اشترك

الاستمرار بالحساب الحالي



تمت عملية الاشتراك بنجاح

إغلاق

عذراً، عذرا،أنت مشترك مسبقاً بالنشرة البريدية

إغلاق

عذراً، هناك مشكلة في البريد الالكتروني

إغلاق

الجينوم السعودي أكثر من برنامج للحد من الأمراض الوراثية

لتحميل الملف بصيغة pdf انقر هنا
«.» هذه ليست نقطةً صغيرة؛ إنها أكبر مما تتخيل، ربما تمثل كوكب الأرض بين المجرات، وربما تمثل إنجاز الحضارات البشرية مجتمعةً عبر تاريخ الأرض، وربما تمثل 4 مليار سنة من تطور الحياة؛ والموجودة بداخل كل شخص منا، أو بالأحرى الخريطة التي تحمل قصتنا وقصة كل الكائنات الحية والمكتوبة بعناية في الجينوم. لحسن الحظ؛ استطاع البشر سبر أغوار الجينوم؛ ربما ليس بما نطمح إليه بعد؛ لكن ليس بالقليل أيضاً، والآن تسارع الدول الكبرى لإنجاز برنامج الجينوم الخاص بمواطنيها، وكان للعالم العربي برنامج أكثر طموحاً وريادةً؛ برنامج الجينوم السعودي الذي بدأ مبكراً ليحتل الصدارة في الشرق الأوسط، ويتخذ مكانةً عالميةً، ويسعى البرنامج رسم خريطة الصفات الوراثية للعرب، وأيضاً الحد والتقليل من الأمراض الوراثية أوراق ومعلومات كثيرة، وملفات مرضى، وعلماء وباحثون في كل مختبر، وبين كل هذا كانت رحلة بوبيولار ساينس - العلوم للعموم داخل برنامج الجينوم السعودي.

الجينوم: الخروج في النهار

لم يكن ليدور بخلد الإنسان أن الكثير من المعلومات والأسرار توجد بداخله، أو للدقة داخل حمضه النووي، ولم يكن ليبحث عن شيء لا يعلمه؛ لكن الصدفة كانت كفيلةً بذلك. القصة بدأت من عند فريدريك ميشر؛ عالم الأحياء السويسري الذي فضل وهو طالب في كلية الطب، أن يلجأ إلى تخصصات لا تحتم عليه التفاعل مع المرضى، بسبب إصابته بإعاقة السمعية، وإضافةً إلى الخجل الذي يلازمه حوّل ميشر وجهته نحو البحث الطبي؛ في الوقت الذي كان العلماء لا يزالون يناقشون فيه مفهوم الخلية، لحسن الحظ كُلف ميشر بمهمة البحث في تكوين الخلايا الليمفاوية - خلايا الدم البيضاء-، وكانت النتيجة أنه اكتشف الحمض النووي في نواة الخلايا، ونُشر بحثه في عام 1871م.
حتى عام 1904، كان العلماء في سباق لاكتشاف ما هو أبعد من معرفة الحمض النووي ، وفي هذا العام، وجد والتر ساتون وثيودور بوفيري أن الكروموزومات تحدث في أزواج متطابقة، وفي عام 1910، حصل ألبرت كوسيل على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء والطب لاكتشافه القواعد الخمس للنيوكليوتيدات، وفي عام 1952، أجرى ألفريد هيرشي ومارثا تشيس سلسلةً من التجارب خلصت إلى أن الحمض النووي -وليس البروتين- هو المسؤول عن حمل الصفات الجينية التي قد تكون موروثةً، وفي عام 1953، اكتشف جيمس واتسون وفرانسيس كريك البنية الحلزونية المزدوجة للحمض النووي. النقلة الأكبر في علم الجينوم كانت في عام 1977؛ حين طور فريدريك سانجر تقنية تسلسل للحمض النووي، ونتج عنها تسلسل أول جينوم كامل لفيروس يسمى phiX174، وفتحت هذه التقنية الباب أمام علم الجينوم. في عام 1980، حصل والتر غيلبرت وبول بيرج على جائزة نوبل لريادتهما في أساليب تسلسل الحمض النووي، وفي عام 1983، حدد جيمس جوسيلا موقع الجين المرتبط بالتسبب في مرض هنتنغتون، وفي نفس العام، طور الدكتور كاري موليس تقنيةً مستخدمةً لتضخيم الحمض النووي؛ والتي تُعرف باسم تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR)؛ وهو نفس التقنية المستخدمة حالياً للكشف عن فيروس كورونا.
لم تنتهِ رحلة اكتشاف علم الجينوم في التسعينات؛ بل استكملت المسيرة، وفي عام 1992، طُورت تقنيات اختبار الأجنة في الرحم للأمراض الوراثية، وقد مكن هذا الآباء والأمهات الحوامل من معرفة ما إذا كان من المحتمل أن يتأثر طفلهم الذي لم يولد بعد بالتليف الكيسي للهيموفيليا.

