ما الذي يمنعنا من توسيع نطاق توليد الطاقة الحيوية؟

ما الذي يمنعنا من توسيع نطاق توليد الطاقة الحيوية؟
يعتمد كلٌّ من توفّر الكتل الحيوية ومخزوننا منها على المناخ. رون لاتش على موقع بيكسلز
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

أصبحت الاستفادة من الطاقة الخضراء مثل الطاقة المائية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى. مع ذلك، فإن مصادر الطاقة الثلاثة هذه ليست مصادر الطاقة المتجددة الوحيدة. كانت نسبة استهلاك طاقة الكتل الحيوية في الولايات المتحدة في عام 2021 أكبر مقارنة بالطاقة المائية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية.

يشير تعبير الكتلة الحيوية إلى المواد العضوية المتجددة الموجودة في النباتات والحيوانات، والتي تتضمن الخشب ومخلّفات معالجة الأخشاب، والمحاصيل الزراعية وروث الحيوانات وغيرها. يمكن أن تساهم موارد طاقة الكتل الحيوية في تلبية الطلب على الطاقة. وعلى عكس مصادر الطاقة المتجددة الأخرى، يمكن تحويل طاقة الكتل الحيوية إلى الوقود الحيوي بشكل مباشر، والذي يمكن استخدامه في وسائل النقل.

في عام 2021، أنتجت الولايات المتحدة نحو 79.5 مليار ليتر من الوقود الحيوي. وعلى الرغم من أن استخدام طاقة الكتل الحيوية قد يكون مثيراً للجدل في بعض الحالات، فمن المتوقع أن يزداد الطلب عليه بنسبة 28% بحلول عام 2026. مع ذلك، فإن المواد الأولية التي تتألف منها الكتل الحيوية ليست منيعة ضد تأثيرات التغيّر المناخي.

التغيّر المناخي يمثّل خطراً مباشراً على مصادر الكتل الحيوية

في النهاية، يجب أن تنمو النباتات لكي تتشكّل الكتل الحيوية. بمعنى آخر، يعتمد كل من توفّر الكتل الحيوية ومخزوننا منها على المناخ.

يقول فيكتور أوجور (Victor Ujor)، الأستاذ المساعد لعلوم الغذاء في جامعة ويسكونسن ماديسون: "يمثّل كل من ازدياد الجفاف وارتفاع درجات الحرارة خطراً على نمو المحاصيل، ما سيؤثر سلباً على إنتاجية المواد الأولية للكتل الحيوية الزراعية"، ويضيف: "نتيجة لانخفاض معدل هطول الأمطار في معظم مناطق العالم، سينخفض معدل نمو النباتات وستقل كمية المحاصيل بشكل كبير، وذلك إذا استمر هذا الانخفاض على هذا النحو.

إلى جانب انخفاض كمية المخلفات الزراعية التي يمكن استخدامها ككتل حيوية، يمكن أن يؤدي انخفاض كمية المحاصيل إلى تحويل المزيد من الأراضي غير الزراعية إلى أراضٍ لزراعة المحاصيل الغذائية. يقول جيمس كلارك (James Clark)، أستاذ الكيمياء في جامعة يورك في إنجلترا، إن ذلك يمكن أن يؤدي إلى انخفاض كمية الكتل الحيوية غير الزراعية وزيادة استخدام الأسمدة.

ازداد أيضاً عدد حرائق الغابات وأصبحت أكثر اتساعاً وشدّة وانتشاراً بسبب التغيّر المناخي. ووفقاً لأوجور، يمكن لهذه الحرائق الكبيرة أن تدمّر الكتل الحيوية النباتية الموجودة في الغابات، والتي يستغرق معظمها وقتاً أطول للنمو.

عموماً، يهدد تفاقم التغيّر المناخي توفر الكتل الحيوية، ما يؤثر على إمدادات أنواع الوقود الحيوي وفعالية إحدى تكنولوجيات الانبعاثات السلبية التي تحمل اسم توليد الطاقة الحيوية مع احتجاز الكربون وتخزينه (أو تكنولوجيا بي إي سي سي إس اختصاراً). يشير تعبير تكنولوجيات الانبعاثات السلبية إلى أي تكنولوجيا تم تطويرها لإزالة ثنائي أوكسيد الكربون من الجو أو احتجازه.

