"تبدأ معركة الخردل بعد ربع ساعة. هل اصطف الجميع من أجلها؟"
"نحن نلعب لعبة الاختيار العشوائي للطعام، لعبة الاختيار العشوائي للطعام! أجل، ثمة حلوى إكلير مسمومة هناك".
"حتى إن إدوينا لم تبك عندما أفلت التمساح ساقها".
كل ما سبق هو اقتباسات مباشرة من العالم العبثي اللاواعي لكاتب الأغاني الأميركي الراحل ديون ماكغريغور، الذي كان يتحدث بكثرة في أثناء النوم. كان ماكغريغور معروفاً بين محيطه الاجتماعي بخطاباته المطولة في أثناء النوم عن الطعام والشخصيات الغريبة والسيناريوهات الغريبة المتخيلة. كانت مونولوجاته الليلية مسموعة (ومزعجة) لزملائه في السكن وأصدقائه لدرجة أنهم سجلوها وحولوها إلى ألبوم أصدرته شركة ديكا ريكوردز للتسجيلات في البداية عام 1964. وبعد عقود من الزمن، عمد فريق من الباحثين في علم النفس إلى تحليل محتوى نوبات أحاديثه في أثناء النوم رسمياً.
ربما لن يحقق معظمنا صفقة تسجيلات للكلام خلال النوم، ولن يكون موضوع دراسة علمية لمونولوجات خيالية ليلية. لكن هذا لا يعني أننا ننام بصمت، فالكلام في أثناء النوم شائع إلى حد الدهشة.
تتفاوت التقديرات، لكن ما يصل إلى 65 في المائة من الأشخاص أفادوا بأنهم تحدثوا في أثناء النوم مرة واحدة على الأقل في حياتهم. ويقول عالم النفس والباحث في مجال النوم في جامعة سابيينزا في العاصمة الإيطالية روما، لويجي دي جينارو، لمجلة بوبيولار ساينس، إن ما بين 3% و30% من السكان أبلغوا عن أنهم يتحدثون في أثناء النوم بانتظام. ويشير إلى أن هذه العادة غالباً ما توثق لدى الأطفال (ربما بسبب شيوع مراقبة الوالدين)، ولكنها قد تستمر حتى مرحلة البلوغ. يقول دي جينارو إن التحدث في أثناء النوم هو "أحد أكثر سلوكيات النوم شيوعاً".
إذاً، لماذا لا يمكننا أن نصمت خلال نومنا، وما الذي تتوق أنفسنا بشدة إلى الإفصاح عنه؟
اقرأ أيضاً: لماذا تهتز أجسامنا قبل مرحلة النوم العميق؟
ماذا نقول عندما نغفو؟
يتراوح الكلام في أثناء النوم بين تمتمات غير مفهومة والثرثرة بصوت حاد. لكن الطريقة الوحيدة التي يكتشف بها الغالبية العظمى منا أننا نتحدث في أثناء نومنا هي أن يخبرنا شخص آخر بذلك. يقول دي جينارو: "إما أن الناس فاقدو الذاكرة تماماً وإما غير مدركين أنهم يتحدثون".
تعود البيانات التي لدينا كلها حول ما قيل إلى مصادر غير مباشرة، من التسجيلات أو دراسات النوم. وقد سعى عدد قليل من الجهود البحثية إلى فهرسة محتوى أحاديثنا في أثناء النوم. بعد التدقيق في تأملات ماكغريغور الليلية، وجد مؤلفو الدراسة أن مونولوجاته تتشابه في غرابتها مع الأحلام العادية المبلغ عنها ذاتياً. ثمة اختلاف قليل بينها في تكوين الشخصية والسمات العاطفية، لكن علماء النفس أرجعوا ذلك إلى الشخصية.
