تخيل أن يباغتك مديرك بطلب إلقاء عرض توضيحي مع زميلك أمام لجنة الإدارة، ودون سابق إنذار. في تلك اللحظة، وبينما تتلعثم كلماتك ويتلاشى تدفق الأفكار في ذهنك، ينجح زميلك في استرداد تركيزه بسرعة مذهلة، فيستجمع شتات أفكاره ويكمل العرض نيابة عنكما، مانحاً إياكما مخرجاً من ورطة محرجة. الآن، وأنت تشاهد هذا المشهد، يتردد في ذهنك سؤال مؤرق: هل أنا أقل ذكاء من زميلي؟
الإجابة، في أغلب الأحيان "لا"، ما حدث ليس سوى تبديل عصبي من نمط التفكير الهادئ إلى نمط النجاة، إذ بينما يعيد الدماغ ترتيب أولوياته تحت وطأة الضغط بما يجعل زميلك أكثر حزماً وسرعة في الاستجابة، فإنه قطع في المقابل الإمداد تماماً عن مركز التفكير والتخطيط لديك. فمن المتحكم بكلتا الحالتين؟ وكيف يمكنك استعادة السيطرة في اللحظات الحاسمة؟
اقرأ أيضاً: عزز دفاعاتك: دليلك لمكافحة ضعف المناعة الناتج عن التوتر والتجمعات المكتبية
كيف يشحذ الضغط مهارات التفكير؟
على الرغم من نظرتنا الشائعة للتوتر كقوة سلبية بحتة، فإنه من منظور عصبي، يمكن للتوتر الحاد (وهو ذلك الضغط المفاجئ وقصير المدى) أن يكون معززاً إدراكياً من خلال:
الضغط يشغل نظام الاستنفار
عندما تتعرض لضغط نفسي، مثل موعد نهائي أو اختبار أو مواجهة أو أي خطر خارجي، تنشط في الجسم استجابة تعرف باسم استجابة الكر والفر، وهي آلية بقاء طورها الجسم استجابة بسرعة للمواقف التي تهدد الحياة. تحفز هذه الاستجابة اللوزة الدماغية، وهي منطقة في الدماغ تسهم في معالجة المشاعر. بدورها ترسل اللوزة الدماغية على الفور إشارة استغاثة إلى منطقة ما تحت المهاد، الذي يعمل كمركز قيادة.
يتواصل ما تحت المهاد مع الجهاز العصبي الودي الذي يرسل إشارات إلى الغدد الكظرية لضخ هرمون أدرينالين (الإبينفرين) في مجرى الدم. يثير الأدرينالين سلسلة من التغيرات الفيزيولوجية تشمل ارتفاع معدل النبض لضخ الدم إلى الأعضاء الحيوية بما فيها الدماغ. كما تتسع الممرات الهوائية الصغيرة في الرئتين، بما يسمح للرئتين باستيعاب أكبر قدر ممكن من الأوكسجين مع كل نفس، ولإرساله مع الدم إلى الدماغ، ما يعزز اليقظة ويزيد حدة الحواس مثل السمع والبصر. وفي الوقت ذاته، يحفز الأدرينالين إطلاق سكر الدم والدهون من مخازنها المؤقتة في الجسم، بتزويد الجسم بدفعة سريعة من الطاقة.
إذا استمر الدماغ في استشعار الخطر، يحفز تحت المهاد إفراز هرمون التوتر الكورتيزول لإبقاء الجسم في حالة تأهب. وعندما يزول الخطر، تنخفض مستويات الكورتيزول، ويكبح الجهاز العصبي اللاودي، الذي يشبه المكابح، استجابة الجسم للتوتر.
بعبارات أخرى، عندما يتعرض الجسم لضغط معتدل، يضيق مجال الانتباه ليركز الدماغ على ما يراه أكثر صلة بالموقف، فيرشح المشتتات والمنبهات غير المهمة، ما يتيح له معالجة أكثر كفاءة للمعلومات في اللحظة الراهنة. وهذا يفسر لم قد يستطيع الطالب تذكر حقائق معقدة في أثناء الامتحان بوضوح يفوق فترة المذاكرة، أو كيف يتخذ الرياضي قرارات في أجزاء من الثانية بدقة متناهية. في هذه اللحظات، لا يكون التوتر مجرد عرض جانبي، بل هو الوقود المحرك للعمليات الإدراكية العليا.
اقرأ أيضاً: ما تحتاج إلى معرفته عن استجابة الكر والفر وكيف يتفاعل الجسم مع المخاطر
الضغط الحاد قد يقوي بعض أنواع الذاكرة
الذاكرة العاملة، هي المساحة المؤقتة التي نحتفظ فيها بالمعلومات، والأداة التي يستخدمها الفرد في اتخاذ القرارات اليومية، من تذكر المهام إلى إدارة الوقت والتفكير المنطقي. وفي دراسة حديثة أجراها باحثون من "معهد علوم الدماغ والذكاء الاصطناعي" في الصين، توصلوا إلى أن الضغط النفسي بأنواعه يؤثر مباشرة في الذاكرة العاملة، حيث يعزز التوتر الحاد الذاكرة العاملة عبر زيادة نشاط المستقبلات العصبية AMPA وNMDA، التي تسهم في نقل الإشارات العصبية داخل الدماغ، خصوصاً في مناطق التعلم والذاكرة، ما يرفع من القدرة على حفظ المعلومات مؤقتاً.