يتم تطبيق تكنولوجيا بي إي سي سي إس لاستخراج الطاقة من الكتل الحيوية من خلال عمليات الاحتراق أو المعالجة. ما يمكن أن يتسبب بإنتاج غاز ثنائي أوكسيد الكربون نتيجة لأن النباتات تمتصه من الجو مع نموها. مع ذلك، يتم احتجاز هذه الانبعاثات وتخزينها من خلال عملية تحمل اسم العزل الجيولوجي، والتي تنطوي على تخزين ثنائي أوكسيد الكربون في التكوينات الجيولوجية تحت الأرضية لمنع إطلاقه في الجو. منذ عام 2019، طبّقت 5 منشآت حول العالم تكنولوجيا بي إي سي سي إس وقامت بتخزين نحو 165 ألف طن من ثنائي أوكسيد الكربون سنوياً.

وفقاً لدراسة جديدة نُشرت في مجلة نيتشر، قد تنخفض فعالية تكنولوجيا بي إي سي سي إس في المستقبل نتيجة لتأثير التغيّر المناخي على كمية المحاصيل والمواد الأولية للكتل الحيوية. بالتالي، يحاجج مؤلفو هذه الدراسة أنه يجب تطبيق هذه التكنولوجيا عاجلاً وليس آجلاً.

يقول كلارك، والذي شارك في هذه الدراسة، إنه إذا تم تطبيق استراتيجيات تخفيف الانبعاثات العالمية وتكنولوجيا بي إي سي سي إس على نطاق واسع في عام 2040، قد يبلغ الارتفاع في درجة الحرارة العالمية الناجم عن الاحتباس الحراري 2.5 درجة مئوية بحلول عام 2050 وقد يصل إلى 2.7 درجة مئوية بحلول عام 2100.

يضيف كلارك قائلاً إنه لا يمكن تحقيق أهداف مؤتمر باريس، والتي تنص على أن الارتفاع في درجات الحرارة يجب أن يكون أقل من درجتين مئويتين بحلول عام 2100، إلا من خلال استخدام هذه الاستراتيجيات على نطاق أوسع بكثير بحلول عام 2030. يؤكّد مؤلفو هذه الدراسة أن هناك حاجة ملحّة لتطبيق تكنولوجيا بي إي سي سي إس في المستقبل القريب للتخفيف من آثار التغيّر المناخي وتجنّب الوقوع في الأزمات الغذائية الخطيرة، وذلك ما لم يتم تطبيق تكنولوجيات الانبعاثات السلبية الأخرى للتعويض عن الانخفاض في فعالية هذه التكنولوجيا.

استخدام الطاقة الحيوية قد يكون خطيراً، حتى عند ترافقه مع آليات احتجاز الكربون

إذا كانت تكنولوجيا بي إي سي سي إس فعّالة في التخفيف من انبعاثات ثنائي أوكسيد الكربون في الجو، ما الذي يمنع تطبيقها على نطاق واسع اليوم إذاً؟

يقول أوجور إن التكلفة قد تكون العامل الأهم، وإننا نحتاج إلى القيام باستثمارات كبيرة في مجال الأبحاث لتطوير آليات فعّالة من ناحية التكلفة لتطبيق هذه التكنولوجيا. تبين التقديرات أن هذه التكنولوجيا قد تكلف ما يصل إلى 200 دولار لكل طن يتم عزله من ثنائي أوكسيد الكربون. هذه تكلفة مرتفعة مقارنة بإحدى تكنولوجيات الانبعاثات السلبية الأخرى التي تحمل اسم الاحتجاز الهوائي المباشر مع تخزين الكربون، والتي يمكن أن تتراوح تكلفتها بين 94 دولاراً و232 دولاراً تقريباً لكل طن يتم عزله من ثنائي أوكسيد الكربون من الجو.

يقول أوجور: "إن تكلفة احتجاز ثنائي أوكسيد الكربون وتخزينه وضغطه هائلة"، ويضيف: "حالياً، لا تسمح العوامل الاقتصادية بتطبيق هذه التكنولوجيا على النطاق الواسع الذي نحن بأمس الحاجة إليه".

