بعد ساعات طويلة من العمل خلف مكتبك، قد تحاول التركيز في مهمة بسيطة، لكن ذاكرتك تخونك وأفكارك تتشتت بسرعة. ربما تظن أن الحل يكمن في المزيد من القهوة أو ساعات عمل إضافية، لكن ماذا لو كان السر في شيء أبسط بكثير؛ حركات رياضية بسيطة؟
حددت دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعة جنوب أستراليا، ونشرتها المجلة البريطانية للطب الرياضي، 3 أنواع من التمارين الخفيفة قد تساعد على تحسين الوظائف الإدراكية والذاكرة وحيوية الدماغ. إليك سبب أهمية هذه التمارين وكيف يمكنها مساعدتك على شحذ ذهنك، بغض النظر عن عمرك.
دحض نظرية "لا ألم لا فائدة"
مع التقدم في السن يصاب العديد من الأشخاص بالتدهور المعرفي، متمثلاً في حالات مثل الخرف وآلزهايمر. في حين أن التغيرات المرتبطة بالشيخوخة طبيعية، فإن خيارات نمط الحياة، وخاصة النشاط البدني، يمكن أن تسهم في الحفاظ على الوظائف العقلية، وتعزيزها أيضاً. لتحديد أفضل التمارين الرياضية التي تحمي من التدهور المعرفي وتعزز المهارات الإدراكية، حلل الباحثون أكثر من 2700 تجربة، شارك فيها أكثر من 258,000 شخص، من الأطفال حتى كبار السن، في بلدان متعددة.
تحدت النتائج الفرضية التي تقول "لا ألم لا فائدة"، أي إن التمارين الشاقة ليست ضرورية لجني فوائد للدماغ. فالتمارين المنخفضة إلى المتوسطة الشدة، وخاصة تلك التي تجمع بين الحركة البدنية والتركيز الذهني، تعد فعالة للغاية. على وجه التحديد، كانت الفوائد ملحوظة لدى الأطفال والمراهقين والأشخاص الذين يعانون اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط.
بالإضافة إلى شدة التمرين، يمكن أن تتأثر صحة الدماغ بعوامل أخرى، مثل:
- مدة التمرين: كان الالتزام ببرنامج تمارين رياضية، حتى فترة قصيرة (من 1-3 أشهر)، مفيداً للدماغ، وخاصة للإدراك العام. ومع ذلك، كان الالتزام فترات أطول مفيداً أيضاً لصحة الدماغ.
- نوع النشاط: تمكن الباحثون من تحديد 3 أنواع من التمارين الرياضية ذات التأثير الأعلى على الإدراك والذاكرة، وهي اليوغا والتاي تشي وألعاب الفيديو التي تتطلب حركة بدنية.
اقرأ أيضاً: على عكس المتوقع: الإفراط في ممارسة التمارين الرياضية يسرع شيخوخة الدماغ
أفضل 3 تمارين خفيفة لتعزيز قدراتك الدماغية
وفقاً للدراسة، ثمة 3 أنواع من النشاطات البدنية تميزت بفوائدها الإدراكية:
اليوغا
اليوغا من الممارسات القديمة التي مارسها الإنسان منذ أكثر من ألفي عام لتحقيق التوازن بين جسده وتفكيره، من خلال ممارسة:
- أساناس: وضعيات جسدية تحسن القوة والمرونة والتوازن.
- براناياما: تقنيات التنفس التي تهدئ التفكير.
- دايانا: ممارسات التأمل التي تعزز الوعي والسلام الداخلي.
بعبارة أخرى، إنها أكثر بكثير من مجرد تمارين تمدد أو اتخاذ وضعية معينة، إنها ممارسة شمولية تجمع بين الحركة الجسدية والتحكم في التنفس والتأمل لتعزيز الصحة العامة.
تؤثر اليوغا في الدماغ كما يلي:
- الوضعيات الجسدية: تعزز تدفق الدم إلى الدماغ، بما يساعد على نمو خلايا عصبية جديدة، وتحمي الخلايا العصبية من تأثير هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول، عن طريق خفض تركيز هذه الهرمونات.
- التحكم في التنفس: تنشط تقنيات التحكم في التنفس الجهاز العصبي الباراسمبثاوي، ما يخفف التوتر والقلق، ويعزز إنتاج عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ الذي يساعد على تعديل الروابط العصبية استجابة للتعلم أو التغيرات البيئية، ويحسن الذاكرة والوظائف الإدراكية.
