لماذا تبقى بعض الذكريات عالقة في أذهاننا بينما تتلاشى أخرى؟

3 دقيقة
لماذا تبقى بعض الذكريات عالقة في أذهاننا بينما تتلاشى أخرى؟
إن فهم كيفية تخزين (وعدم تخزين) الدماغ للذكريات قد يسهم في تطوير علاجات أفضل لاضطرابات الذاكرة. مصدر الصورة: يوجين ميمرين عبر غيتي إميدجيز.

الذكريات ليست كلها سواء؛ فبعضها يبقى حياً في أذهاننا بتفاصيل دقيقة، بينما يتلاشى بعضها الآخر سريعاً. يكشف العلم أن العاطفة والمفاجأة والمكافآت هي عوامل أساسية في تحديد أي الذكريات تستمر وأيها تختفي:

  • الأحداث المهمة أو العاطفية تعزز حتى الذكريات العادية المرتبطة بها.
  • الدم…

عد بذاكرتك إلى بعض ذكرياتك المهمة، كلقاء شريك حياتك، أو الحصول على وظيفة أحلامك، أو تلقي خبر وفاة أحد أحبائك. من السهل جداً استرجاع بعض هذه الذكريات، مع تفاصيل نابضة بالحياة وكأنها حدثت للتو. بينما قد تبدو ذكريات أخرى غامضة ومبهمة، حتى إن بعضها قد يختفي تماماً من ذاكرتنا. فما سبب هذا الاختلاف بين الذكريات، سواء كانت سارة أم مؤلمة؟

 ارتباط الذكريات بالأحداث

تشير دراسة نشرت مؤخراً في إحدى المجلات العلمية إلى أن الذكريات العادية تصبح أكثر ثباتاً في الذاكرة إذا كانت مرتبطة بحدث مهم. وتتضمن هذه الأحداث المفاجآت أو المكافآت أو أحداثاً ذات وقع عاطفي قوي. على سبيل المثال، إذا فزت باليانصيب، فمن المرجح أن تتذكر ما كنت تفعله قبل معرفتك بالخبر مباشرة، حتى لو كان أمراً بسيطاً. أو قد تتذكر ما كنت ترتديه أو تأكله على الغداء عندما تلقيت نبأ سيئاً.

 يمكن لفهم آليات الدماغ الكامنة وراء ذلك أن يؤدي إلى علاجات أفضل لمن يعانون مشاكل في الذاكرة، أو حتى يمكن استخدامها لمساعدة الطلاب على الاحتفاظ بالمفاهيم الأصعب.

يقول المؤلف المشارك في إعداد الدراسة وأستاذ علم النفس في جامعة بوسطن، الدكتور روبرت راينهارت، في بيان صحفي: "الذاكرة ليست مجرد جهاز خامل لتسجيل المعلومات: فأدمغتنا هي التي تقرر ما هو مهم، ويمكن للأحداث المؤثرة عاطفياً أن تؤدي دوراً مهماً في ترسيخ الذكريات الهشة. إن تطوير استراتيجيات لتقوية الذكريات المفيدة، أو إضعاف الذكريات الضارة، هو هدف مهم في مجال علوم الأعصاب المعرفية. وتشير دراستنا إلى إمكانية الاستفادة من التأثير العاطفي لتحقيق هذه الأهداف بطرق تتمتع بدقة متناهية".

اقرأ أيضاً: 5 مكملات غذائية مدعومة علمياً لتحسين التركيز والذاكرة

الدماغ الانتقائي

في الدراسة الجديدة، استخدم الفريق مثالاً لشخص يتنزه في متنزه يلوستون الوطني ويرى قطيعاً من حيوانات البيسون يتجول أمامه. وقد وجدوا أن "الانبهار" الناجم عن تلك اللحظة لا يرسخ تلك التجربة المميزة في ذاكرة الشخص فحسب، بل يشتمل الأمر على الأحداث الصغيرة التي تسبقها وتليها أيضاً. أشياء مثل وجود صخرة كانت على الطريق أو حيوان صغير بين الأعشاب.

 قال رينهارت: "السؤال هو: ما هي الآليات التي تكمن وراء ذلك؟ هذا ما حاولنا الكشف عنه، أي الطريقة التي يتبعها الدماغ في تعزيز الذكريات الهشة بأسلوب انتقائي".

يعمد الدماغ إلى تخزين أنواع مختلفة من الذكريات في مناطق مترابطة. تشمل الذكريات الصريحة الأحداث التي وقعت ومررت بها والحقائق والمعلومات العامة. ويعمل كل من الحصين والقشرة المخية واللوزة الدماغية على تخزين هذه الذكريات العرضية. أما الذكريات الضمنية (مثل وظائفنا الحركية) فيخزنها الدماغ في العقد القاعدية والمخيخ. وتعد المنطقة الحزامية في قشرة الفص الجبهي هي المسؤولة بصورة رئيسية عن تخزين الذاكرة العاملة القصيرة المدى.

