تخيل أنك تشاهد فيلم رعب أو تشعر بالخوف بسبب موعد مقبل عند طبيب الأسنان. يتسارع قلبك وتلاحظ أن كلبك يستشعر خوفك. هل أنت تتوهم، أم إن الكلاب قادرة حقاً على الشعور بخوف البشر؟
تبين الأدلة العلمية أن حدسك مصيب؛ إذ إن الكلاب قادرة حقاً على استشعار مشاعر البشر، ومنها الخوف، باستخدام حاسة الشم الاستثنائية لديها.
جمع الباحثون في جامعة نيبلس فيديريكو الثاني عينات العرق من المتطوعين مباشرة بعد أن شاهد هؤلاء ثلاثة أنواع من مقاطع الفيديو، المقاطع التي تثير الخوف والمقاطع التي تثير السعادة وتلك المحايدة، ثم جعلوا مجموعة من الكلاب المنزلية تشم هذه العينات. مقارنة بالكلاب التي تعرضت للروائح المرتبطة بالسعادة أو المحايدة، أظهرت الكلاب التي تعرضت للروائح المرتبطة بالخوف المزيد من علامات التوتر، وكان معدل ضربات القلب لديها أعلى وتقربت أكثر من أصحابها للحصول على الأمان، كما أنها أبدت درجات أقل من الود تجاه الغرباء.
في دراسة لاحقة أجراها باحثون في جامعة الطب البيطري في فيينا، أظهرت الكلاب التي تعرضت للروائح المرتبطة بالخوف علامات على التردد أو الانزعاج؛ إذ إنها أمضت وقتاً أطول بالقرب من المسؤول عن التجربة وخفضت ذيولها أكثر واستغرقت وقتاً أطول للاقتراب من الأجسام الجديدة المعروضة عليها.
اقرأ أيضاً: لماذا لا تدرك الكلاب عادة ما يشير إليه أصحابها؟
رائحة الخوف
ينشأ شعور الخوف في الدماغ، ولكنه يترك آثاراً كيميائية في مناطق أخرى من الجسم. عندما تستشعر اللوزة الدماغية تهديداً ما، فهي ترسل إشارة إلى جزء آخر من الدماغ اسمه "الوطاء"، يحفز بدوره الغدد الكظرية على إفراز هرموني التوتر، الأدرينالين والكورتيزول. وفقاً للطبيبة البيطرية الحاصلة على درجة الدكتوراة من جامعة بريستول، زوي بار-كورتيس، هذه التغيرات في جسم الإنسان تغير تركيب مزيج المواد الكيميائية في النفس والعرق، والكلاب قادرة على تحسس هذه التغيرات.
تحتوي أنوف الكلاب على نحو 220 مليوناً من مستقبلات الروائح، بينما تحتوي أنوف البشر على 5 ملايين من هذه المستقبلات فقط. تمتلك الكلاب أيضاً عضواً خاصاً لا يمتلكه البشر يحمل اسم "العضو الميكعي الأنفي (عضو جاكبسون)"، وهو يتحسس الفيرومونات (إشارات كيميائية تساعد أفراد النوع نفسه على التواصل).
تقول بار-كورتيس: "على سبيل المثال، الكلاب التي يدربها خبراء مؤسسة ميديكال ديتكشن دوغز الخيرية في المملكة المتحدة على تحسس الروائح قادرة على تنبيه المصابين بمرض أديسون عندما تنخفض مستويات الكورتيزول لديهم بنسبة كبيرة".
شاركت بار-كورتيس في قيادة بحث مع الدكتور نيكولا روني والأستاذ في كلية بريستول للطب البيطري، مايك مندل، واكتشفت أن الكلاب تستجيب للروائح المرتبطة بالتوتر بطريقة مختلفة عن استجابتها للروائح المرتبطة بالاسترخاء حتى لو لم تكن تعرف الأشخاص الذين قدموا العينات. أخذ الباحثون عينات الروائح من الأشخاص بعد قياس مستويات الكورتيزول ومعدل ضربات القلب وتقلب معدل ضربات القلب لديهم، وكذلك مستويات القلق المبلغ عنها ذاتياً. بعد ذلك، اختار الباحثون عينات الروائح من المشاركين الذين تمتعوا باستجابة الكورتيزول الأشد وعرضوها على كلاب غير مدربة. في النهاية، كانت الكلاب التي تعرضت لرائحة شخص متوتر أكثر حذراً من الكلاب التي تعرضت لرائحة شخص في حالة الاسترخاء.
وفقاً لكورتيس، يشير ذلك إلى أن الكلاب قد تكون قادرة على تحسس الاختلافات في مستويات الكورتيزول أو التغيرات الكيميائية الأخرى المرتبطة بالتوتر والخوف من خلال الرائحة، حتى دون تدريب.
اقرأ أيضاً: لماذا تهز الكلاب أجسامها عند البلل؟ وكيف سيساعد ذلك على تطوير علاجات للبشر؟
تفسير تطوري
هل تستفيد الكلاب من أنها تستشعر عواطف البشر لهذه الدرجة؟
منحت بار-كورتيس وزملاؤها في تجربتهم وعاء فارغاً لكل كلب في البداية، ثم عرض الباحثون الكلاب لرائحة شخص متوتر أو مسترخ قبل منحها وعاء جديداً. تأخرت الكلاب التي تعرضت لرائحة شخص متوتر في الاقتراب من الوعاء الجديد، ما يشير إلى أنها لم تتأمل كثيراً في وجود مكافأة من الطعام فيه. لم يظهر هذا التأثير عندما تعرضت الكلاب لرائحة شخص مسترخ. تقول بار-كورتيس: "تشير هذه النتائج إلى أن الرائحة المرتبطة بالتوتر ربما خفضت استعداد الكلاب للمخاطرة في موقف بدت فيه النتيجة الإيجابية غير مرجحة. ربما اكتسبت الكلاب هذا السلوك لأنه يجنبها خيبة الأمل ويوفر الطاقة".
من المرجح أن هذه الاستجابات لها منشأ تطوري عميق. تقول بار-كورتيس: "بما أن الكلاب هي من أقرب رفاق الإنسان، فهي تطورت تطوراً مشتركاً معه على مدى آلاف السنين. يعتقد العلماء أن تحسس الاستجابة للتوتر أو الخوف لدى الآخرين ضمن مجموعة اجتماعية، وهو سلوك يحمل اسم 'العدوى العاطفية'، مفيد، خاصة إذا كانت الاستجابة تشير إلى تهديد محتمل في الوسط المحيط".
اقرأ أيضاً: هل ترى الكلاب أحلاماً في أثناء نومها مثل البشر؟ وما الفائدة العلمية من معرفة ذلك؟
الخلاصة
على الرغم من أن الذهاب إلى طبيب الأسنان مختلف جداً عن مواجهة المفترسات الشرسة، فإنه يثير استجابة الخوف الراسخة منذ قديم الأزل نفسها. تستطيع الكلاب تحسس هذه المشاعر من خلال حاسة الشم؛ فأنوفها الحساسة لا تستشعر العالم حولها فقط، بل تستشعرنا نحن أيضاً.