ثورة العمر الصحي: كيف يعيد الابتكار رسم مستقبل الشيخوخة؟

5 دقيقة
ثورة العمر الصحي: كيف يعيد الابتكار رسم مستقبل الشيخوخة؟
حقوق الصورة: Shutterstock.com/Zurijeta

في ظل الفجوة المتزايدة بين متوسط العمر المتوقع وجودة الحياة، لم يعد العمر الصحي مفهوماً طبياً بحتاً، بل أصبح رافعة اقتصادية واستراتيجية قادرة على تعزيز الإنتاجية والتنافسية الوطنية. لكن هناك عوائق أمام تعزيز الحياة الصحية، منها محدودية التمويل وغياب مؤشرات حيوية موحدة، …

في عالم يشهد تحولاً سكانياً غير مسبوق، حيث من المتوقع أن يتضاعف عدد الأشخاص فوق سن الستين ليصل إلى 2.1 مليار بحلول عام 2050، يطرح التقرير العالمي للعمر الصحي لعام 2025 الصادر عن مؤسسة هيفولوشن في السعودية، رؤية جديدة لا تركز على إطالة العمر فحسب، بل على تمديد سنوات الحياة الصحية النشطة.

يكشف التقرير عن أن العمر الصحي –وهو عدد السنوات التي يعيشها الفرد في صحة جيدة بدلاً من مجرد عدد سنوات البقاء على قيد الحياة- لم يعد مجرد مصطلح طبي، بل أصبح المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي المستقبلي. وتحول إلى معيار موازٍ للناتج المحلي الإجمالي؛ حيث أن الدول التي ستنجح في تحقيقه ستكون الأكثر قدرة على المنافسة والنمو.

وفي المقابل فإن الفشل في توجيه التركيز نحو العمر الصحي سيؤدي إلى نقص في العمال الأصحاء، وارتفاع حاد في نسب الإعالة، وتكاليف غير مستدامة للأمراض المزمنة.

فجوة متسعة تستدعي التحرك العاجل

تتمحور المشكلة الأساسية حول الفجوة بين طول العمر وجودة الحياة الآخذة في الاتساع عالمياً. فبينما يزداد متوسط عمر الإنسان عالمياً، لا تزال السنوات الأخيرة من الحياة تقضى في صراع مع الأمراض المزمنة والشيخوخة. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تبلغ هذه الفجوة 12.4 سنة، وعلى المستوى العالمي، تعاني النساء من فجوة أكبر مقارنة بالرجال، ما يسلط الضوء على الحاجة الملحة لاستراتيجيات صحية مراعية للنوع الاجتماعي.

ويمثل نقص التمويل أحد أهم التحديات التي تواجه مجال إطالة العمر الصحي. على الرغم من تضاعف الاستثمار العالمي في علوم العمر الصحي خلال عام 2024 ليصل إلى 7.3 مليار دولار، مع زيادة متوسط حجم الصفقات بنسبة 77% منذ عام 2020. لكن لا تزال الاستثمارات غير كافية مقارنة بحجم التحدي الاقتصادي والصحي العالمي، وتتمثل العوائق الرئيسية لزيادة الاستثمار في الغموض التنظيمي، ونقص المواهب المتخصصة، وصعوبة التمييز بين الحقائق العلمية الموثوقة والادعاءات التسويقية غير الدقيقة.

ومن جهة أخرى، تفتقر المنظومة الصحية إلى أطر موحدة ومؤشرات حيوية متفق عليها تسهم في إطالة العمر الصحي، كما يتطلب تعزيز دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة الرعاية الصحية بناء أنظمة بيانات تتميز بالشفافية والعدالة.

ولا تزال الصورة النمطية السائدة عن الشيخوخة تضعها في قالب "عملية تدهور حتمي" وليس "حالة يمكن التعامل معها طبياً".

أوجه التأثير: تحويل إطالة العمر الصحي إلى واقع ملموس

يكشف التقرير أن الشيخوخة لا تحدث على نحو تدريجي منتظم، بل في موجتين: الأولى حول سن الأربعين عندما يتباطأ التمثيل الغذائي وتبدأ تغيرات صحة القلب بالظهور، والثانية حول سن الستين عندما تزداد حالة ضعف الجهاز المناعي. يفتح هذا الاكتشاف أبواباً جديدة للتدخلات الوقائية الموجهة في هذه الفترات الحرجة.