الجينوم أو من أين تبدأ القصة؟

تحتوي كل خلية في الجسم تقريباً على نسخة كاملة لما يقرب من 3 مليارات زوج أو أحرف من قواعد الحمض النووي DNA؛ التي تشكل الجينوم البشري، ويحتوي الحمض النووي على المعلومات اللازمة لبناء جسم الإنسان بأكمله، ويشير الجين إلى وحدة الحمض النووي التي تحمل التعليمات لصنع بروتين معين أو مجموعة من البروتينات. الجينوم نقطة البداية للدراسات الجينية، وفي مطلع تسعينيات القرن المنصرم بدأ جهد دولي لقراءة التسلسل الوراثي للحمض النووي البشري؛ والذي أُطلق عليه مشروع الجينوم البشري وهو المشروع الذي اكتمل عام 2003، ومكَّن هذا المشروع من اكتشاف جميع الجينات البشرية والمقدرة بحوالي من 20 إلى 25 ألف جين تقريباً داخل 23 زوجاً من الكروموزومات، وجعلها متاحةً لمزيد من الدراسات البيولوجية. لماذا الجينوم؟ الإجابة ببساطة تكمن في أن كل مرض بشري تقريباً له أساس في جيناتنا ، وحتى وقت قريب، كان الأطباء قادرين على أخذ دراسة الجينات في الاعتبار فقط في حالات العيوب الخلقية، ومجموعة محدودة من الأمراض الوراثية مثل فقر الدم المنجلي؛ والتي لها أنماط وراثية بسيطة للغاية، ويمكن التنبؤ بها لأن كلاً منها ناتج عن تغيير في جين واحد؛ لكن الآن يمكن أن تحل الجينات العديد من ألغاز الأمراض وبالأخص الأمراض المستعصية مثل السرطان، أو حتى الأمراض الذي تسببها فيروسات مثل الإيدز.
مع الكم الهائل من البيانات حول الحمض النووي البشري الناتج عن مشروع الجينوم البشري وأبحاث الجينوم الأخرى، يمتلك العلماء والأطباء أدوات أكثرفعالية لدراسة الدور الذي تلعبه العوامل الوراثية المتعددة؛ التي تعمل معاَ ومع البيئة في أمراض أكثر تعقيداَ؛ مثل السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية.
رغم نجاح مشروع الجينوم البشري؛ والذي وصفه العلماء بأنه إنجاز يضاهي وصول البشر إلى القمر، فيما وصفه العالم البريطاني مايكل دكستر بأنه إنجاز أكبر من وضع رجل قدمه على القمر؛ إلا أن التكوين الوراثي للمجتمعات والمواطنين له سمات وعوامل وراثية تختلف من بلد لأخرى، ومن هنا بدأت مختلف دول العالم في التفكير بصنع برامج الجينوم الخاصة بمواطنيها.

هُنا كاكست: 44 عاماً في سبر أغوار العلم

في نهاية العقد الأول وبداية العقد الثاني من القرن الجاري، بدأ ظهور مبادرات الجينوم الوطنية في عدد محدود من الدول التي أدركت أهمية علم الجينوم لحماية مواطنيها من الأمراض. على سبيل المثال؛ بدأ البرنامج الجينوم الهولندي الوطني في عام 2009، بينما بدأ البرنامج الجينوم الوطني للولايات المتحدة الأميركية في 2011، والمملكة المتحدة عام 2013، والمملكة العربية السعودية عام 2013؛ والأخير حمل اسم برنامج الجينوم السعودي الذي تقوده وتنفذه مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية «كاكست».
رحلة كاكست لم تبدأ من برنامج الجينوم السعودي؛ بل بدأت من «المركز الوطني العربي السعودي للعلوم والتقنية»؛ الذي أُنشئ عام 1977م، ليتولى مهمة البحوث العلمية التطبيقية وتقديم المشورة العلمية على المستوى الوطني، ووصولاً إلى المرسوم الملكي بتغيير اسم المركز إلى «مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية «كاكست»»، عام 1985، رحلة طويلة مستمرة في طرق أبواب العلم والبحث العلمي في المملكة العربية السعودية، 44 عاماً كانت كافية لأن تفرض المدينة نفسها في مقدمة المؤسسات العلمية الرصينة في المنطقة، وتشق طريقها بين المؤسسات العلمية العالمية.
كاكست مؤسسة حكومية علمية لها شخصيتها الاعتبارية المستقلة، وتعمل على دعم وتشجيع البحث العلمي للأغراض التطبيقية، وتنسيق نشاطات مؤسسات ومراكز البحوث العلمية في هذا المجال بما يتناسب مع متطلبات التنمية في المملكة، وتتعاون مع الأجهزة المختصة لتحديد الأولويات والسياسات الوطنية في مجال العلوم والتقنية، ومنذ نشأتها ومع دأبها المتواصل تمكنت كاكست أن تكون جزءاً مهماً من منظومة الاقتصاد الوطني السعودي، وشريكاً استراتيجياً في أي مشروع وطني. عملت كاكست مع 15 قطاعاً من قطاعات التنمية في المملكة في مجال البحث والتطوير لتنفيذ برامج ومشروعات علمية في مجالات: الطاقة، والمياه، والتعدين، والنفط والغاز، والمواد المتقدمة، والبناء والتشييد، والصحة، والاتصالات، وتقنية المعلومات، والزراعة، والنقل والخدمات اللوجستية، والعلوم النووية، والفضاء، والطيران، والبيئة. أيضاً تعمل كاكست مؤسسة حكومية علمية لها شخصيتها الاعتبارية المستقلة، وتعمل على دعم على دعم البحث العلمي بالمنطقة العربية من خلال رعاياتها لمشروعات علمية وتقنية بالتنسيق مع عديد من الجامعات والمراكز العلمية بالوطن العربي، إسهاماً منها في دفع عجلة النهضة بالعلوم في العالم العربي إلى الأمام. كل ما سبق دعم كاكست التي اقترحت فكرة إنشاء الجينوم السعودي وفقاً للدراسات العلمية والأبحاث والمستجدات العلمية التي تجريها بصفة مستمرة، إلى أن تثق القيادة السعودية في إدارتها وتنفيذها لمثل هذا البرنامج العملاق والطموح. أدركت القيادة مدى أثر البرنامج في المملكة، والوطن العربي، وأيضاً على الصعيد العالمي، وأدركت كاكست أنها على أعتاب مهمة علمية ثقيلة.

مرحباً بالجينوم السعودي

الجينوم السعودي؛ من أوائل البرامج الوطنية للجينوم في المنطقة العربية ، وسبق برامج الجينوم الوطنية في الشرق الأوسط والعالم العربي سواء في قطر أو الإمارات أو مصر. وأيضاً سبق برامج الجينوم الوطنية في دول كبرى مثل اليابان والصين وسويسرا وعدد من الدول الأوروبية، وإضافةً إلى تلك الريادة؛ اكتسب برنامج الجينوم السعودي أهميةً علميةً وعالميةً، ويُصنف الآن من أبرز مشاريع الجينوم الوطنية العالمية. يمكن للمعلومات الوراثية الخاصة بالمجتمع السعودي أن تُستخدم في عمليات الكشف والتشخيص عن الأمراض الوراثية والوقاية منها، وتحسين طرق العلاج، والكشف المبكر أو قبل الإصابة ببعض الأمراض المزمنة؛ مثل: سرطان القولون والثدي، وأمراض القلب، والأمراض العصبية، بالإضافة إلى الطب الشخصي. يسهم البرنامج أيضاً في مجال مواجهة الأمراض المعدية؛ من خلال دراسة وتحديد العوامل الجينية المسببة لتباين أعراض الإصابة بفيروس كورونا بين السعوديين. يأتي برنامج الجينوم السعودي ضمن مبادرات كاكست لنقل التقنية الحديثة المرتبطة بالصحة وتوطينها ، ويتم تنفيذ هذا البرنامج بالشراكة مع وزارة الصحة، ومستشفى الملك فيصل التخصصي، ومركز الأبحاث بمنطقتيّ الرياض وجدة، ومستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام ومدينة الملك فهد الطبية، ومركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية بالشؤون الصحية للحرس الوطني، وجامعة حائل، وجامعة طيبة.

