يعمل جسمك على إنتاج خلايا جديدة باستمرار. في جهازك الهضمي، تتجدد بطانة القولون كل 5 إلى 7 أيام. وتجدد خلايا الدم الحمراء نفسها كل بضعة أسابيع، في حين تتجدد خلايا الجلد مرة واحدة شهرياً تقريباً. لكن بعض الأعضاء تشكل استثناء كبيراً. فخلافاً للاعتقاد الشائع، نحن لسنا سفناً بيولوجية نعيد بناء أنفسنا بالكامل من لبنات بناء جديدة كل سبع سنوات كالتي تطرحها مفارقة ثيسوس. فمعظم الخلايا العصبية، وهي الخلايا التي تسرع نقل المعلومات عبر الدماغ والنخاع الشوكي والأعضاء الحسية، لها العمر الافتراضي نفسه الذي تعيشه أنت.
وحتى أواخر القرن العشرين، كانت وجهة النظر السائدة في علم الأعصاب هي أن الإنسان يتوقف بعد مرحلة الطفولة عن تكوين الخلايا العصبية في أنحاء الدماغ كلها. ما يتكون لدينا في مرحلة المراهقة هو ما يبقى لدينا، وكل ما يمكننا فعله بعد ذلك هو فقدان الخلايا أو إعادة تنظيمها. ومع ذلك، تعزز نتائج أحدث الأبحاث مجموعة متزايدة من الأدلة التي تشير إلى أن الجدول الزمني لتكوين الخلايا العصبية ليس واضحاً تماماً.
تعتقد مجموعة من علماء الأعصاب أنه في اثنين على الأقل من أجزاء الدماغ قد تستمر الخلايا العصبية في التكون طوال الحياة، وهما الحصين والمخطط البطني. في الحصين، وهو منطقة دماغية مهمة للغاية للتعلم والذاكرة، تظهر خلايا جديدة لدى بعض الأشخاص في في أواخر مرحلة البلوغ، وذلك وفقاً لدراسة نشرت في 3 يوليو/تموز في مجلة ساينس. ترجح هذه النتائج كفة نقاش لا يزال محتدماً حول كيفية استمرار تطور أدمغتنا طوال الحياة. يمكن لتحسين فهمنا لتكوين الخلايا العصبية لدى البالغين (تكوين خلايا عصبية جديدة)، والتوصل إلى إجابة قاطعة بشأن احتمالية حدوثه وتحديد مكانه، أن يسهما في تحسين علاجات الأمراض العصبية إلى جانب الشيخوخة الطبيعية.
اقرأ أيضاً: علماء يبتكرون ساعة ذكية تقيس شيخوخة الدماغ
هل أدمغة البشر ثابتة بصورة فريدة؟
أظهرت الأبحاث السابقة التي أجريت على القوارض والخنازير والقرود أن تكوين الخلايا العصبية يحدث بالفعل لدى هذه الأنواع من الثدييات طوال الحياة. وينطبق ذلك على الطيور أيضاً. ومع ذلك، واستناداً إلى الاختلافات البنيوية والنمائية الأخرى الملحوظة في الدماغ البشري، يجادل بعض العلماء بقولهم إن جنسنا البشري فريد من نوعه ويفتقر إلى تكوين الخلايا العصبية مدى الحياة الذي قد يعوق وظائف الدماغ المعقدة والمبسطة. (قد تبدو الخلايا العصبية الجديدة رائعة، لكن النشاط والترابط المفرطين قد يسببان الفوضى) ومن الصعب الحصول على إجابة واضحة. يعد تحديد الخلايا الدماغية الجديدة لدى البشر تحدياً تقنياً كبيراً لأنه لا يمكن الرؤية بسهولة من خلال الجماجم الحية على المستوى الخلوي. ويضطر الباحثون إلى الاعتماد -إلى حد كبير- على أنسجة الدماغ النادرة التي يجمعها الباحثون عن طريق الجراحة التي يخضع لها الأشخاص الذين يعانون حالات طبية مثل الصرع أو الأنسجة التي يتبرع بها المتوفون.
