كان عام 2025 حافلاً بالإنجازات في مجال العلوم الحيوية، شملت إعادة برمجة الشيفرة الوراثية وطباعة أعضاء بشرية، وحلول بيئية وغذائية. لم تقتصر هذه الإنجازات على التقدم في فهم بعض الأمراض، بل ساهمت في تطوير حلول عملية لتحديات صحية معقدة، وأعادت تعريف طرق تعاملنا مع الجسم البشري والبيئة الحيوية. إليك أهمها.
اكتشاف خلايا الأمعاء الرئيسية المسؤولة عن منع الحساسية لبعض أنواع الأغذية
يواجه الجهاز المناعي في الأمعاء صعوبة كبيرة في التمييز بين مسببات الأمراض الضارة والطعام والبكتيريا النافعة، إذ بينما تمر بعض أنواع الأغذية عبر الأمعاء بدون أية إشكالات، يسبب البعض الآخر استجابة تحسسية خطيرة، مثل الفول السوداني أو البيض.
تمكن باحثون من الإجابة عن هذا السؤال في دراسة نشرتها مجلة ساينس في 28 يناير/كانون الثاني 2025، حيث حددوا نوعين من الخلايا المناعية (cDC1 وRorγt+) التي تتفاعل مع الخلايا التائية، فتحفزها على إنتاج خلايا (pTregs) التي تمنع ردود الفعل المناعية الزائدة تجاه الطعام، أي أنها تعزز "التسامح المناعي" مع الطعام.
استخدم الفريق تقنية تعرف باسم (LIPSTIC) لتتبع هذه التفاعلات، ووجدوا أن بعض الطفيليات مثل دودة "سترونغيلويدس فنزويلا" يمكن أن تعطل هذه العملية عبر مواد التهابية مثل IL-6 وIL-12.
يعد هذا الاكتشاف حاسماً للمستقبل، إذ يمهد لتطوير علاجات تستهدف هذه الخلايا لمنع الحساسية الغذائية وأمراض الأمعاء من خلال تعديل الاستجابات المناعية المعطلة.
اقرأ أيضاً: هل يحدد موقع اللقاح سرعة اكتساب المناعة؟ دراسة تكشف ذكاء الجهاز المناعي
نجاح أول لقاح روسي ضد السرطان
يواجه مرضى السرطان تحدياً كبيراً بسبب الآثار الجانبية للعلاجات التقليدية (الكيميائي أو الإشعاعي)، لأنها تستهدف الخلايا السليمة والخبيثة، بما في ذلك الغثيان والإرهاق وتساقط شعر الجسم بالكامل وضعف المناعة والعديد من المخاطر طويلة المدى.
للتغلب على هذه الآثار الجانبية، طور باحثون روسيون في المركز الوطني للأبحاث الطبية والأشعة بالتعاون مع معهد إنغلهاردت لعلم الأحياء الجزيئي لقاح "إنترومكس"، باستخدام تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) المحمولة عبر 4 فيروسات غير ضارة، تدخل تعليمات جينية مخصصة بالذكاء الاصطناعي لتدريب الجهاز المناعي على التعرف إلى بروتينات الورم الفريدة وتدمير الخلايا السرطانية فقط.
في 3 سبتمبر 2025، أعلنت السلطات الصحية الروسية عن نجاح لقاح "إنترومكس" بنسبة 100% في التجارب الأولية. شملت التجربة 48 متطوعاً مصاباً من مرضى سرطان القولون والمستقيم، حقنوا باللقاح جميعهم، وكان شفاؤهم بنسبة 100%، ودون أية آثار جانبية. يجري في الوقت الحالي تطوير نسخ لأورام خبيثة مميتة أخرى، مثل الورم الأرومي الدبقي (سرطان دماغي قاتل) وأنواع معينة من الورم الميلانيني، بما في ذلك الأورام الجلدية والعينية.
إقرأ أيضاً: تجارب سريرية أولية تكشف نجاح لقاح روسي ضد السرطان
تطوير علاج لمرضى متلازمة داون باستخدام تقنية كريسبر
يواجه المصابون بمتلازمة داون تحدياً وراثياً ناتجاً عن وجود نسخة إضافية من الكروموسوم رقم 21، ما يؤدي إلى اضطرابات في النمو الجسدي والذهني؛ تشمل تشوهات قلبية ونقص السمع وصعوبات في النطق والتعلم. ورغم التقدم في الرعاية والدعم السلوكي، ظل التدخل الجيني المباشر مستبعداً بسبب تعقيد المادة الوراثية البشرية.