الجينوم يرحب بوليّ العهد السعودي

يحتاج العلماء والباحثون في كثير من الأوقات لأن يجدوا صدىً لأبحاثهم ومجهوداتهم؛ يحبون أن يُشار إليهم لما يقدمونه من إنجازات، وربما من الصعب أن يحظوا بذلك طوال الوقت، وربما ينفق علماء الكثير من حيواتهم دون أن يحظَوا بذلك، في برنامج الجينوم السعودي كان الوضع مختلفاً تماماً، القيادة السعودية التي تدرك أهمية البرنامج على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي؛ أرادت تحفيز علمائها وباحثيها من الرجال والسيدات، فكانت على موعد معهم في مختبراتهم.
في عام 2018 زار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز؛ نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية كاكست، ووضع حجر الأساس لعدد من المشروعات الكبرى المهمة، ودشن سموه المختبر المركزي للجينوم البشري السعودي، ومثلت زيارته دعماً قوياً وحافزاً للمدينة ومنسوبيها لمواصلة العمل بكل جد ومهنية للإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.

«يفتح مشروع الجينوم السعودي آفاقاً واسعةً لمستقبل الطب في المملكة العربية السعودية وعلى مستوى العالم، ويُمكّن لحقبة طبية جديدة - مازجاً بين البحث والتطوير وتسخير التقنية ووضع السِّياسات التي تدعم الابتكار في التقنيات الناشئة؛ وبذلك يتيح للمرضى والباحثين ومقدِّمي الخدمات ورياديّي الأعمال والشركات الكبرى، العمل معاً لتطوير الرِّعاية الصحية - سواءً الفردية أو المجتمعية» يقول الدكتور منير بن محمود الدسوقي؛ رئيس مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية. ويضيف الدكتور الدسوقي: «إن مستقبل الطب الدقيق سيتيح لمقدِّمي الرعاية الصحية تصميم استراتيجيات العلاج والوقاية وفقاً للخصائص الفريدة للأشخاص؛ بما في ذلك تسلسل الجينوم وتكوين الميكروبيوم والسجل الصحي الإلكتروني ونمط الحياة والنظام الغذائي، ولبلوغ هذه الغاية، فإننا في حاجة إلى دمج العديد من أنواع البيانات الحيوية المتنوعة كبيانات الأيض والميكروبيوم، إضافةً إلى البيانات الصحية التي يتم جمعها عن المريض من قِبل مقدِّمي الرعاية الصحية والمرضى أنفسهم. إضافةً إلى ذلك، فإننا في حاجة إلى أن تكون هذه البيانات الصحية محمولةً وقابلةً للمشاركة بسهولة بين مقدِّمي الخدمات والباحثين، والأهم من ذلك؛ المرضى والمشاركين في الأبحاث، مع المحافظة التامة على الخصوصية وأخلاقيات البحث العلمي». يختتم الدكتور الدسوقي حديثه معنا قائلاً: «نحن على ثقة بأن هذا المشروع الاستراتيجي سيحظى بدعم المعنيين في القطاعين العام والخاص من أجل تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030؛ الساعية لبناء اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي، في ظل الرعاية الكريمة والدعم المتواصل من مقام خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده الأمين -أيدهما الله- لتحقيق وطن طموح».

الدكتور منير الدسوقي، رئيس مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية

نورا: هل يملك برنامج الجينوم حلاً للسرطان؟

الإنسان؛ هذا هو الهدف الأسمى دائماً لأي برنامج وطني، وفي حالة الجينوم السعودي، كانت حماية الإنسان من الأمراض الوراثية هدفاً جلياً. من بين مئات الملفات لمرضى الجينوم السعودي، وجدنا حالةً تستحق أن نروي قصتها.
كانت الطفلة نورا تلعب في غرفتها، وتدلل عرائسها دون أن تعلم ما سبب ذلك الصداع الذي يستوطن رأسها، كانت تلعب وتحاول أن تتناسى الصداع؛ لكنها لم تستطع تجاوز الألم أبداً، ومع تزايد الوجع؛ سقطت الطفلة وهرع أهلها بها إلى المستشفى. «ورم في الدماغ»؛ كانت هذه إجابة الأطباء لأهل الطفلة نورا؛ لكن الجملة التالية كانت أصعب من ذلك؛ قالوا: «ورم أرومي دبقي؛ واحد من أشرس الأورام التي تصيب الأطفال»، وكان الحل الذي يملكه الأطباء لنورا هو الجراحة، وأمام غرفة العمليات؛ أشار الوالدان لابنتهما بالسلامة، وحملوا عروستها ليطمئونها أن كل شيء سيكون بخير وعلى ما يرام، وخضعت نورا للعملية.
عادت نورا إلى منزلها بعد نجاح العملية، لتدلل عرائسها دون صداع، وما هي إلا أشهر قليلة حتى عاد الصداع إلى رأسها رويداً رويداً، وأكدت الفحوصات والأشعة أن الورم عاد لرأسها الصغيرة، وكأنه لم تلمسه يد جراح. قرر الأطباء أن يبحثوا في أصل الورم، أو كيف أصاب نورا؟ وكيف عاد إليها بهذه السرعة؟ وخرج الأطباء بقرر واحد فقط هو دراسة المسببات الجينية المسببة للورم، أو بالأحرى اللجوء إلى برنامج الجينوم السعودي.
نورا كانت لا تزال تتألم؛ لكن خبراء الجينوم السعودي كانوا يدركون جيداً الموقف الصعب الذي باتوا فيه بعد أن تسلموا ملف نورا، فك الخبراء التسلسل الجيني للورم، ودرسوا المئات من الجينات، ووجدوا أخيراً الطفرة المسببة للورم، ولم ينتهِ دور خبراء الجينوم عند هذا الحد؛ بل بحثوا في الدراسات العلمية المتعلقة بهذا الاعتلال الجيني، ووجدوا دواءً مطوراً يمكن أن يُعطى لمثل حالة نورا؛ ولكن الدواء لم يكن متوفراً في الشرق الأوسط بأكمله؛ بل فقط في الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا وألمانيا، وخاض الأطباء معركةً مع الزمن لإنقاذ نورا، ولحسن الحظ أن الدواء جاء قبل أن ينمو الورم، وأخيراً بدأت نورا في تناوله.
95% من الورم المستوطن في دماغ نورا تراجع؛ أو بالأحرى اختفى تماماً، وكان هذا الخبر هو أكثر ما أسعد أهل نورا وهم يأخذونها إلى بيتها، وأسعد أطباءها الذين ودعوها عند باب المستشفى، وأسعد خبراء الجينوم السعودي الذين ساهم عملهم في معرفة أساس الورم؛ وبالتالي علاجه نهائياً، وأنقذوا باكتشافهم حياة نورا.