في هذه الدراسة الجديدة، تقول عالمة الأعصاب ومختصة علم الأعصاب النمائي في جامعة كاليفورنيا بمدينة سان فرانسيسكو، مرسيدس باريديس، لمجلة بوبيولار ساينس: "أعتقد أنهم استخدموا أدوات فعالة للغاية". لم تشارك باريديس في هذا البحث، لكنها وجدت نتائج متناقضة في مختبرها الخاص. وتقول إن العمل الجديد يمثل "نقطة انطلاق جيدة" لتطبيق أساليب جديدة على الدماغ وفك رموز أنواع الخلايا الموجودة فيه بالفعل.
وقد تناولت دراسات أخرى حول التكون العصبي المحتمل لدى البالغين مسألة البصمات البروتينية والمناعية في أنسجة الدماغ لاستكشاف احتمالية تكون خلايا عصبية جديدة وتحديد أماكنها ومدى تواتر حدوث ذلك. وقد توصلت إلى استنتاجات متضاربة، حيث فشل بعضها (مثل دراسة باريديس في عام 2018) في تحديد الخلايا التي أفاد باحثون آخرون برؤيتها. كما أجريت بعض الدراسات التي تعتمد على التأريخ بالكربون لتحديد عمر الخلايا العصبية، التي تكشف عن خلايا فتية لدى البالغين. ومع ذلك، لم تحدد أي من هذه الطرق، حتى الآن، بصورة موثوقة الخلايا الجذعية أو السلفية القادرة على إنتاج خلايا عصبية حديثة، ما يترك مجالاً للشك.
العثور على "الحلقة المفقودة"
يبدو أن الدراسة الجديدة تعالج هذه المسألة التي لم تحل من قبل. فهي تمثل "الحلقة المفقودة" في عملية تكوين الخلايا العصبية، على حد قول كبير مؤلفي الدراسة وعالم الأحياء النمائي والباحث في الخلايا الجذعية بمعهد كارولينسكا في العاصمة السويدية ستوكهولم لبوبيولار ساينس، جوناس فريزين.
وللعثور على هذه الحلقة المفقودة، عمد فريزين وزملاؤه إلى استطلاع الأدبيات العلمية لتجميع قائمة بالجينات التي من المحتمل أن يكون لها دور فاعل في تكوين الخلايا العصبية الحصينية. ثم أكدوا العلامات الجينية (يعود معظمها إلى دراسات أجريت على الحيوانات) من خلال مقارنتها بتسلسلات الحمض النووي الريبوزي الموجودة في عينات أدمغة من ستة متبرعين من الأطفال والرضع المتوفين. بعد ذلك، أجرى الفريق تسلسلاً للحمض النووي الريبوزي من الميتوكوندريا في أنسجة أدمغة من 19 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 13 و78 عاماً. واستخدموا ثلاث خوارزميات مختلفة للتعلم الآلي لتقييم تلك التسلسلات وتحديد الخلايا العصبية الوسيطة المحتملة المكونة. وتحقق العلماء من صحة مخرجات التعلم الآلي الخاصة بهم من خلال تطبيق الأدوات نفسها على مجموعات بيانات من خلايا قشرة الدماغ لدى الفئران والبشر البالغين، وأبلغوا عن معدل إيجابي كاذب بنسبة 0.37% فقط.
ومن خلال تحليلاتهم كلها، حددوا 354 خلية من بين مئات الآلاف من الخلايا في 19 عينة، بدت أنها سلائف لخلايا عصبية جديدة، بما في ذلك عشرات الخلايا الجذعية والخلايا العصبية البدائية من البالغين. لم تكن الخلايا موزعة بالتساوي، حيث ظهرت فقط في نصف عينات المراهقين وخمس عينات من أصل 14 عينة من البالغين. ومع ذلك، يبدو أن وجود الخلايا أو عدمه لم يكن مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالعمر أو المرض الموثق. ووفقاً للدراسة، كان أحد البالغين الذين لديهم أكبر عدد من الخلايا المرتبطة بتكوين الخلايا العصبية شخصاً يبلغ من العمر 58 عاماً ولا يعاني أياً من الأمراض المعروفة.