- التأمل: يؤثر التأمل في بنية الدماغ ووظائفه؛ تعزز ممارسة التأمل بانتظام المادة الرمادية في مناطق الدماغ المرتبطة بالذاكرة والتعلم وتنظيم الانفعالات. وقد أظهرت الدراسة المنشورة في دورية بلوس ون أن ممارسي اليوغا فترات طويلة لديهم حجم أكبر من المادة الرمادية في عدة مناطق من الدماغ، وهي المناطق المسؤولة عن تحمل الألم والوعي بالذات وتنظيم العواطف.
التاي تشي
التاي تشي تمرين هوائي متوسط الشدة، يعادل المشي السريع. وهو سلسلة من الحركات البطيئة والدائرية تمارس بانسيابية، مع التركيز على التنفس والاسترخاء.
تجمع بين عناصر من اليوغا والتأمل، وفنون الدفاع عن النفس. تعرف بأنها (الشفاء في الحركة) لأنها تمارس بلطف دون إجهاد المفاصل أو العضلات، ما يجعلها مناسبة لجميع الأعمار، حتى مستخدمي الكراسي المتحركة أو طريحي الفراش.
في دراسة نشرتها دورية الجمعية الطبية الأميركية (جاما)، درس الباحثون 328 رجلاً وامرأة، تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر، مصابين بداء السكري من النوع الثاني وضعف إدراكي خفيف، وهو أحد أنواع فقدان الذاكرة الذي يمكن أن يتطور إلى خرف كامل. بعد 36 أسبوعاً، أظهر المشاركون الذين مارسوا تمارين التاي تشي تحسناً أكبر في المهارات الإدراكية، بالإضافة إلى المشاركين في برنامج المشي، لكن على نحو أقل من ممارسي التاي تشي. أما المشاركون في المجموعة التي مارست روتينها اليومي المعتاد فلم يظهروا أي تحسن في الاختبارات الإدراكية.
يعود السبب في ذلك إلى التاي تشي، إذ إنه:
- يقوي الحصين، وهو أحد أجزاء الدماغ التي تعتبر حيوية للذاكرة والوظائف الإدراكية.
- يتطلب التاي تشي تعلم حركات جديدة وتذكر تسلسلات محددة، وكل ذلك قد يعزز الروابط العصبية الجديدة في الدماغ.
- يرفع مستويات المواد الكيميائية في الدماغ التي تعزز نمو خلايا دماغية جديدة وروابطها العصبية.
ألعاب الفيديو التفاعلية
هي نوع من الألعاب التي تتطلب من اللاعب النشاط البدني والتفاعل المباشر مع بيئة اللعبة، سواء عبر اتخاذ قرارات أو حل ألغاز، أو التنقل في عالم افتراضي يتغير بناءً على أفعال اللاعب، مثل بلاي ستيشن موف أو وي فيت. هذه الألعاب لا تقتصر على الترفيه فقط، بل أصبحت أداة فعالة لتحفيز الدماغ وتطوير المهارات الإدراكية، لأنها تجمع بين الجهد البدني والتحديات المعرفية، مثل حل المشكلات ومهام الذاكرة وردود الفعل السريعة.
في دراسة نشرت نتائجها المجلة الأميركية للطب الوقائي، قسم الباحثون المشاركين إلى مجموعتين، ركبت الأولى دراجة ثابتة تقليدية، بينما مارست الثانية "الدراجة الإلكترونية" مع برنامج واقع افتراضي وأنشطة تفاعلية مثل التنقل في مسارات افتراضية أو التنافس مع راكبي دراجات آخرين.
استمرت التجربة مدة 45 دقيقة يومياً، وخمسة أيام في الأسبوع، على مدار 3 أشهر، توصل الباحثون في نهايتها إلى أن مجموعة الدراجات الإلكترونية شهدت تحسناً ملحوظاً في الإدراك الخفيف بنسبة 23%، مقارنة بالفوائد العقلية التي شهدتها مجموعة التمارين الرياضية التقليدية.
اقرأ أيضاً: 5 عناصر غذائية أساسية لتعزيز عمل الدماغ وزيادة التركيز
يعمل الجمع بين الحركة الجسدية واللعب الممتع في ألعاب الفيديو التفاعلية على تحسين وظائف الدماغ من خلال:
- إطلاق إنتاج عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ، والذي يعزز اللدونة العصبية، وهي قدرة الدماغ على تكوين اتصالات عصبية جديدة والتكيف، ويحسن الذاكرة والوظائف الإدراكية.
- زيادة الناتج القلبي وتدفق الدم إلى المخ، وهو ما يرتبط بزيادة النشاط العصبي والوظيفة الإدراكية.