تقول الدكتورة ملاك عابد الثقفي؛ مدير ومؤسس المعمل الفرعي للجينوم السعودي بمدينة الملك فهد الطبية: «يقوم برنامج الجينوم السعودي بتوليد الأدلة العلمية اللازمة لنقل مفهوم الطِّب الدَّقيق إلى الممارسة السريرية في المملكة ومنطقتنا العربية وعلى الصَّعيد العالمي. وقت مشروع الجينوم السعودي هو الوقت المناسب تماماً بعد استكمال مشروع الجينوم البشري، والانخفاض الكبير في تكلفة تقنيات التسلسل الجيني والتِّقنيات المُحسَّنة في المعلوماتية الحيوية، وتوفر العديد من الأدوات الجديدة لاستخدام مجموعات كبيرة من البيانات على مستوى الصحة السكانية للمملكة العربية السعودية». وتضيف الثقفي: «إنَّ تكثيف الجهود لتطبيق الطَّب الدَّقيق على السَّرطان لدى السعوديين مثلا كما نركز عليه في معمل الجينوم السعودي بمدينة الملك فهد الطبية سيؤدي إلى تجارب سريرية مبتكَرة للأدوية الموجَّهة لسرطانات الأطفال والبالغين، واستخدام العلاجات المُركَّبة، والمعرفة اللازمة للتَّغلب على مقاومة الأدوية. إنَّه نموذج جديد لممارسة الطب يركِّز على المرضى المشاركين، التَّبادل المسؤول للبيانات، وحماية الخصوصية».

الدكتورة ملاك عابد الثقفي - مدير ومؤسس المعمل الفرعي للجينوم السعودي

من أين تأتي الأمراض الوراثية؟

تقديرات منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن حوالي 7.9 مليون ولادة أو 6٪ من مجموع الولادات التي تحدث سنوياً في العالم، تعاني من وجود مرض يرجع لسبب وراثي بشكل كامل أو جزئي، وتشارك دول الشرق الأوسط بجزء غير بسيط من معدلات الأمراض الوراثية عالمياً؛ بما في ذلك الثلاسيميا؛ وهي إحدى أمراض الدم الوراثية، ويشارك الشرق الأوسط بـ 26% من مجموع الولادات السنوية المصابة بها.
الأمراض الوراثية هي أمراض يكون سببها الرئيسي أو الجزئي تغيير في المادة الوراثية، ويمكن أن تحدث بسبب تغيير في جين واحد أو في عدة جينات، أو بسبب مجموعة من المتغيرات الوراثية والعوامل البيئية، بالإضافة إلى أن أي تغيير في عدد الكروموسومات أو هيكلتها يُمكِن أن يؤدي إلى أمراض وراثية.

«برنامج الجينوم يركز على الأمراض الوراثية؛ وهي أمراض صعبة ولا يوجد لكثير منها عقاقير مُعالجة؛ ولكن نتائج البرنامج سوف تكون مهمةً لتقنيات مستقبلية لتعديل الجينات، والتغلب على تحديات تطوير العقاقير» الدكتور أيمن بن عبد العزيز السليمان؛ عالم أبحاث ومستشار وراثي في برنامج الجينوم السعودي.

الدكتور أيمن السليمان: أستاذ مشارك وعالم ابحاث ومستشار وراثي في مستشفى الملك فيصل التخصصي

علمياً فإن جميع الأمراض تقريباً لها مكون وراثي؛ لكن تحدث بعض الأمراض بسبب طفرات موروثة من الوالدين وتوجد في الفرد عند الولادة؛ مثل مرض فقر الدم المنجلي، وتنجم الأمراض الأخرى عن طفرات مكتسبة في جين أو مجموعة جينات تحدث خلال حياة الشخص. على أية حال؛ تبقى الأمراض الوراثية الناجمة عن المتغيرات الموروثة تحدياً صحياً كبيراً لدول الشرق المتوسط، وتساهم بعض العادات المجتمعية والثقافية؛ كزواج الأقارب، بظهور الأمراض الوراثية في هذه الدول بمعدلات مرتفعة.

ليست مستعصيةً؛ هذا هو حال الأمراض الوراثية. تقول الدكتورة بتول الباز؛ مديرة المركز الوطني لتقنية الموروثيات في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية: «يمكن التعامل مع الأمراض الوراثية وإدارة الحالة الصحية للمصابين بها بشكل أفضل بكثير من السابق، وتتطلب هذه المسائل تضافر الجهود من الفريق الصحي؛ المتمثل في الأطباء بمختلف تخصصاتهم، وأخصائيي الوراثة، والمستشارين الوراثيين؛ حيث تتم مشاركة المعلومات بين الجميع، والعمل على خطة مواجهة الحالة المرضية بأفضل طريقة ممكنة».