تقول عالمة الأعصاب في معهد كارولينسكا، مارتا باترليني، في حديثها لبوبيولار ساينس: "لقد نجحنا في تحديد التكون العصبي النشط في دماغ إنسان بالغ". وقد شاركت في قيادة هذا العمل الجديد على مدى ثماني سنوات إلى جانب زميلها يونوت دوميترو، الذي ركز على جانب التعلم الآلي. تقول باترليني: "نحن واثقون من بياناتنا، ونود أن نضع حداً للجدل الدائر".
ومع ذلك، لا يتفق العاملون كافة في هذا المجال على أن الخلايا التي جرى تحديدها في هذه الدراسة هي بلا شك خلايا عصبية بالغة ناشئة. يقول عالم الأعصاب في جامعة بيتسبرغ، الذي شارك في تأليف دراسة عام 2018 مع باريديس، شون سوريلز، في حديثه لبوبيولار سايينس: "عندما سمعت أول مرة عن هذه الدراسة، كنت متحمساً. إنها تمثل الطريقة الأمثل لتحديد الأنواع الفرعية النادرة".
لكن، بعد إلقاء نظرة فاحصة، شعر "بخيبة أمل بسبب قلة عدد الخلايا التي وجدوها"، وفي رأيه، ثمة تفسير محتمل بديل.
ويقول: "الاستنتاج الأكثر ترجيحاً هو أن الخلايا التي يبحثون عنها نادرة أو معدومة لدى معظم الناس. والاحتمال الآخر هو أن الخلايا التي يزعمون أنها خلايا جذعية عصبية بالغة مرتبطة بعملية مرضية لدى هؤلاء الأفراد أو بنوع آخر من الخلايا تماماً".
اقرأ أيضاً: كيف تحافظ على يقظة دماغك بعد الثلاثين؟ توصيات من علم الأعصاب
يزخر الدماغ البشري بخلايا تنقسم وتتكاثر طوال الحياة وتسمى الخلايا الدبقية. وهذه هي الخلايا الداعمة والضامة التي تمكن الخلايا العصبية من إنجاز مهمة نقل الإشارات العصبية. تعد الخلايا الدبقية بمثابة فريق الصيانة المتخصص بالخلايا العصبية. ويشير سوريلز إلى أنه من المحتمل أن يكون مؤلفو الدراسة قد أدرجوا عن غير قصد بعض الخلايا الجذعية الدبقية في تحليلهم في إطار جهودهم لتحديد الخلايا العصبية قيد النمو.
لماذا يريد علماء الأعصاب إجابات؟
يعتقد كل من سوريلز وباريدس أن ثمة حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث لتأكيد استنتاجات الدراسة الجديدة. تقول باريديس إن المقارنات الشكلية المباشرة بين الخلايا البشرية والحيوانية قد تعزز النتائج. ويشير سوريلز إلى أننا سنحتاج إلى تقنيات تصوير للدماغ أكثر تطوراً لحل هذه المشكلة.
ويوضح قائلاً: "تساعد هذه التقنيات على متابعة الخلايا نفسها بمرور الوقت لمعرفة كيفية تطورها. سيكون ذلك أفضل دليل على تكون الخلايا العصبية"، على الرغم من أنه يشير إلى أن ذلك غير ممكن حالياً.
وهكذا، يمضي العلم قدماً. فإذا استمر بعض البشر الأصحاء، كما يشير البحث الجديد، في تكوين الخلايا العصبية داخل الحصين مدى الحياة، فقد يكون لذلك آثار كبيرة على صعيد الأمراض النفسية والتنكسية العصبية مثل آلزهايمر، حيث تشير الدراسات التي أجريت على الحيوانات إلى أن ندرة الخلايا الجديدة لها دور في ذلك. كما يمكن أن يساعد أيضاً في قدرتنا على فهم الشيخوخة الصحية والمرونة العصبية، على حد قول فريزين.
وتشير باترليني إلى أنه ربما في المستقبل، يمكن استخدام الخلايا الجذعية العصبية للبالغين لمساعدة الأشخاص على التعافي من إصابات الدماغ الرضية. تقول باترليني: "يعمل المختبر على الطب التجديدي، لذا سنواصل العمل على هذا الأمر." وربما تنجح جهودهم كلها في إحداث تغيير جذري في الآراء المتعلقة بمدى قدرة العقول البشرية على التغير.