يقول غراندنر: "كل من يملك حيواناً أليفاً يعلم أن الثدييات لا تقلق بشأن النوم". من المهم أن نتذكر أن التطور البشري اكتشف ذلك منذ زمن طويل، فالجسم يعرف بالفعل ما يجب فعله.
يقول غراندنر: "ثمة منظومة تتولى أمر النوم، فهو مشكلة محلولة. ونحن نحاول إيجاد حل لمشكلة محلولة".