الدكتورة بتول الباز؛ مديرة المركز الوطني لتقنية الموروثيات في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية

السعودية والأمراض الوراثية

أجرت مجموعة من الباحثين السعوديين دراسةً طويلة ً لتحديد الأمراض الوراثية في المملكة العربية السعودية، واختبر الباحثون ألف عائلة لديهم أنماط ظاهرية من الأمراض الوراثية في مناطق مختلفة في المملكة، وأجروا 1019 اختباراً في الفترة من مارس/آذار وحتى ديسمبر/كانون الأول من عام 2016؛ بما في ذلك 972 اختباراً منفرداً للمتأثرين بأنماط الأمراض الوراثية، و14 اختباراً ثنائياً للوالدين أو الأشقاء المتأثرين فقط، و 33 اختباراً ثلاثياً للآباء، للأطفال المصابين ووالديهم.
ركز الباحثون على الأمراض الوراثية المعروفة؛ مثل الأمراض العصبية، وأمراض الكلى، وأمراض العصبية العضلية، وأمراض المناعة الذاتية، والتمثيل الغذائي، وتأخر القدرات العقلية، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وكذلك أمراض العين الوراثية، والسرطانات الوراثية، توصل الباحثون إلى أن المتغيرات الوراثية المسببة للأمراض الوراثية تنتقل بنمط وراثي متنحي يختلف عن ما سبق توثيقه عالمياً بنمط وراثي سائد، و تمت إضافة 166 متغيراً جديداً للمتغيرات الوراثية المعروفة في الجينات التي تم توثيقها سابقاً كمسبب للأمراض الوراثية ، كما تم ترشيح 75 جيناً جديداً كمسبب للأمراض الوراثية.
إنشاء روابط جديدة بين الجينات والأمراض هو أمر ذو أولوية في أبحاث علم الوراثة والجينوم، لتمكين التشخيص الجزيئي لجميع الأمراض الوراثية في المستقبل القريب، وسمحت هذه الدراسة بمراقبة مجموعة واسعة من الأنماط الظاهرية للأمراض من جميع مناطق المملكة، وتوثيقها ومن ثم استخلاص استنتاجات مهمة حول طبيعة الأمراض الوراثية في المملكة. «حسب الإحصائيات، فإن السعودية تقدر نسبة المصابين بالأمراض الوراثية بـ 8 أضعاف المصابين في دولة مثل اليابان؛ حيث تبلغ النسبة واحداً لكل ألف مولود مصاب بمرض وراثي في السعودية؛ مقارنةً بواحد إلى 8 آلاف باليابان» يقول أيمن السليمان، ويضيف: «وذلك يعني أن مواجهة الأمراض الوراثية في السعودية أمر لا مفر منه، والبدء به أمر مهم، ويعني الكثير للمواطنين السعوديين».

لا أحد ينام في مختبرات الجينوم

شبكة كبيرة من المختبرات الوطنية السعودية تعمل معاً لإنجاز برنامج الجينوم، وتساهم ثورة التقنيات الحيوية المستخدمة في الهندسة الوراثية من اختصار الوقت وإنجاز العمل في البرنامج، وتعمل المختبرات على جمع العينات من مختلف مناطق المملكة، ومن ثم تحليلها بهدف التعرف على المتغيرات الجينية المسببة للأمراض الوراثية في المملكة، وتقدير احتمالية ظهور وتكرار الأمراض الوراثية للفرد والأسرة، وتحسين طرق العلاج؛ عن طريق الكشف عن التركيبة الوراثية للشخص، وإعطاء المريض الدواء المناسب. فريق كبير من العلماء والباحثين السعوديين يعملون معاً في البرنامج، ويقدََر عددهم بأكثر من 100 باحث وباحثة، ويتمثل دورهم في جمع العينات وتحليلها ، واستخراج البيانات الوراثية والجينية، ومن ثم يتم تنقيح وتصفية الكم الهائل من البيانات، وتحديد المتغيرات التي قد تؤثر على صحة الفرد.

«الوقت الزمني الذي يستغرقه جمع وتحليل وقراءة نتائج الجينوم وتشخيصها يعتمد على عوامل عديدة، فهي تختلف من حالة إلى أخرى، و من تحليل إلى آخر» هذا ما أكدته لنا الدكتورة رؤى باسمح؛ المستشار الوراثي في برنامج الجينوم السعودي، وأكدت أن دور الأطباء في البرنامج يتمثل في التواصل مع المصابين بالأمراض الوراثية، وجمع العينات، وطلب إجراء الفحوصات الوراثية، والتشخيص اللازم، ومن ثم تقديم الاستشارات الوراثية بهدف توعية المرضى، وتقديم الدعم لهم، وتضيف: «الباحثون في المختبرات المركزية والمتعاونة يتمثل دورهم في تحليل العينات، والكشف عن المتغيرات الوراثية المسببة للأمراض، ومتابعة سير العمل التحليلي، وأخصائيو المعلوماتية الحيوية يقومون بإنشاء البنية التحتية التقنية والمحافظة عليها، وبناء خطوط تحليل أولية لاستخراج البيانات الوراثية والجينية، وتحويلها لبيانات مقروءة ليتمكن الباحثون من تنقيحها وتصفية الكم الهائل من البيانات، وذلك لتحديد المتغيرات الوراثية التي قد تؤثر على صحة الفرد».

الدكتورة رؤى باسمح؛ المستشار الوراثي في برنامج الجينوم السعودي


وتقول شذى عبدالله الرشيد؛ باحثة وأخصائية استشارات وراثية: «ستوفر البيانات التي سيتم جمعها معلومات قيمة عن التركيبة الوراثية السعودية؛ والتي سيتم استخدامها لتحسين الرعاية الصحية من خلال تطوير العلاجات الشخصية، و التشخيص المبكر بالإضافة إلى تطوير مجموعة متنوعة من برامج الوقاية للأمراض الوراثية؛ وبالتالي تحسين جودة الحياة».