غير أن باحثين من جامعة ميه اليابانية تمكنوا من تحقيق اختراق علمي استثنائي، بعدما طوروا طريقة لتحرير الجينات قادرة على إزالة الكروموسوم الزائد المسبب لمتلازمة داون. وأظهرت نتائج الدراسة المنشورة في مجلة مداولات الأكاديمية الوطنية للعلوم نكسوس (PNAS Nexus)، في فبراير/شباط 2025، أن استخدام تقنية كريسبر/كاس 9 (CRISPR/Cas9)، الذي يعتمد على قص المقاطع الوراثية بدقة متناهية، يمكنه استهداف الكروموسوم الإضافي وإزالته من خلايا المرضى المصابين بالتثلث الصبغي 21 فقط، عبر ما يعرف بـ "التحرير النوعي للأليلات".
وخلال التجارب المخبرية، على خلايا جلد مأخوذة من أشخاص مصابين بمتلازمة داون، لاحظ الباحثون أنه بعد إزالة الكروموسوم الزائد، عادت الأنماط الجينية داخل الخلايا إلى نشاطها الطبيعي، حيث ازدادت فعالية الجينات المسؤولة عن نمو الجهاز العصبي، وتباطأت الجينات المرتبطة بعمليات الأيض. كما أظهرت الخلايا المعدلة تحسناً في سرعة النمو وانقساماً خلوياً أقصر مقارنة بالعينات غير المعدلة.
ومع ذلك، يشير العلماء إلى أن هذه التكنولوجيا لا تزال في مراحلها الأولى، إذ قد تؤثر أيضاً في الخلايا السليمة، ما يستدعي تحسين دقتها قبل الانتقال إلى التطبيقات السريرية. ويعمل الفريق حالياً على تطوير أدوات تضمن أن يقتصر التحرير الجيني على الخلايا الحاوية للتثلث الصبغي فقط، في خطوة قد تمهد مستقبلاً لعلاج جيني غير مسبوق لهذه الحالة الوراثية المعقدة.
اقرأ أيضاً: العلماء يكتشفون نظاماً جديداً لتعديل الجينات ينافس تقنية كريسبر
زراعة أول قصبة هوائية مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في العالم
نجح فريق بحثي كوري جنوبي من مستشفى سانت ماري في سيول وشركة تي آند آي بايو فاب (T&R Biofab) في زراعة قصبة هوائية مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لامرأة فقدت جزءاً منها نتيجة جراحة سابقة لعلاج سرطان الغدة الدرقية.
استخدمت في تصنيع القصبة الهوائية أحبار حيوية تحتوي على خلايا غضروفية ومخاطية، دمجت مع هيكل بوليمري قابل للتحلل (PCL) يوفر الصلابة المطلوبة ويسمح بنمو الأنسجة الجديدة. وبعد ستة أشهر من الزراعة، أظهرت الفحوص تشكل أوعية دموية سليمة حول الجزء المزروع، ما يشير إلى نجاح الاندماج الحيوي للنسيج دون الحاجة إلى أدوية مثبطة للمناعة، لكون العضو مصنوعاً من خلايا المريضة نفسها.
يرى الباحثون أن هذه التقنية قد تستخدم مستقبلاً في تطوير أعضاء مطبوعة أخرى مثل الرئتين والكليتين والقلب، ضمن التوجه المتزايد لاستخدام الطباعة الحيوية في الطب التجديدي والعلاجات الشخصية.
اقرأ أيضاً: مبايض صناعية بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد تساعد الفئران العقيمة على الإنجاب
جسم مضاد واسع التأثير يفتح باب العلاج النهائي لفيروس الإيدز
كشفت دراسة من جامعة كولونيا الألمانية، عن اكتشاف جسم مضاد واسع التأثير يسمى (04_A06) أظهر قدرة عالية على تحييد معظم سلالات فيروس نقص المناعة البشرية، ومنع العدوى بشكل كامل في التجارب الحيوانية.