أي عند التعرض لموقف أو ضغط مفاجئ معتدل، مثل اختبار طارئ أو مقابلة عمل أو القيام بمهام تتطلب تركيزاً عالياً واستجابة سريعة، تنشط هذه المستقبلات العصبية، ما يعزز القدرة على تذكر المعلومات بشكل مؤقت.
اقرأ أيضاً: كيف تساعدك تمارين التحمل البدني على اتخاذ قرارات أفضل تحت الضغط؟
لماذا قد يتوقف الدماغ عن التفكير عند التعرض لضغط؟
إن استجابة الكر والفر نفسها التي تعزز الأوكسجين والغلوكوز واليقظة من أجل البقاء على المدى القصير، تبدأ أيضاً، بعد تجاوز عتبة معينة، بتعطيل أنظمة الدماغ الضرورية للتفكير المركز والمرن:
تأثير الضغط المزمن وغير المحمول
في ظل التوتر المزمن أو لدى التعرض لمستويات عالية من الضغط الذي لا يمكن السيطرة عليه، تؤدي المستويات العالية من هرمونات التوتر إلى تعطيل مؤقت لعمل قشرة الفص الجبهي، وهي الجزء المسؤول عن الوظائف التنفيذية مثل التركيز على المؤشرات ذات الصلة بالمهمة ومقاومة المشتتات وتقييم الخيارات وكبح الاندفاعات.
وضعية الطيار الآلي
علاوة على ذلك، يزيد التوتر الحاد نشاط بعض أجزاء الدماغ المسؤولة عن الاستجابة السريعة والخطيرة، مثل اللوزة الدماغية والجسم المخطط. تسرع هاتان المنطقتان ردود الفعل، وتحولان السيطرة من تفكير منطقي ومدروس إلى ردود فعل سريعة غريزية كما في وضعية الطيار الآلي، خاصة في حالات الخطر. هذا التغيير مفيد عندما تحتاج إلى التصرف بسرعة، لكن في مواقف تتطلب تفكيراً عميقاً، مثل الامتحانات أو العروض، يجعلك تشعر بأن دماغك الهادئ والتفكير الناضج غير موجودين، ويعتمد الشخص فقط على ردود أفعاله التلقائية.
تعطيل الذاكرة العاملة
وللمفارقة فإن الدراسة الآنفة الذكر، التي أجراها باحثون من "معهد علوم الدماغ والذكاء الاصطناعي" في الصين حول تأثير الضغط في الذاكرة العاملة، والتي أشارت إلى تأثير إيجابي للتوتر الحاد على الذاكرة العاملة، فإنها أفادت بأن التوتر المزمن يؤثر في البنية العصبية للدماغ، حيث يقلل كثافة الأشواك التغصنية في الخلايا العصبية، ما يضعف قدرة الذاكرة العاملة ويبطئ استجابة الدماغ للمحفزات. فنشعر بأن ذهنك فارغ أو متجمد أو غير قادر على استيعاب أي فكرة لفترة كافية لاستخدامها.
اقرأ أيضاً: 5 مكملات غذائية مدعومة علمياً لتحسين التركيز والذاكرة
كيف نعيد تفعيل مهارات التفكير تحت الضغط؟
إعادة تشغيل التفكير في لحظات التوتر تبدأ من إرسال إشارة أمان إلى الجهاز العصبي، حتى تعود قشرة الفص الجبهي إلى العمل تدريجياً. ولتحقيق ذلك يمكنك اتباع ما يلي:
- ممارسة التنفس العميق: تساعد تمارين مثل الشهيق 4 ثوانٍ، ثم حبس النفس 7 ثوانٍ، والزفير البطيء خلال 8 ثوانٍ، لعدة جولات، على تنشيط الجهاز العصبي اللاودي الذي يهدئ استجابة التوتر ويخفف من فرط الاستثارة الجسدية.
- تمارين الارتكاز الحسي: هي تمارين تهدف إلى تنمية وتعزيز الحواس المختلفة، فتساعد قشرة الفص الجبهي على استعادة السيطرة على المشهد. من أكثر الأساليب شيوعاً تقنية (5-4-3-2-1)، حيث يطلب من الشخص أن يحدد خمسة أشياء يراها، وأربعة يلمسها، وثلاثة يسمعها، واثنين يشمهما، وشيئاً واحداً يتذوّقه. تساعد هذه التقنية على تحويل الانتباه بعيداً عن الأفكار الكارثية، وتقطع الحلقة الآلية للتوتر، وتستدعي الدوائر العصبية الأعلى المسؤولة عن الانتباه والتسمية وتنظيم الخبرة.
- ممارسة حركات جسدية دقيقة: تسهم حركات صغيرة مثل ضغط رؤوس الأصابع بعضها بعضاً، أو تدوير الكتفين، أو شد عضلات الساق ثم إرخائها، في تغيير حالة الجسم بما يكفي لقطع حالة الجمود، وتستدعي دوائر الحركة المرتبطة بشبكات قشرية أوسع. فإذا كنت في أثناء عرض شفهي، قد يكفي توظيف الإيماءات الطبيعية أو تغيير وضعية الوقوف، وفي الامتحان، يمكن أن تؤدي حركات بسيطة لليدين أو تعديل الجلسة الغرض نفسه.