شذى عبدالله الرشيد؛ باحثة وأخصائية استشارات وراثية

كشف الأمراض الوراثية مبكراً

«عصر جديد لصحتنا» هذا هو شعار برنامج الجينوم؛ حيث أن البرنامج الوقائي الذي يعمل عليه برنامج الجينوم السعودي للحد والتقليل من الأمراض الوراثية هو عبارة عن فحص للأشخاص الحاملين/الناقلين للأمراض الوراثية، يكشف هذا الفحص الوراثي عن إذا ما كان الشخص حاملاً/ناقلاً لإحدى الوراثية المسببة للأمراض الوراثية المتنحية الموجودة في المملكة العربية السعودية؛ وذلك بناءً على البيانات التي تم استخلاصها من مشروع الجينوم السعودي.
عبر هذا البرنامج الوقائي يمكن للمواطنين السعوديين المتقدمين للزواج أن يتقدموا لهذا الفحص، ويمكن أن تؤدي نتائج هذا التحليل من معرفة ما إذا كانت هناك احتمالية لإنجابهم طفلاً مصاباً بإحدى هذه الأمراض أو لكونهم حاملين لأي من المتغيرات الوراثية المشمولة في الفحص، ويُعتبر هذا التحليل الجيني الوراثي الأكثر شمولاً في المملكة العربية السعودية؛ والذي سيُمكن الشخص من اتخاذ قرارات مستنيرة تتعلق به وبعائلته المستقبلية.
الأشخاص الحاملون/الناقلون للأمراض الوراثية هم أشخاص غير مصابين بالمرض الوراثي، ولا يعانون بوجه عام من أية أعراض؛ و لكنهم معرضون لاحتمالية إنجاب طفل مصاب بمرض وراثي متنحٍ في حالة زواجهم من شخص حامل/ناقل، و تقدَّر هذه الاحتمالية بنسبة 25% (1 من بين 4 أشخاص) في كل مرة تحمل فيها الأم؛ حيث أن الأمراض الوراثية المتنحية تؤثر على الأفراد المصابين بها وعلى عائلاتهم وعلى المجتمع نفسياً و معنوياً. كما وأن الأمراض الوراثيّة المتنحية التي يتم الفحص عنها هي أمراض مزمنة لا يتوفر لها العلاج في الوقت الحالي وقد تؤثر على جودة الحياة؛ حيث أن بعضها يؤدي إلى الإعاقة و الوفاة في سن مُبكِّر.
«تختلف طرق التعامل مع المتغير الوراثي حسب نوعه ونتائجه على جسم الإنسان، فهناك متغيرات وراثية يمكن التصدي لها عند التعرف عليها في مراحل مبكرة، وعندها يتم التعامل معها بشكل أفضل. على سبيل المثال؛ من الممكن إجراء تحاليل أكثر دقةً عند وجود متغير وراثي قد يشير إلى ارتفاع نسبة الخطورة بالإصابة بمرض معين» تقول بتول الباز، وتؤكد وجود أمراض وراثية يمكن الوقاية من آثارها عند التعرف عليها عند المواليد، عبر تعديلات في نمط حياة الفرد؛ كتعديل نظامه الغذائي في بعض الأمراض الاستقلابية، وتضيف بتول: «لعل من أهم فوائد إجراء التحاليل الوراثية المتخصصة، اختيار العلاج الأكثر فاعليةً والأمثل لبعض علاجات السرطان». وتضيف رؤى باسمح «يهدف الجينوم السعودي لقراءة التسلسل الوراثي للمواطنين السعوديين، وذلك لمعرفة المتغيرات الوراثية والجينية التي تشمل المتغيرات الحميدة والمتغيرات المسببة للأمراض الوراثية؛ وبالتالي سيساعد ذلك على توثيق أول خارطة وراثية سعودية، وبالإضافة إلى ذلك؛ يسعى البرنامج إلى تحديد سمات المتغيرات الوراثية، و نسبة تكرارها في السكان وقاعدة البيانات العامة».

المعلومات الوراثية قبل الزواج

5 سنوات مرت على زواجهم، رُزقا فيها بطفلين؛ لكن تشاء الأقدار أن يكون الطفلان مصابان بإعاقة شديدة، ونفس المرض الإكلينيكي، حين ذهب الزوجان للأطباء، استنتجوا على الفور أن مرض الطفلين له سبب وراثي. كانت مشكلة الزوجين أنهما متخوفان من أي حمل في المستقبل، وكان دور الأطباء أن يتوصلوا إلى تشخيص لتلافي ذلك، ولم يكن هناك سوى حل واحد لدى الأطباء؛ وهو إجراء تحليل الجينوم. أخذ الأطباء عينةً من الطفلين، وأرسلوها إلى برنامج الجينوم السعودي، وهنا بدأ الخبراء في تحليلها لمعرفة الجين المسبب للخلل في هذه الأسرة الصغيرة، وبعد أن فحص الخبراء مئات الجينات، توصلوا إلى المتغير الوراثي المسبب للمرض الوراثي للطفلين، وأرسلوا النتائج إلى الأطباء.
تتجلى رؤية برنامج الجينوم السعودي في تحقيق الريادة العالمية في مجال إجراء الفحوصات الطبية، للكشف عن الأمراض الوراثية والوقاية منها، ويتجلى هذا الهدف في فحص ما قبل الزواج. يقول أيمن السليمان: «يُعتبر هذا البرنامج أحد أهم برامج الفحص الطبي الوراثي ما قبل الزواج، ويشمل أفراد المجتمع الواعدين والمقبلين على الزواج، و يهدف إلى توعية المجتمع، ورفع ثقافته حول خطورة الأمراض الوراثية وفوائد الفحوصات الوراثية في التعامل معها».
وضع الأطباء -بناءً على تحليل الجينوم- أمام الزوجين حلان لمشكلة الحمل في المستقبل؛ الأول هو إنجاب طفل عبر تقنية الأنابيب، ومن خلاله يمكن للأطباء اختيار الجنين غير المصاب بهذه الطفرة الجينية، ومن ثم زرعه في رحم الأم، والحل الثاني هو التشخيص الوراثي خلال الحمل؛ عبر أخذ عينة وفحصها لنفس المتغير الوراثي، وإذا كان الجنين مصاباً؛ سيتمكن الأطباء من وضع حلول مختلفة له، وإذا كان سليماً يُطمئنون الزوجين.
البرنامج يدعم عدة برامج للحد من الأمراض الوراثية؛ ومن أبرزها: برنامج الفحص الطبي قبل الزواج، وفحص الأجنة، والفحص الوراثي للأجنة قبل الغرس، وفحص حديثي الولادة. البرنامج عبارة عن تحليل وراثي يفحص عن 7500 متغير وراثي مسبب لأمراض وراثية متنحية؛ حيث أن هذه الأمراض موجودة في المملكة العربية السعودية و ذلك بناءً على البيانات التي تم استخلاصها من الجينوم السعودي، ونتائج المشاركة في هذا الفحص تُمكِّن الطرفين المقبلبن على الزواج في معرفة ما إذا كانا حاملين/ناقلين لإحدى المتغيرات الوراثية المسببة لأمراض وراثيّة متنحية يقول أيمن السليمان: «من المتوقع أن يحقق الجينوم السعودي قفزةً هائلةً في إثراء برنامج الفحص الطبي ما قبل الزواج، وكذلك فحص المواليد الجدد؛ حيث أصبح بالإمكان إجراء الفحص الطبي حول عدد كبير جداً من الأمراض؛ ما يزيد من لائحة الأمراض التي يتم الوقاية منها في المستقبل».