اقرأ أيضاً: كيف ينظف دماغك نفسه في أثناء النوم؟ ولماذا تعوق بعض أدوية النوم هذه العملية؟
في العينات الأكبر، يظهر المزيد من الاتجاهات. قادت مؤلفة كتاب "لجنة النوم" (The Committee Of Sleep) الصادر عام 2001 وعالمة النفس والباحثة في مجال الأحلام بجامعة هارفارد، ديدري باريت، البحث حول نوبات التحدث في أثناء النوم لدى ماكغريغور. وفي دراسة متابعة، أجرت تحليلاً لم ينشر بعد لأحاديث النوم لدى آلاف الأشخاص جرى تسجيلها في منازلهم باستخدام تطبيق. قارنت باريت التحدث خلال النوم بدراسات موجودة حول محتوى الأحلام المبلغ عنها ذاتياً وكلام اليقظة، ووجدت أنه كان مختلفاً إلى حد كبير من عدة جوانب.
فقد بدا أن التحدث خلال النوم يعبر عن المشاعر السلبية والغضب ويتضمن إشارات إلى وظائف الجسم والطعام والجنس أكثر من الأحلام أو كلام اليقظة، كما تقول باريت لبوبيولار ساينس.
كان الاختلاف الأبرز بين كلام اليقظة والتحدث خلال النوم هو كمية الألفاظ البذيئة. ففي بيانات عينة باريت، كان النائمون يتلفظون ألفاظاً بذيئة أكثر بنحو ستة أضعاف مما يتلفظون به عادة. وتقول: "يوحي بعض هذه الألفاظ حقاً كأن شخصاً ما يعاني نوبة شتم".
وقد تعززت هذه الملاحظات جزئياً بدراسة أجريت عام 2017 في مجلة النوم، ولاحظ الباحثون أن كلمة "لا" كانت الكلمة الأكثر شيوعاً وفهماً، وأن النفي بصفة عامة مثل أكثر من 21% من الجمل. كما شكلت كلمات الاستفهام وعباراته أكثر من ربع الكلام في أثناء النوم. وأخيراً، تشير الدراسة إلى أن نحو 10% من عبارات النوم احتوت على كلمات بذيئة، وأن نسبة كبيرة من الكلام خلال النوم تضمنت إهانة شخص ما أو شيء ما.
لكن هذا لا يعني أننا جميعاً نتوق سراً إلى الشتم مثل البحارة أو شتم الناس. تقول باريت إنه لا يوجد دليل على أن التحدث في أثناء النوم هو بطبيعته أصدق أو أكثر كشفاً مما نقوله عندما نكون مستيقظين. وتشير إلى أن الذين يتحدثون في أثناء النوم، في معظم الحالات، "غير مدركين للواقع تماماً". وغالباً ما تكون العبارات المفهومة التي يدلي بها المتحدثون في أثناء النوم بعيدة عن المنطق، فضلاً عن الاعترافات العاطفية العميقة.
لماذا نتحدث في أثناء النوم؟
أحياناً، يرتبط التحدث في أثناء النوم ارتباطاً واضحاً بمحتوى الأحلام التي يبلغ عنها الشخص نفسه. تقول باريت إنه عندما يستيقظ الشخص من حلم ما، قد يتمكن أحياناً من اقتباس ما كان يقوله بصوت عال حرفياً. ولكن ليست هذه هي الحال دائماً.
إذ يحدث الكلام في أثناء النوم في مراحله كلها، بما في ذلك مرحلة حركة العين السريعة، وهي المرحلة التي يحدث فيها معظم الأحلام. ومع ذلك، فإن معظم الكلام في أثناء النوم يحدث خلال مراحل النوم الثلاث التي لا تشمل حركة العين السريعة، كما توضح، وفقاً للكتاب المرجعي في هذا الموضوع "التحدث في أثناء النوم" (Sleep Talking) لعالم النفس آرثر أركين.