وهنا تبرز أهمية تضافر العلوم والسياسات والاستثمار في تحفيز التغيير على مستويات متعددة:

أولاً، على مستوى السياسات: تعتقد الغالبية (80% من المواطنين) بضرورة تمويل الحكومات لاستراتيجيات الصحة الوقائية، ما يشكل ضغطاً متزايداً على صانعي القرار لإعادة توجيه الموارد من العلاج التفاعلي إلى الوقاية الاستباقية.

ثانياً، على مستوى الاستثمار: يمكن لكل دولار يستثمر في الوقاية أن يعود بما يصل إلى 16 دولاراً من الفوائد الاقتصادية والصحية. وتشير التقديرات إلى أن تمديد العمر الصحي سنة واحدة فقط لـ 10% من السكان المسنين يمكن أن يوفر 29 مليار دولار سنوياً من تكاليف برامج الاستحقاقات، مع إضافة 80 مليار دولار إلى الاقتصاد. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ بل هي حجة اقتصادية قوية لإعادة توجيه الأولويات الصحية نحو الوقاية.

ثالثاً، على المستوى السريري: أفاد ثلثا الأطباء بأنهم يتلقون استفسارات منتظمة من المرضى حول تدخلات العمر الصحي. هذا التحول في توقعات المرضى يدفع المجال الطبي نحو نموذج استباقي وشخصي بدرجة أكبر للرعاية، يركز على الحفاظ على الوظائف والحيوية بدلاً من مجرد علاج الأمراض.

رابعاً، على مستوى البحث العلمي: تقود الأبحاث إلى ابتكارات واعدة مثل العلاجات المضادة للشيخوخة، وإعادة البرمجة الخلوية، والمؤشرات الحيوية للشيخوخة القائمة على الذكاء الاصطناعي، ما يفتح الباب أمام توظيف التكنولوجيا الحديثة في تحسين مسارات التجارب السريرية والتشخيص المبكر، وإعادة تصميم الأنظمة الصحية لتتحول من "رد الفعل" إلى "التنبؤ.

التقدم نحو شيخوخة أكثر صحة

تعكس بعض الجهود المؤسسية والحكومية التقدم المحرز في مجال إطالة العمر الصحي، إذ يمثل ظهور عيادات إطالة العمر خطوة مهمة نحو تحويل الابتكارات إلى رعاية صحية ملموسة، حيث أطلقت مايوكلينك في روتشستر أول عيادة عامة لإطالة العمر في الولايات المتحدة عام 2023. كما تمارس المؤسسات الأكاديمية دوراً حيوياً في ربط البحث بالتطبيقات العملية؛ فقد أطلق نظام الصحة الجامعي الوطني في سنغافورة بمستشفى ألكسندرا عيادة لإطالة العمر الصحي تجمع بين التقييمات الشخصية الشاملة وأحدث الأبحاث العلمية، وذلك في إطار مبادرة حكومية تهدف إلى تحويل الرعاية الصحية نحو الوقاية الاستباقية والرعاية المجتمعية لمن تجاوزوا سن الأربعين.

وقبل أكثر من عامين، أطلقت المملكة المتحدة "برنامج صحتنا المستقبلية" الذي يعتمد على بيانات التحليل الجيني ونمط الحياة لاكتشاف الأمراض في مراحل مبكرة، أما أستراليا فقد أعلنت عن تخصيص 545 مليون دولار لأبحاث الصحة الوقائية خلال العقد القادم.

وفي المملكة العربية السعودية، خصصت هيفولوشن 5.2 مليون دولار لإنشاء أول مجموعة من باحثي الشيخوخة، بالإضافة إلى برنامج بقيمة 5 ملايين دولار لتدريب ما بعد الدكتوراة في علوم الشيخوخة، كما تتعاون مع العديد من المؤسسات لبناء نظام بيئي للعمر الصحي، إذ تعمل مع جامعة الملك سعود على مشروع يركز على اكتشاف المؤشرات الحيوية.