للجينوم السعودي دور في كورونا

في نهاية عام 2019، ضرب فيروس كورونا الصين، ومن ثم انتقل إلى بقية دول العالم، ولا نزال إلى الآن نعاني من وجود الفيروس؛ لكن ليست كل الدول متضررةً بنفس المقدار، في المملكة كان الوضع أفضل من دول أخرى، وأدى برنامج الجينوم دوراً محورياً في مواجهة الفيروس، ولا يزال يقدم الكثير لدرء أخطار الفيروس.
قدم علماء برنامج الجينوم السعودي دراسةً علميةً لتحديد العوامل الجينية والوراثية المسببة لتباين أعراض الإصابة بفيروس كورونا وشدتها بين السعوديين، عمل الباحثون بالجينوم السعودي بالتعاون مع وزارة الصحة والمراكز المشاركة بجمع العينات وتحليل البيانات لدراسة تلك المتغيرات.
عالية أو درجة منخفضة، والمساهمة في المعرفة العالمية لتباين أعراض فيروس كورونا بين المصابين.

وتضيف أن المملكة انضمت من خلال هذه المبادرة إلى التحالف العالمي لدراسة هذه المتغيرات تحت مسمى: «The COVID-19 Host Genetics Initiative»؛ والتي تضم عدداً من المجموعات العالمية البحثية الرائدة في مجال علم الوراثة والجينات المهتمة بطرح الدراسات الخاصة بالبنية الوراثية للإصابة بهذا المرض المعدي. «انطلقت هذه المبادرة بناءً على اهتمام المملكة في حماية الأشخاص الأكثر عرضة وتأثراً بمرض كوفيد-19، وتطوير الجانب العلمي والصحي والتقدم في مجال الجينوم والمعلومات الحيوية، إضافةً إلى دعم جهود العلماء والباحثين السعوديين في هذا المجال، وخلق بيئة لتعزيز تقاسم الموارد، وذلك لتسهيل أبحاث الجينات المضيفة لدراسة هذا المرض مثل البروتوكولات والاستبيانات، وتنظيم الأنشطة التحليلية عبر الدراسات لتحديد المتغيرات الجينية لقابلية الاصابة وتحديد سبب التباين في شدتها، وتوفير منصة لتبادل النتائج من هذه الأنشطة، فضلاً عن البيانات على المستوى الفردي حيثما أمكن، لإفادة المجتمع العلمي الأوسع». أسفرت جهود خبراء الجينوم السعودي في مكافحة كورونا عن نشر عدة أوراق علمية في مجلات عالمية مرموقة، ولا تزال هذه الدراسة تؤتي ثمارها يوماً بعد آخر.

الدكتورة منال العامري؛ رئيس قســـم الابتكار وريادة الأعمال بمركـــز الملك عبدالله العالمي للأبحـــاث الطبيـــة

