ثمة خفافيش في كوكبنا بأعداد تفوق تصورك بكثير. إذ تأتي الخفافيش في المرتبة الثانية بعد القوارض، وتشكل خمس عدد الثدييات كلها تقريباً، مع وجود أكثر من 1,500 نوع من الحيوانات الليلية المجنحة. ولكن هذا التنوع البيولوجي الواسع هو الذي يسهم أيضاً في سمعتها (غير المستحقة إلى حد ما) على أنها ناقلات للأمراض. فوفقاً لعلماء الأحياء، فإن التكيف التطوري على مدى 50 مليون سنة يجعل الخفافيش مناسبة على نحو فريد ليس فقط لنقل مسببات الأمراض ونشرها، بل أيضاً لمقاومتها.
تنوع جيني أسهم في اكتساب الخفافيش سمعتها
يقول عالم الأمراض البيطرية في جامعة فلوريدا، جيم ويليهان، في تقرير حديث: "تمثل الأمراض المعدية العامل الأكبر في التطور بأكمله. دائماً ما يبحث الناس عن عذر لوصف الخفافيش بأنها كائنات سحرية، والحقيقة هي أن الخفافيش تعرضت للكثير من العوامل واختيرت جيناتها وفقاً لذلك".
يؤكد ويليهان أن العامل الأهم لازدهار مجموعة حيوانية من منظور تطوري هو تنوعها الجيني؛ فوجود طيف واسع من التنوع يزيد إلى حد كبير فرصة امتلاك بعض الحيوانات الفردية على الأقل جينات مناعية فعالة ضد أي سلالات جديدة من مسببات الأمراض التي قد تعترضها.
في الوضع الأمثل، تبقى هذه الكائنات المناعية على قيد الحياة فترة كافية للتكاثر ونقل تلك الجينات القيمة إلى الجيل التالي من النسل.
اقرأ أيضاً: ما هو تحديد الموقع بالصدى؟ وكيف تستخدمه الخفافيش لتوجيه نفسها؟
البقاء ليس للأذكى والأسرع والأقوى
يوضح ويليهان: "عندما تعلمت أول مرة عن داروين والتطور، افترضت أن مصطلح البقاء للأصلح يعني الأذكى والأسرع والأقوى، ولكن إذا نظرنا إلى جينوماتنا، يتبين أن هذا خطأ. الجينات التي يقع عليها الاختيار مرتبطة في الغالب بالجهاز المناعي".
تنتشر مسببات الأمراض هذه بين الخفافيش بدرجة أكبر لأن العديد من الأنواع تعيش في مستعمرات اجتماعية للغاية. وهذه العوامل تشير مجتمعة إلى أن الخفافيش تنقل الأمراض فيما بينها بالتزامن مع الجينات اللازمة لتطوير المناعة بصورة أفضل من معظم الحيوانات الأخرى.
لكن ما يجعل هذه الحيوانات خطرة هو أيضاً ما يميزها في المقام الأول عن الثدييات الأخرى كلها: الأجنحة. فقد أدى الطيران إلى توسيع نطاق موائل الخفافيش إلى حد كبير على مدى ملايين السنين، ما سمح لها باجتياز الحدود الجغرافية المصطنعة التي أنشأتها البشرية دون أي اعتبار. هذه هي الطريقة التي تجعل مسببات الأمراض الكارثية مثل إيبولا وفيروس نيباه وحتى فيروس سارس-كوف-2 المسبب لكوفيد-19 تلحق دماراً هائلاً بالمجتمعات.
مع ذلك، لا تلقوا اللوم على الخفافيش الآن. فهي ببساطة تعيش في عالم يزداد اضطراباً بسبب زحف المجتمع. إن هذا الاتصال الوثيق الذي يمكن تجنبه بين البشر والخفافيش هو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انتقال الأمراض بين الأنواع.
اقرأ أيضاً: هل ستساعدنا الخفافيش في التغلب على مرض السرطان؟ دراسة حديثة تكشف السبب
يقول ويليهان: "إن انتقال مسببات الأمراض إلى البشر وجهود الحفاظ على البيئة متلازمان. فعندما تتعرض مجموعات الخفافيش للضغط، يختل التوازن البيئي، وتحدث طفرات حيوانية المنشأ. لقد اتضح أنه ليس من المجدي أن نعتبر أنفسنا كائنات منفصلة عن الطبيعة".