Reading Time: 4 minutes

اليوم: الاثنين، التاريخ: الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، الحدث: الإعلان عن الفائز جائزة نوبل للطب لعام 2021، والفائز هو.. ليس لقاحات كوفيد-19، فعلى الرغم من الآمال العالية في أن تشيد لجان نوبل بالبحث والجهد الهائلَين في صناعة اللقاحات التي تلقاها مليارات الأشخاص وأنقذت أرواحاً لا تعد ولا تحصى، فقد ذهبت جوائز نوبل العلمية هذا العام بدلاً من ذلك إلى إنجازاتٍ أساسية كان من المتوقع أن تفوز بها لسنوات. لماذا لم تفز لقاحات كورونا بجائزة نوبل هذا العام؟ فيما يلي تفسيرٌ مُطَمئن.

حيرةٌ واستياء وسط المجتمع العلمي

أعرب بعض العلماء عن دهشتهم وخيبة أملهم من عدم تلقّي لقاحات كوفيد-19 الجائزة في مجال الطب، لا سيما تلك المطورة باستخدام تقنية “الرنا المرسال” (messenger RNA)؛ والتي أسدلت الستار عن فئةٍ جديدةٍ من اللقاحات.

كتب أليكسي ميرز؛ عالِم الأحياء الخلوية بجامعة واشنطن في سياتل الأميركية، على تويتر في 5 أكتوبر/تشرين الأول: “كان بإمكان القائمين على جائزة نوبل أن يفعلوا شيئاً في جائزة هذا العام كتقديرٍ لجهود الصحة العالمية خلال جائحة عالمية، وقد اختاروا عدم القيام بذلك. هذا إهمالٌ تام؛ إنه قرارٌ لا يمكن تبريره وسيكلف الأرواح.” وذلك بعد أن فاز البحث في الآليات الكامنة وراء الحواس بجائزة الطب هذا العام.

لكن المطّلعين على جائزة نوبل ومراقبيها يقولون إن التوقيت والتفاصيل الفنية والسياسة تعني أن فوز اللقاحات هذا العام كان بعيد المنال. لكن ومع ذلك، فإن تأثير تلك اللقاحات، والتطورات الأساسية لها، تشير إلى أنه لا ينبغي أن يمر وقت طويل قبل أن يتلقى الباحثون المسؤولون عنها مكالمتهم من الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم في ستوكهولم؛ التي تختار الفائزين بالجائزة.

وفي هذا الصدد، يقول جوران هانسون؛ الأمين العام للأكاديمية الملكية السويدية للعلوم في ستوكهولم: “إن تطوير لقاحات الرنا المرسال قصة نجاح رائعة كان لها نتائج إيجابية هائلة للبشرية. إننا جميعاً ممتنون جداً للعلماء المشاركين في تطويرها، وهذا نوع الاكتشافات التي تتلقى ترشيحاتٍ للجائزة؛ لكننا بحاجة إلى بعض الوقت”.

لم تكن تقنية الرنا المرسال نجم الموسم

تقنية الرنا المرسال، لقاح كورونا

Shutterstock.com/MattLphotography

لم يعمل التوقيت لصالح لقاحات كوفيد-19 هذا العام فيما يتعلق بجائزة نوبل؛ إذ كان يتعيّن تقديم الترشيحات لجوائز هذا العام بحلول 1 فبراير/شباط. كان هذا بعد قرابة الشهرين فقط من إثبات لقاحات الرنا المرسال الأولى، وبعض اللقاحات الأخرى، فاعليتها في التجارب السريرية؛ ولكن قبل أن يكون تأثيرها على الوباء واضحاً تماماً، فقد كانت لا تزال في طور المتابعة.

عاملٌ آخر متعلقٌ بالوقت والتاريخ كان سبباً في عدم الفوز؛ وهو نموّ الفجوة بين الاكتشاف العلمي ونيله الجائزة العلمية المرموقة مع مرور الوقت. وبالنظر في لقاحات الرنا المرسال، فإن وضع حجر أساسها يعود إلى أكثر من 30 عاماً؛ إذ تم اختبار هذا النوع من اللقاحات التجريبية الأولى في منتصف التسعينيات؛ لكن التطورات الرئيسية الكامنة وراء اللقاحات التي طورتها شركات “مودرنا” (Moderna) و”فايزر” (Pfizer) و”بيونتيك” (BionTech) لم تأتِ حتى عام 2000، ويمكن القول أن تطويع التكنولوجيا في تطوير هذه اللقاحات لم يكن واضحاً حتى العام الفائت.