 وتحظى اللحظات المهمة والمميزة في حياتنا بمكانة خاصة في أنحاء نظام تخزين الذاكرة في الدماغ كلها. ومع ذلك، يختلف العلماء حول مفاهيم تسمى تعزيز الذاكرة الرجعية وتعزيز الذاكرة الاستباقية. ويتناول هذا المفهوم كيفية ترتيب الأولوية للذكريات مباشرة بعد وقوع حدث مهم أو بارز. وقد اختلف الباحثون في الدراسات السابقة حول إذا ما كانت الذكريات الأضعف تصبح أكثر استقراراً، أو يسهل استرجاعها من خلال ارتباطها بذكريات أقوى أم لا.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تكون الرياضة سر الحفاظ على الذكاء والذاكرة في الشيخوخة؟

اختبار سريع للقدرة على التذكر

لإثبات حدوث تحسن فعلي في وظائف الذاكرة ضمن الدماغ، شملت هذه الدراسة ما يقرب من 650 مشاركاً، و10 دراسات منفصلة، واستخدمت الذكاء الاصطناعي لتحليل مجموعة بيانات أوسع. وفقاً لراينهارت، فإن أحد الاختلافات الرئيسية مع الدراسات السابقة هو أن هذه الدراسة اكتشفت أن الدماغ يستخدم مقياساً متدرجاً لتحديد الذكريات التي يجب الحفاظ عليها.

 تضمن العديد من التجارب عرض عشرات الصور على المشاركين التي ارتبطت بمستويات مختلفة من المكافآت، ثم إجراء اختبار سريع للذاكرة في اليوم التالي. وتبين أن قوة استرجاع المعلومات المتعلقة بالأحداث التي تلت ذلك الحدث (أو الذاكرة الاستباقية) تعتمد على التأثير العاطفي للحدث الرئيسي نفسه. فكلما كان الحدث الرئيسي أهم، زادت احتمالية تذكر كل ما حدث بعده.

 لم ينطبق هذا النوع من التخزين عند محاولة استرجاع الذكريات المتعلقة بالأحداث التي سبقت الحدث الرئيسي أو الذكريات التي حدثت لاحقاً. كان من المرجح لهذه الذكريات أن تكون أكثر ترسخاً إذا كانت تشترك في بعض أوجه تشابه (إشارة بصرية معينة، مثل وجود لون متطابق) تربطها بالحدث المحوري.

 يقول راينهارت إن هذا البحث يعد أول دليل علمي على صحة "مبدأ تحديد الأولويات المتدرج" لدى البشر، "وهو مبدأ جديد يفسر كيفية دمج الدماغ للتجارب اليومية عند تخزينها".

وأضاف المؤلف المشارك في الدراسة وطالب الدكتوراة تشينيانغ (ليو) لين: "للمرة الأولى، نقدم دليلاً قاطعاً على أن الدماغ يحافظ على الذكريات الضعيفة بطريقة متدرجة، استناداً إلى مدى تشابهها مع الأحداث ذات الطابع العاطفي".

كما وجد الفريق البحثي أيضاً أنه عندما تحمل الذكريات الثانوية دلالة عاطفية بحد ذاتها، فإن تأثير تعزيز الذاكرة يتضاءل. ويعتقد الفريق أن الدماغ يولي أهمية أكبر للحظات الهشة التي قد تتلاشى لولا ذلك.

اقرأ أيضاً: مسح “الذكريات السيئة” من الدماغ قد يصبح حقيقة

إنقاذ الذاكرة والمزيد من الذكريات

 في حين أن هذه الدراسة الأخيرة ركزت على الكشف عن الآليات الأساسية التي توجه كيفية ترميز الذكريات، فإن هذا البحث قد يمهد الطريق لإجراء دراسات وتدخلات سريرية أخرى ذات تطبيقات عملية في المستقبل.

 يقول راينهارت: "لهذا الاكتشاف آثار واسعة النطاق على الصعيدين النظري والعملي. ففي مجال التعليم، يمكن أن يؤدي إقران المواد الجذابة عاطفياً بالمفاهيم الهشة إلى تعزيز استيعاب المعلومات. أما في البيئة السريرية، فيمكننا على الأرجح إنقاذ الذكريات الضعيفة الكامنة في أعماق أذهاننا نتيجة التقدم في السن، على سبيل المثال. كما يمكن تطبيق هذا الأمر أيضاً على الأشخاص الذين يعانون اضطرابات مرتبطة بالصدمات النفسية، فقد لا نرغب في استعادة ذكريات مؤلمة".

المحتوى محمي