حلل الفريق استجابات من يعرفون بـ "محايدي الإيدز الفائقين"، وهم فئة نادرة من المصابين الذين ينتجون أجساماً مضادة فعالة ضد طيف واسع من سلالات الفيروس. من خلال دراسة أكثر من 5000 خلية بائية تعود إلى 2300 مصاب، نجح الباحثون في إنتاج واختبار أكثر من 800 جسم مضاد بحثاً عن نسخة طبيعية قادرة على مقاومة التحورات الفيروسية.
أظهر الجسم المضاد (04_A06) كفاءة استثنائية، إذ حيد 98.5% من سلالات الفيروس (332 نوعاً)، بتركيز منخفض جداً بلغ 0.059 ميكروغرام/مليلتر. كما حافظ على فعاليته في فئران مصابة بالإيدز البشري طوال 12 أسبوعاً دون انتكاس. وبينت النماذج الحاسوبية أنه قادر على منع العدوى بنسبة تفوق 93% حتى في وجود طفرات مقاومة.
يتميز هذا الجسم المضاد بسلسلة أحماض أمينية طويلة غير معتادة، تمكنه من الوصول إلى مناطق يصعب استهدافها في الفيروس، ما يجعله مرشحاً قوياً لتطوير علاج وقائي أو لقاح مستقبلي ضد الفيروس، بانتظار تأكيد النتائج في الدراسات السريرية على البشر.
اقرأ أيضاً: اكتشاف علمي: جسم مضاد واسع التأثير يفتح باب العلاج النهائي لفيروس الإيدز
علاج داء السكري من النوع الأول
أظهرت دراسة أجرتها كلية الطب بجامعة ستانفورد أن إعادة ضبط الجهاز المناعي، عبر زراعة مزيج من الخلايا الجذعية الدموية وخلايا جزر لانغرهانس البنكرياسية من متبرع غير متوافق مناعياً، قد شفى الفئران من داء السكري المناعي الذاتي، أو ما يُعرف بالسكري من النمط الأول، وذلك دون مهاجمة الجهاز المناعي للخلايا المزروعة، وقد توقف تدمير خلايا جزر لانغرهانس بواسطة الجهاز المناعي الأصلي للمُتلقي، ولم تعد الفئران المريضة بحاجة إلى استخدام الأدوية المُثبطة للمناعة أو الإنسولين طوال فترة التجربة التي استمرت ستة أشهر. قد يكون هذا النهج مفيداً في حالات أمراض المناعة الذاتية الأخرى، وكذلك في عمليات زراعة الأعضاء.
اقرأ أيضاً: دراسة حديثة: المواد المضافة إلى الأغذية قد تفاقم خطر الإصابة بداء السكري
علاج جيني مخصص لطفل مصاب بطفرة نادرة
منذ بدء تطوير أدوات تحرير الجينوم، تأمّل العلماء علاج الأطفال الذين يولدون باضطرابات وراثية نادرة بسرعة ونجاح من خلال علاج مخصص لكل حالة، وقد تم الأمر خلال هذا العام، وعالج العلماء طفلاً اسمه "كي جيه مولدون" الذي وُلد مصاباً بطفرة وراثية نادرة، سببت له نقصاً حاداً في إنزيم "كاربامويل فوسفات سينثيتاز 1" الضروري لاستقلاب البروتينات، وأدى ذلك إلى تعرضه لخطر الإصابة بتلف دماغي.
لعلاجه، ابتكر فريق طبي من مستشفى الأطفال في فيلادلفيا وكلية الطب بجامعة بنسلفانيا علاجاً باستخدام تقنية تعديل القواعد الجينية. تم تطوير العلاج خلال 7 أشهر، وتلقى الطفل جزيئات تعديل الجينات خلال 3 عمليات حقن. وصلت الجزيئات إلى الكبد وتم تعديل الطفرة بنجاح، وينمو الطفل الآن على نحو طبيعي.
علاجات غير هرمونية لأعراض سن اليأس
وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على علاج غير هرموني للتعرق الليلي والهبات الساخنة المتوسطة إلى الشديدة المصاحبة لانقطاع الطمث لدى السيدات، يسمى الدواء "إلينزانيتانت"، وهو بشكل حبوب يومية، تستهدف السبب الجذري لهذه الأعراض، وهي الخلايا العصبية المنظمة للحرارة في الدماغ مباشرة، وهي آلية عمل تختلف عن العلاجات الهرمونية التقليدية، ما يوفر بديلاً آمناً للنساء اللواتي لا يستطعن تناول العلاج الهرموني. يتميّز العلاج يالفعالية السريعة وفوائده العديدة وقلة آثاره الجانبية، وانعدام آثاره الضارة الخطيرة التي تُلاحظ مع العلاجات الأخرى، دون التأثير على الوزن أو الوظيفة الجنسية.