تقنيات حديثة وبنية معلوماتية موزعة بعناية

التقنيات الحديثة ساهمت في اكتشافات المتغير الوراثي في حالة نورا، ومن أبرز التقنيات المستخدمة في مرافق تسلسل برنامج الجينوم، تقنية تحديد التسلسل الكامل للجينوم والإكسوم عبر جهاز « 6000NovaSeq»؛ وهو أقوى جهاز تسلسل جيني أطلقته شركة
«Illumina» على الإطلاق؛ والذي يفتح آفاقاً جديدةً لاكتشاف المتغيرات الوراثية النادرة، وتقنية تحديد التسلسل الكامل للإكسوم وحزم الجينات عبر نظام «Ion Proton»؛ وهو نظام لتسلسل الحمض النووي بناءً على اكتشاف أيونات الهيدروجين التي يتم إطلاقها أثناء بلمرة الحمض النووي، ويعتمد البرنامج في هذا النظام على الجيل التالي «S5™ XL» ؛ والذي يقدم تسلسلاً بسيطاً مع أداء موثوق، وسرعة لإنتاج بيانات تسلسل عالية الجودة.
«تساهم الثورة المعرفية المعاصرة، وسهولة وسرعة الوصول إلى المعلومات العلمية الصحيحة من مصادر موثوقة، إلى ارتفاع في مستوى الوعي، والاطلاع على التطورات التقنية في جميع المجالات؛ ومنها إدراك التطورات والتحولات المستحدثة في مجال الصحة». تقول بتول الباز مؤكدةً أن لدى الجميع توجه ورغبة لتحسين جودة الحياة، والتمتع بصحة جيدة، واختيار العادات وأنماط الحياة التي تعزز من صحة الفرد، وتضيف: «يقتضي هذا الوعي الانتباه لكل ما هو جديد ومعاصر، ومن الأفكار الشائعة والمعروفة في الوقت الحالي عن علم الجينوم أنه فك للشفرة الوراثية؛ والتي تخبر الكثير عن الفرد؛ وخصوصاً ما ليس ظاهراً، كما يمكن لهذه الشفرة التنبؤ ببعض المشاكل الصحية قبل حدوثها؛ وبالتالي هناك فرصة للتصدي لهذه المشاكل بشكل مسبق أو الاستعداد لمواجهتها». مع كل هذا الكم من البيانات التي يستخرجها الباحثون من عمليات فك التسلسل الجيني للمشاركين في برنامج الجينوم؛ صممت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بنيةً تحتيةً معلوماتيةً حيويةً لمعالجة آلاف من المتغيرات المسببة لأمراض وراثية؛ التي يتم التوصل إليها سنوياً، وطورت المدينة التصميم ليصبح معيارياً ليسمح بزيادة سعة الأجهزة بأقل جهد، وكذلك يمكّن من توسيع البنية التحتية بمرونة باستخدام مصادر حوسبة سحابية بطريقة تلقائية، أيضاً؛ وُزعت البنية التحتية للمعلوماتية الحيوية في المراكز الوطنية المشاركة التي تتميز كل منها ببنية تحتية ذات قدرات مختلفة، وخطوط تحليل أولية محددة، وعبر الحاسوب المركزي في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية؛ يمكن ربط جميع الوحدات الحاسوبية الطرفية مع بعضها بعضاً؛ بغرض توفير نسخة احتياطية، وأيضاً لاستخدام مهام التحاليل الثانوية. برنامج الجينوم السعودي يرحب بجميع العلماء والباحثين السعوديين من كافة المؤسسات الأكاديمية والعلمية؛ هذا ما أكدته رؤى باسمح بقولها: «لقد تمكن البرنامج من إنشاء شبكات تعاون علمية كبيرة مع عدد من الجامعات والمراكز البحثية الوطنية والعالمية، ومكنت إنجازات البرنامج من أن تكون المملكة العربية السعودية إحدى الدول العشر في (Genome Club 100K)؛ والذي سيضع المملكة في مكانة رائدة عالمياً في مجال البحوث الوراثية والجينية للأمراض والطب الشخصي».

إنجازات متتالية لبرنامج مستمر

حتى الآن؛ تمكن برنامج الجينوم السعودي من فحص أكثر من 60 ألف عينة؛ عمل عليهم أكثر من 30 باحث من مستخدمي قاعدة البيانات، واستطاع الباحثون توثيق 7500 متغير مسبب للأمراض الوراثية والجينية بالمملكة؛ منها 3000 متغير جيني مسبب لأكثر من 1230 مرضاً وراثياً نادراً في المجتمع السعودي. أيضاً؛ لا يزال باحثو الجينوم يعملون ويدشنون حزمات جينيةً جديدةً، حتى الآن؛ تمكن الباحثون من إنشاء 25 حزمة جينية، ونُشرت قرابة 140 ورقة علمية محكمة في مجلات عالمية مختلفة، وبالتعاون مع 8 مراكز وطنية في السعودية، وعُقدت أكثر من 110 محاضرة ومؤتمر علمي لاستقطاب الكوادر السعودية، وتدريبها للمشاركة في برنامج الجينوم السعودي؛ الذي باتت ثماره تُجنى، ولا يزال هناك الكثير ليقدمه.

الجينوم السعودي لا يعمل في منأىً عن المؤسسات العلمية العالمية. يقول الدكتور عبدالعزيز المالك، المشرف العام لدعم البحث والابتكار في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية: «هناك تنسيق عالمي سواء مع الشركات العالمية الرائدة في مجال تطوير تقنيات التسلسل الجيني، وشركات أخرى في مجالات الفحوصات الوراثية»، ويضيف المالك: «هناك أيضاً شراكات مع مشاريع عالمية مشابهة؛ مثل جينوم المملكة المتحدة».

الدكتور عبدالعزيز المالك، المشرف العام لدعم البحث والابتكار في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية


«حلم تحقق لبرنامج جبار» هكذا يصف الدكتور زهير عبدالله رهبيني؛ استشاري أمراض الوراثة و طب الأطفال برنامج الجينوم، يقول: «أهمية هذا المشروع تكمن في إيجاد قاعدة معلومات عن الأمراض الوراثية في المملكة وبالتالي وضع البرامج الصحية الاستراتيجية من ناحية التشخيص والعلاج والوقاية وأيضاً في وضع أولويات الأبحاث الحيوية. إن الكشف المبكر أو قبل الإصابة بالأمراض المزمنة يساعد على وضع الخطط العلاجية المناسبة للمريض وتقليل التكاليف الباهظة في حالة التشخيص المتأخر. كما أن هذا المشروع يساعد في وضع الخطط لبرامج فحص ما قبل الزواج وفحص الأجنة، وفحص حديثي الوالدة حسب بيانات الجينوم السعودي».

الدكتـــور زهير عبدالله رهبيني؛ استشـــاري أمـــراض الوراثة وطب الأطفال برنامج الجينوم


خطط كثيرة يسعى لها برنامج الجينوم السعودي، ويلخص عبد العزيز المالك أبرز هذه الخطط بقوله: «استخدام تطبيقات الذكاء الصناعي، وتعلم الآلة للتشخيص الدقيق للأمراض الوراثية باستخدام مخرجات الجينوم والمعلومات التشخيصية الاخرى، وبناء قاعدة بيانات للأدوية الموجهة، وابتكار وسائل باستخدام طرق النمذجة لاكتشاف أدوية جديدة حسب المتغيرات الوراثية والجينية الشائعة، وإنشاء قاعدة بيانات لوظائف المتغيرات الوراثية المكتشفة لدى السعوديين، إنشاء قاعدة بيانات لجينوم الأورام السرطانية لدى السعوديين الموجودة والنادرة لدى الأطفال والبالغين، وإنشاء قواعد بيانات للجينوم في مشاكل الصحة العامة والأمراض المزمنة لدى السعوديين؛ مثل أمراض السكري والسمنة وغيرها، وتطوير البنية التحتية ووسائل التشخيص في مجالات المعلوماتية الحيوية».


إعداد: إسلام عبدالوهاب