يمكنك أن تقضي اليوم كله غارقاً في جداول البيانات وملاحقة مؤشرات الأداء ومراقبة معدلات النمو الربع سنوية، ومع ذلك تخسر المعركة بسبب عامل صامت يستنزف هامش الربح، وهو الموظف المنهك والمتوتر الذي يحاول أن ينجز عملاً عالي الجودة بجسد متعب وذهن مثقل.
فإذا كنت لا تزال تنظر إلى "صحة الموظفين" بوصفها مجرد رفاهية تقدمها إدارة الموارد البشرية، أو بنداً ثانوياً يمكن تقليصه عند الأزمات، فأنت تغفل عن واحد من أقوى محركات الربحية. إليك الأسباب التي تجعل الاستثمار في عافية الموظفين استراتيجية مالية تعزز العائد.
التكلفة الباهظة للموظف المتعب
يمكن تشبيه المؤسسة بالجهاز العصبي في جسم الإنسان، فإذا ظل هذا الجهاز تحت ضغط مزمن يفوق طاقته، لن تكون النتيجة مجرد موظفين مرهقين فحسب، بل سينعكس ذلك على أداء الشركة نفسه، بما في ذلك تباطؤ في التفكير واتخاذ القرار وارتفاع في الأخطاء وازدياد في الصراعات وتنامٍ في الإجازات المرضية. أما حين يحظى هذا الجهاز بالدعم والرعاية، فسوف ينعكس ذلك طاقة أوفر، وتركيزاً أوضح، وسرعة أعلى في التعلم. وبلغة الأرقام، يؤدي ذلك إلى أداء مالي أفضل.
عموماً، من الآثار السلبية للموظف المتعب على الشركة:
الحضور غير المنتج
وهو حالة يوجد فيها الموظف بجسده على مكتبه، لكنه يعمل بكفاءة 50–80% بسبب الضغط النفسي أو ألم جسدي مثل آلام في الكتف أو الظهر، أو الاحتراق الوظيفي، أو الاكتئاب والقلق، أو مخاطر الأمراض المزمنة. وتكمن الخطورة في أن كثيراً من المشكلات الصحية لا تدفع الموظف إلى إجازة مرضية فوراً، لكنها تترجم إلى إنتاج أقل وأخطاء أكثر وقرارات أبطأ وتواصل أسوأ مع العملاء وعبء متزايد على أصحاب الأداء العالي الذين يضطرون لتعويض الفاقد.
كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة "يوكوهاما سيتي" في اليابان، أن المشكلات النفسية في بيئة العمل، مثل القلق وقلة النوم، تتسبب بخسائر كبيرة في الإنتاجية. تركزت الدراسة على نوعين من الغياب، وهي الحضور غير المنتج، والغياب التام عن العمل، وتوصلوا إلى:
- بلغت خسائر الإنتاجية بسبب الحضور غير المنتج نحو 46.7 مليار دولار سنوياً، وهي أكبر بـ7 مرات من تكلفة علاج الأمراض النفسية نفسها في اليابان.
- النساء في العشرينيات من أعمارهن كن أكثر عرضة للإصابة بالأعراض النفسية بنسبة 1.7 ضعف مقارنة بالرجال، ولكن الرجال خسروا إنتاجية أكبر بسبب ارتفاع أجورهم ومعدلات مشاركتهم في سوق العمل.
- معدل الحضور الذهني الضعيف فاق الغياب التام بـ 25 مرة، ما يشير إلى أن الموظفين موجودون جسدياً في العمل رغم تدهور صحتهم النفسية، وهو أمر مكلف وغير فعال.
اقرأ أيضاً: العمل 4 أيام فقط في الأسبوع يعزز صحة الموظفين ويزيد إنتاجيتهم
تراجع عائد الاستثمار
عند الاستثمار في التكنولوجيا مثل شراء أنظمة جديدة أو معدات حديثة، يحرص القادة الأذكياء على تحليل عائد الاستثمار بدقة، أي: ما هي الفائدة التي ستعود على المؤسسة مقابل هذا الإنفاق؟ لكن عند التعامل مع الموظفين من ناحية التدريب والتطوير والتحفيز وتحسين بيئة العمل، قد يتجاهلون هذا النوع من التحليل، أو ينظر إلى هذه النفقات على أنها "تكاليف" وليست "استثمارات". لكن دراسة تحليلية أجراها باحثون من جامعة هارفارد وجدت أن الاستثمار في برامج عافية الموظفين يقلل التكاليف الطبية وتكاليف غياب الموظفين عن العمل كما يلي:
- انخفضت التكاليف الطبية بمعدل 3.27 دولار مقابل كل دولار يستثمر في برامج العافية.
- انخفضت تكاليف الغياب عن العمل بمعدل 2.73 دولار لكل دولار استثمر في هذه البرامج.
أي أن كل 1 دولار ينفق على برامج العافية في مكان العمل يعود على الشركة بما يصل إلى 6 دولارات تقريباً، وهو عائد استثمار يعادل 600%.