اقرأ أيضاً: هل يزداد احتمال إصابة النساء بداء ألزهايمر بعد سن اليأس؟
زرع الأعضاء من الحيوان إلى الإنسان
يُعاني العالم من نقص حاد في المتبرعين بالأعضاء البشرية، وزيادة حادة في الحاجة إلى المتبرعين، لذلك ظهر توجه نحو زرع الأعضاء المأخوذة من الخنازير، التي تتشابه في عمليات الأيض وجهاز المناعة وأحجام الأعضاء مع البشر، ما يتيح للمرضى فرصة العلاج من أمراض تهدد الحياة. في هذا السياق، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على تجارب زراعة كلى الخنازير، وقد جرت رابع عملية زرع كلية خنزير معدلة جينياً في الولايات المتحدة. يرفض جسم الإنسان أعضاء الخنازير المزروعة، لأن الجهاز المناعي يهاجمها ويتسبب في موت العضو. لهذا السبب يُجري العلماء تعديلات جينية على الأعضاء قبل زراعتها، ويتناول متلقو الأعضاء أدوية مثبطة للمناعة. جرت عمليات زرع أخرى في الصين لجزء من كبد خنزير. تفتح هذه التجارب أفاقاً جديدة في مجال زرع الأعضاء.
اقرأ أيضاً: كيف يعمل نظام زرع الأعضاء في ظل قواعد قوائم الانتظار المعقدة؟
تقنية جديدة لإطالة مدة صلاحية المنتجات الزراعية
تواجه الزراعة حول العالم مشكلة فقدان أكثر من 30% من الغذاء بعد الحصاد بسبب نقص وسائل التبريد أو ضعف سلاسل الإمداد، ما يؤدي إلى خسائر غذائية كافية لإطعام أكثر من مليار شخص. لكن علماء معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وتحالف (SMART) السنغافوري-الأميركي، تمكنوا من تطوير طريقة جديدة لإطالة عمر الخضروات بعد الحصاد باستخدام إبر دقيقة قابلة للتحلل مصنوعة من الحرير، تحقن بها كميات محددة من الميلاتونين داخل أنسجة النبات.
في التجارب على نبات الباك تشوي "نبات ورقي"، استخدم الفريق رقعاً صغيرة تحتوي على الإبر الميكروسكوبية لحقن الميلاتونين في قاعدة النبات. أظهرت نتائج البحث المنشور في مكتبات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مايو/أيار 2025، أن التقنية ساعدت على إطالة فترة الصلاحية 4 أيام إضافية في درجة الحرارة العادية، و10 أيام تحت التبريد، مقارنة بالنباتات غير المعالجة. كما حفز الميلاتونين استجابات تقلل الإجهاد وتبطئ الشيخوخة الخلوية، ما ساعد النبات على الاحتفاظ بلونه الأخضر ومحتواه من الكلوروفيل.
بلاستيك صديق للبيئة مصنوع من نفايات الخشب
طور باحثون من جامعة تسمانيا نوعاً جديداً من اللدائن القابلة للتحلل باستخدام مخلفات الخشب بديلاً عن البلاستيك المشتق من الوقود الأحفوري، الذي يشكل نحو 90% من المواد البلاستيكية التجارية حول العالم.
تعتمد التقنية على تحويل بقايا صناعة الأخشاب إلى مادة بلاستيكية شفافة ومقاومة للماء والمذيبات، وقابلة للتحلل في الظروف القلوية. وتمتاز هذه المواد بخفة الوزن وقابليتها للتطبيق في الطباعة ثلاثية الأبعاد وطلاءات الأسطح وأنظمة توصيل الأدوية، مع إمكانات إنتاج واسعة النطاق.
اقرأ أيضاً: التعرض اليومي للجسيمات البلاستيكية الدقيقة يسبب تصلب الشرايين
تسعى الجامعة إلى شراكات صناعية لتطوير هذه التقنية وتسويقها، في إطار الجهود الهادفة إلى تقليل التلوث البلاستيكي وتعزيز استخدام الموارد المتجددة.