تقول عالمة الأعصاب في كلية الطب بجامعة هارفارد التي تدرس النوم والذاكرة، جينغ تشانغ، لمجلة بوبيولار ساينس، إن التعبيرات اللفظية في أثناء النوم في المراحل التي لا تشمل حركة العين السريعة تكون أقصر وأقل وضوحاً. وعلى النقيض من ذلك، من المعروف أن النائمين خلال مرحلة حركة العين السريعة يقولون عبارات أطول وأسهل في الفهم. حتى إن إحدى الدراسات التي أجريت في عام 2021 أفادت بأن بعض الأشخاص قادرون على الرد بصورة متسقة على الأسئلة المنطوقة وإجراء محادثات عندما يكونون في خضم نوم حركة العين السريعة. وقد لاحظت باريت في تحليل البيانات الذي لم تنشره حالات نادرة لأزواج يتبادلون الأحاديث في أثناء النوم.
اقرأ أيضاً: لماذا يحتاج بعض الأشخاص إلى قدر أقل من النوم؟
لا يفهم العلماء بالضبط ما الذي يحدث داخل أدمغة المتحدثين في أثناء النوم. ولكن ثمة أدلة. فقد عمل دي جينارو وزملاؤه في ورقة بحثية لعام 2022 على قياس الاختلافات في نشاط الدماغ بين الأشخاص الذين يتحدثون في أثناء النوم والأشخاص الذين يصدرون أصواتاً غير لفظية في أثناء النوم كالضحك أو البكاء أو الأنين. ولاحظ دي جينارو وزملاؤه وجود نمط مميز في منطقة دماغية مرتبطة بالكلام في أثناء اليقظة والوظائف الحركية في أثناء نوبات الكلام خلال النوم. وعلى وجه التحديد، تتعطل أنواع الموجات الدماغية المنتظمة المرتبطة بالنوم العميق في أثناء نوبات الكلام، وهو ما يظهر شبهاً كبيراً بما يحدث في الدماغ المستيقظ. تشير هذه النتيجة إلى وجود صلة بين الكلام في أثناء اليقظة والكلام في أثناء النوم.
وعلى نطاق أوسع، يميل الناس إلى الثرثرة أكثر خلال فترات الانتقال من النوم إلى اليقظة، عندما يكون الدماغ في حالة تغير، على حد قول تشانغ. وتوضح أنه من المحتمل أن تبقى أجزاء من الدماغ نشطة نسبياً، بينما تنام أجزاء أخرى. ولأن التحدث في أثناء النوم يكون أكثر تواتراً عند حدود مراحل النوم، فإن الأشخاص الذين يعانون اضطراب النوم هم أكثر عرضة للثرثرة. وتضيف تشانغ أن الثرثرة في أثناء النوم تكون أكثر شيوعاً خلال فترات التوتر أو الحرمان من النوم أو بعد تناول الكحول.
تقول باريت: "أعتقد أنه خلل"، مجرد خطأ طفيف في الانتقال من مرحلة إلى أخرى من مراحل النوم. ويرتبط التحدث في أثناء النوم أيضاً بأنواع أخرى من "الباراسومنيا" (الخطل النومي) مثل المشي في أثناء النوم وهلع النوم. إذا كنت منخرطاً في أي من هذه السلوكيات، فمن المرجح أن تعاني سلوكيات أخرى. قد تؤدي جيناتنا أيضاً دوراً في احتمالية إصابتنا بالتحدث خلال النوم أو المشي خلال النوم أو الإصابة بأعراض باراسومنيا أخرى.
لكن هذا لا يعني أنها اضطرابات مقلقة. وباستثناء الحالات القصوى جداً (كإيقاظ شريكك أو زملائك في الغرفة أو جيرانك أو إيقاظ نفسك بصورة روتينية)، فإن التحدث خلال النوم ليس أمراً يدعو إلى القلق عموماً. فبالنسبة إلى معظم الناس، يعتبر التحدث في أثناء النوم من حين لآخر جزءاً طبيعياً من الراحة الليلية. ومع ذلك، إذا كنت في مستوى ماكغريغور، فقد يستحق الأمر زيارة مختبر النوم. أما بالنسبة له، فقد وجد أنه في وقت لاحق من حياته، كان يهدأ، وذلك عندما كان أكثر استقراراً ويحصل على قسط أفضل من الراحة.