بالإضافة إلى ذلك، يقول أوجور إن تكنولوجيا بي إي سي سي إس تعتمد بشكل أساسي حالياً على الوقود الأحفوري كمصدر للطاقة. لذا قد لا يكون من المجدي إطلاق كميات إضافية من ثنائي أوكسيد الكربون في الجو بهدف احتجازه وتخزينه. قد يكون من الضروري أولاً إيجاد مصادر أخرى للطاقة مختلفة عن الوقود الأحفوري.

هناك أيضاً عقبات فنية مثل التخزين الآمن لثنائي أوكسيد الكربون على وجد التحديد. يعتبر أمان موقع التخزين عاملاً بالغ الأهمية لأن تسرّب هذا الغاز عالي التركيز يمثّل خطراً على السلامة العامة والنظام البيئي للموقع ومناخ الأرض. يقول أوجور إنه يجب إجراء دراسات مفصّلة لتحديد مدى كفاءة وأمان تخزين ثنائي أوكسيد الكربون دون التسبب بالضرر للبيئة.

مع ذلك، تعتبر تكنولوجيا بي إي سي سي إس مثيرة للجدل نتيجة للمخاوف المتعلقة بإمكانية توسيع نطاق تطبيقها بشكل مستدام. وفقاً لنثنائيل غرين (Nathanael Greene) من مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية، إن مساحة الأراضي وكمية الماء والمغذّيات اللازمة لإنتاج ما يكفي من الكتل الحيوية قد تمثّل خطراً على التنوع الحيوي وإمدادات المياه وتوازنات المغذّيات.

بناءً على نماذج التقييم المتكاملة، قد يتطلب تطبيق تكنولوجيا بي إي سي سي إس على نطاق واسع بهدف خفض الارتفاع في درجات الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية استخدام نحو 25% إلى 80% من الأراضي الزراعية في العالم. وفي الوقت نفسه، فإن زراعة المحاصيل التي يمكن توليد طاقة الكتل الحيوية منها لاستخدامها في المشاريع القائمة على تكنولوجيا بي إي سي سي إس بهدف تحقيق أهداف مؤتمر باريس قد تتطلب أكثر من ضعف كمية المياه التي تستهلك حالياً في الري لإنتاج الغذاء.

نظراً للتأثير المحتمل لهذه التكنولوجيا على الموارد والتنوع الحيوي، يجب أن يتم تطبيقها في بعض الظروف الخاصة التي تكون مفيدة فيها. على سبيل المثال، قد يتم تعويض كمية الكربون التي تمت إزالتها من الجو بتطبيق هذه التكنولوجيا إذا تم تغيير استخدام عدد كافٍ من الأراضي بهدف تحقيق الأهداف المناخية التي تنص على أن الارتفاع في درجة الحرارة العالمية يجب أن يكون أقل من 1.5 درجة مئوية.

عندما يتعلق الأمر بالمحاصيل التي يمكن استخدامها لتوليد الطاقة الحيوية (أو محاصيل الطاقة الحيوية)، هناك أيضاً خطر يتمثّل في تخصيص الأراضي القابلة للزراعة لاستخدامات لا تتعلق بزراعة المحاصيل الغذائية. يقول جورج مونبيوت (George Monbiot)، كاتب في صحيفة ذا غارديان: "إذا تم استخدام المواد الغذائية لتشغيل السيارات أو توليد الطاقة الكهربائية أو تدفئة المنازل، فسيتسبب ذلك إما بسلب الغذاء من البشر أو إتلاف الأنظمة البيئية؛ إذ إن الأراضي القابلة للزراعة ستتوسع لتلبية الطلب المتزايد".

يقول أوجور إنه يمكن التخفيف من هذه الآثار السلبية من خلال استخدام الأراضي التي كانت تستخدم للتعدين السطحي لزراعة محاصيل الطاقة الحيوية، بالإضافة إلى الاستمرار في تطوير الاستراتيجيات وتصميم منشآت توليد الطاقة ذات الكفاءة العالية. يقول أوجور: "نحن بحاجة إلى تطوير تكنولوجيات زراعية تتيح لنا زراعة المزيد من المحاصيل باستهلاك كمية أقل من الموارد"، ويضيف: "إن زراعة وهندسة المحاصيل التي تنتج عائداً أكبر وتتطلب كمية أقل من المياه والأسمدة لها أهمية خاصة في هذه المساعي، سواء استُخدمت في توليد الطاقة الحيوية أو كغذاء".