وفي الوقت الذي تبلغ فيه الفجوة بين متوسط العمر المتوقع (74 عاماً) ومتوسط العمر الصحي (64 عاماً) في المملكة عشر سنوات، يركز برنامج التحول الصحي على الرعاية الوقائية والتحول الرقمي والابتكار الطبي، وقد ساهمت هيفولوشن بمعلومات حيوية تنبؤية في مجال إطالة العمر الصحي ضمن الاستراتيجية الوطنية للتكنولوجيا الحيوية.

الدعوة إلى العمل: من المعرفة إلى التطبيق

لم يعد الأمر يتعلق بالقصة المعتادة عن الشيخوخة أو ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، بل بشيء أكثر أهمية: تحول هيكلي في كيفية تنافس الدول في عالم يعيش فيه الناس حياة أطول، ولكن ليس بصحة أفضل.

ومن هنا يجب العمل على جميع المستويات:

  • يجب على صانعي السياسات إعادة توجيه النظم الصحية من نموذج تفاعلي يركز على علاج الأمراض إلى نموذج استباقي يركز على الوقاية وتمديد العمر الصحي. يتطلب ذلك إنشاء أطر تنظيمية تعترف بأن الشيخوخة عملية قابلة للعلاج، وليست مصيراً حتمياً.
  • ​يجب على قادة الرعاية الصحية تبني نماذج رعاية شخصية ووقائية، مثل برنامج  إم دي في آي بي للرعاية الوقائية الشخصية، الذي يظهر أن التركيز على الوقاية والعلاقة المعززة بين الطبيب والمريض يمكن أن يقلل من زيارات الطوارئ وتكاليف الرعاية الصحية بنسبة تصل إلى 40%.
  • ​يجب على السكان الاهتمام ببناء نمط حياة صحي ومستدام، إذ تمثل الجينات 20-30% فقط من عوامل طول العمر. وتكشف دراسات "المناطق الزرقاء" -أي حيث يعيش الناس حياة استثنائية الطول والصحة حول العالم- أن اعتماد نمط حياة يشمل نظاماً غذائياً نباتياً، ونشاطاً بدنياً طبيعياً منتظماً، وروابط اجتماعية قوية، وإحساساً بالهدف، يمكن أن يضيف 10-12 سنة من الحياة الصحية. على سبيل المثال، في مينيسوتا ارتفع متوسط العمر المتوقع بمقدار 2.9 سنة، وانخفضت تكاليف الرعاية الصحية بنسبة 40%.

وفي أوكيناوا باليابان، حيث يعيش الناس فترة أطول وبصحة أفضل، يجسد المفهوم المحلي "إيكيغاي" أو "سبب الوجود" كيف يضيف الإحساس بالهدف سنوات صحية إلى الحياة.

إذا كان القرن العشرين قد اتسم بالإنتاجية الصناعية والقرن الحادي والعشرين بالتحول الرقمي، فإن الميزة التنافسية القادمة ستكون القدرة على إطالة العمر الصحي. وفيما يلي الخطوات المستقبلية والمسارات المقترحة لتحقيق ذلك:

  • التوصل إلى إجماع عالمي حول "المؤشرات الحيوية المستحدثة" لدفع عجلة التقدم العلمي.
  • ضرورة تولي الحكومات زمام المبادرة ووضع سياسات اقتصادية شاملة تربط بين الصحة والنمو الاقتصادي.
  • ضمان التمثيل العادل للبيانات ووصول حلول العمر الصحي للجميع، وحتى في الدول النامية.
  • ضرورة تدريب الممارسين الصحيين وتوحيد البروتوكولات لضمان سلامة المداخلات الطبية ومصداقيتها.
  • التمسك بالمعلومات العلمية لمواجهة "الضجيج الإعلامي" والحفاظ على مصداقية المجال.

​ استثمار في المستقبل

إن الاستثمار في العمر الصحي ليس مجرد خيار أخلاقي، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية. ومع تضاعف السكان المسنين بحلول منتصف القرن، لا يمكن تحمل تكلفة تجاهل هذا التحدي. لكن التفاؤل مبرر: فالعلم يتقدم بسرعة، والاستثمارات تتزايد، والوعي العام يرتفع، والسياسات تتطور.

المحتوى محمي