أيام مهدرة
أشارت تقارير لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية (ILO)، أن بيئة العمل السيئة، مثل البيئة التي يسود فيها التنمر والعنف النفسي والتمييز، قد تسبب تدهور الصحة النفسية واضطرابات نفسية خطيرة، بما فيها القلق والاكتئاب، ما يقلل الأداء والإنتاجية، ويؤدي إلى فقدان نحو 12 مليار يوم عمل سنوياً، وتكلفة تقارب تريليون دولار عالمياً.
اقرأ أيضاً: دبي الذكية تحدث تطبيق الموظف الذكي لخدمة 55 ألف موظف
انخفاض الطاقة
الموظف الذي يتمتع بصحة جيدة يمتلك وظائف إدراكية قوية؛ حيث يعزز النشاط البدني المنتظم والتغذية الجيدة تدفق الدم إلى "الحصين"، وهو الجزء المسؤول في الدماغ عن الذاكرة والتعلم، ما يساعد على حل المشكلات بسرعة أكبر وارتكاب أخطاء أقل. في المقابل، حين يختل ميزان الصحة بسبب السهر أو التغذية الفقيرة أو الضغط النفسي المتواصل، تبدأ القشرة الجبهية الأمامية في الدماغ بفقدان كفاءتها الوظيفية تدريجياً، فتضعف مهارات مثل الانتباه وضبط الانفعال واتخاذ القرار، ويؤدي تراجع المهارات إلى إعادة عمل متكررة، وقرارات أبطأ، وأخطاء أكثر.
5 طرق تعزز بها صحة الموظف
في دراسة أجراها باحثون من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وشملت 10 دول من مجموعة السبع ودولاً من آسيا والمحيط الهادئ، أن أنماط الحياة غير الصحية، مثل التدخين وسوء التغذية وقلة النشاط البدني والإجهاد، تسبب 76% من الوفيات بين العاملين بعمر 20 إلى 64 عاماً، بالإضافة إلى النتائج التالية:
- انخفاض الإنتاجية يعادل فقدان 54 مليون عامل بدوام كامل بسبب أمراض مرتبطة بالسمنة.
- كل دولار يستثمر في برامج الصحة في العمل يحقق عائداً اقتصادياً يقدر بـ4 دولارات، من خلال تقليل الإجازات المرضية وتحسين الأداء.
- الشركات التي طبقت برامج صحة نفسية وبدنية أظهرت أداءً مالياً أعلى بنسبة تصل إلى 3 أضعاف مقارنة بغيرها.
اقرأ أيضاً: 6 استراتيجيات تساعدك على تأسيس ثقافة الطعام الصحي في الشركة دون مقاومة الموظفين
كما بينت الدراسة أن مكان العمل هو أحد أفضل الأماكن لتعزيز الصحة والعافية، حيث يمكن للمدير اتباع الاستراتيجيات التالية:
- تحليل البيانات لتحديد مصادر الهدر: ابدأ بتحليل بيانات الموظفين، مثل الغياب والتأخير وإعادة العمل، لتحديد أين يهدر الوقت. راقب مؤشرات الإرهاق حسب الفرق والأدوار والمواسم، وراجع أسباب ارتفاع المشكلات الصحية، مثل مشكلات العضلات والعظام، والضغط النفسي، والمخاطر القلبية.
- تحسين بيئة العمل قبل تقديم الامتيازات: ركز على معالجة أساسيات بيئة العمل لتوفير بيئة دعم وتقليل العوامل التي تؤثر سلباً في صحة الموظف. على سبيل المثال، يمكنك توزيع الأحمال والموارد بشكل متوازن، وتحسين وضوح الجداول وتقليل الاجتماعات غير الضرورية.
- بناء برنامج عافية من ثلاث طبقات:
-
- الوقاية: توفير اللقاحات والإجازات المرضية، وبيئة عمل مريحة، وخيارات غذائية صحية، واستراحات للحركة.
- الدعم النفسي: إتاحة برامج المساعدة للموظفين، وتدريب المدراء.
- إدارة المخاطر المزمنة: التعامل مع مشكلات مثل آلام العضلات وأمراض القلب والتدخين واضطرابات النوم وإرهاق المناوبات، بدعم من تحليلات موثوقة.
- قياس الأداء بمؤشرات واضحة: حدد ما بين 5 و8 مؤشرات تتابعها كل ربع سنة لتتبع التحسن التدريجي، مثل: معدلات الغياب وأنماطه.
- معدل دوران الموظفين والاحتفاظ بهم.
- مؤشرات الانخراط والإرهاق.
- اتجاهات المطالبات الصحية.
- إصابات العمل.
- مؤشرات غير مباشرة للإنتاجية مثل زمن الإنجاز وجودة العمل ورضا العملاء.
- ضمان الخصوصية وبناء الثقة: كن واضحاً مع الموظفين، فالمشاركة اختيارية والبيانات لا تستخدم لتقييم الأداء، والتقارير مجمعة ومجهولة، لأن العافية والصحة الجيدة تحتاج إلى بيئة عمل آمنة لبناء الثقة وتحسين الأداء.