إن إحدى الأمثلة المشابهة لحالة تأخر فوز لقاحات الرنا المرسال هو اكتشاف موجات الجاذبية؛ إذ تنبأ ألبرت أينشتاين بوجود موجات الجاذبية في عام 1915؛ لكن الأمر استغرق قرناً من الزمن حتى يطور الباحثون أدواتٍ لاكتشافها مباشرةً، فقد أعلن الباحثون عن اكتشافهم لها في فبراير/شباط عام 2016، وفازوا بجائزة نوبل في الفيزياء عن اكتشافهم هذا عام 2017، لذا فإنه ليس مدهشاً حقاً أن لقاحات كوفيد-19 لم تفز بالجائزة هذا العام؛ لكن لا شكّ أنها ستنالها قريباً.

على الجانب الآخر، فيتوقع برايان أوزي؛ العالم الحسابي في جامعة نورثويسترن (Northwestern) الأميركية في إلينوي، والذي يدرس الجوائز العلمية، أن تكون نظرة لجان نوبل على نطاقٍ أوسع من مجرد تطوير لقاحات ضد فيروس كورونا؛ إذ يقول: “من المرجح أن تُمنح جوائز نوبل للعلماء الذين يعلمون الناس كيف يصطادون السمك، بدلاً من منحهم سمكة. إنهم يحبون منح جوائز للأشخاص الذين يجرون أبحاثاً أساسية يمكنها المضي قدماً وحل العديد من المشكلات المختلفة، وليس مشكلة واحدة فقط.” لذا قد تكون اللجنة في انتظار قياس تأثير تقنية لقاح الرنا المرسال على الإصابات الأخرى؛ مثل تلك التي تسببها الفيروسات التاجية الأخرى.

إرهاصات الفوز بـ”نوبل”

جائزة نوبل

مصدر الصورة: كومن ويكيميديا

بدأت لقاحات كورونا بالفعل في الحصول على جوائز علمية كبرى. ففي سبتمبر/أيلول المنصرم، ذهبت إحدى جوائز “بريك ثرو” (Breakthrough) البالغة 3 ملايين دولار أميركي إلى عالمَين طوّرا تعديلاتٍ أدت إلى إسكات الاستجابات المناعية غير المرغوب فيها، وكانت أساسيةً في لقاحات مودرنا وفايزر. كما فاز نفس الباحثَين بإحدى الجوائز السنوية لمؤسسة “لاسكر” (Lasker)؛ التي يعتبر البعض الفوز بها تنبؤاً بالفوز بجوائز نوبل؛ إذ تميل لجان نوبل إلى الاهتمام بمكافأة الأبحاث التي صمدت أمام اختبار الزمن، بدلاً من أحدث التطورات.

وإذا مُنحت اللقاحات جائزة نوبل، فستحتاج اللجنة إلى اتخاذ بعض القرارات الصعبة بشأن من يجب منحه الجائزة ولأي سبب، لذا فإنه لبس من المدهش حقاً أنهم تريّثوا في منح الجائزة للقاحات؛ إذ يُتوقع أن تنظر اللجنة إلى ما وراء الفرق الأكاديمية والشركات التي طورت اللقاحات، وأن تركز بدلاً من ذلك على المزيد من الأعمال التأسيسية – مثل لقاحات الرنا المرسال الأساسية؛ ولكن حتى هناك، فليس من الواضح تماماً من يجب أن يكون الفائزون.

يتفق مع ذلك أرتورو كاساديفال؛ عالم الأحياء الدقيقة في كلية جون هوبكنز بلومبرج للصحة العامة الأميركية، الذي يشير إلى أن تطوير اللقاحات له جذور عميقة في العديد من التخصصات: “أعتقد أن لقاحات الرنا المرسال هي مرشح واضح لنيل الجائزة. أتخيل أن اللجنة تأخذ وقتها لفرز المساهمات التي يجب الاعتراف بها، ذلك لأن العديد من المجالات ساهمت في إنجاح هذه اللقاحات.”

لذا فإن العمل على كل هذا سيستغرق وقتاً بالطبع؛ إذ يجب على اللجنة أن تنسب الفضل إلى الأشخاص المناسبين، ومن أجل الاكتشاف الصحيح.

اقرأ أيضاً: جائزة نوبل في الطب 2021 لاكتشاف مستقبلات درجة الحرارة واللمس