ما هو الكورتيزون وكيف نجح العالِم فيليب هنش في اكتشافه؟

الكورتيزون
حقوق الصورة: شترستوك.
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تفرز الغدة الكظرية في جسم الإنسان طيفاً متنوعاً من الهرمونات، منها الستيروئيدات القشرية المعدنية كالـ "ألدوستيرون" المسؤول عن المحافظة على نسب الشوارد في الجسم، ومنها الهرمونات العصبية (الكاتيكولامينات) كالـ "أدرينالين" و"النورأدرينالين" المتحكمان بالوظيفة الودية للجهاز العصبي اللاإرادي، كما أنها تفرز الهرمونات الجنسية "الأندروجينات" بدءاً من سن البلوغ، بالإضافة إلى الستيروئيدات القشرية السكرية كالـ "كورتيزون" والتي تعد أهم الهرمونات البنائية التي تفرزها هذه الغدة.

ما هو الكورتيزون؟ وما هي وظائفه؟ 

الكورتيزون هو مركب عضوي، له الصيغة الكيميائية C21H2805، يُفرز طبيعياً في جسم الإنسان، بالإضافة لتوفره بشكل اصطناعي كأحد أهم الأصناف الدوائية. 

للكورتيزون عدة وظائف مهمة بالجسم، نذكر منها:

  • دور مناعي يتجلى بتثبيط الاستجابة المناعية الطبيعية للجسم، بالإضافة لدوره المهم في التقليل من الأعراض التحسسية كالوذمة الوعائية والطفح الجلدي وضيق التنفس، لذلك يُعتبر الشكل الدوائي منه من أدوية الخط الأول عند حدوث الصدمة التحسسية.
  • دور بنائي مُنظم لعملية الاستقلاب، وذلك من خلال رفعه لمستويات الغلوكوز في الدم، الأمر الذي يؤثر على استقلاب كل من البروتين والكربوهيدرات والدسم، لذلك يستخدمه لاعبو كمال الأجسام كأحد الهرمونات البانية التي تساعدهم في الحصول على كتلة عضلية كبيرة في وقت قصير، إلا أن هذا الاستخدام غير مشروع طبياً وله مخاطر عديدة.
  • يُسمى الكورتيزون بـ "هرمون الشّدة" لأنه يفرز بمستويات عالية عند مواجهة المواقف المثيرة للقلق والتوتر، مثل التحضير لإنجاز اختبار أو أثناء الطيران حتّى.
  • للكورتيزون دور معزز لصحة القلب والأوعية الدموية، كما يُستخدم كعامل مضاد للالتهاب، نظراً لدوره في تثبيط العملية الالتهابية والحد منها.

اقرأ أيضاً: لماذا يسبب نبات اللَّبْلاب السام حكّةً خطيرة؟

دواعي استخدام الكورتيزون الطبية

الكورتيزون هو الدواء المُفضل لأطباء الجلدية وأمراض المناعة الذاتية، فكثيراً ما يوصف في عياداتهم كأحد أهم الأدوية المثبطة للمناعة والمضادة للحساسية، ولكن لا يقتصر طيف تأثيره على هذه الأعضاء فقط، فله استطبابات متعددة نذكر أهمها:

  • الصدمة التأقية التحسسية.
  •  الطفح الجلدي مثل الشري.
  •  الأمراض الصدرية مثل الربو والتهاب القصبات المزمن والحساسية الصدرية.
  •  الأمراض العصبية كالتصلب الجهازي المتعدد.
  •  أمراض المناعة الذاتية كالذئبة الحمامية الجهازية والتهاب المفاصل الرثياني.
  •  أمراض الأمعاء الالتهابية مثل داء كرون والتهاب الكولون التقرحي.
  • أمراض عوز الهرمونات مثل داء إديسون "قصور قشرة الكظر".

اقرأ أيضاً: بين سمير غانم والهند: كل ما تريد معرفته عن الفطر الأسود

تاريخ اكتشاف الكورتيزون 

استخدمت الستيروئيدات القشرية السكرية لأول مرة في القرن الثامن عشر، حيث استخدم الطبيب الإنجليزي "ويليام ويذرنغ" مركب الديجتال المُستخلص من أوراق نبات قفاز الثعلب لعلاج الوذمة والالتهاب، واستمر استخدامه كأحد الأدوية الطبيعية مجهولة التركيب حتى أواخر القرن التاسع عشر، بعد ذلك ازدادت الدراسات والأبحاث النوعية حول ماهية المادة ذات التأثيرات العلاجية.

اكتُشف الكورتيزون على يد العالم "فيليب هنش" الذي لاحظ وجود مركب، أطلق عليه عندئذ "المادة المضادة للرثياني إكس"، هذا المركب كان قادراً على إحداث حالة من الهجوع عند مريض التهاب المفاصل الرثياني المصاب باليرقان، فقرر العالم أن يُكرّس نفسه لاكتشاف طبيعة هذه المادة.

لاحظ هنش أن حالات الهجوع المرتبطة باليرقان حدثت بشكل متكرر عند النساء كما هي عند الرجال، وعندئذ شك بأن "العامل إكس"، وإن كان هرموناً، يجب أن يكون موجوداً لدى كلا الجنسين، الأمر الذي دفعه إلى التفكير في أنظمة الغدد الصم المشتركة لدى الجنسين. كما قارَبَ العالم هنش تشابُه الإرهاق الذي ظهر في مرضى التهاب المفاصل الرثياني مع إرهاق مرضى داء إديسون "قصور قشرة الكظر"، وهذا ما دفعه إلى توجيه أبحاثه نحو الغدة الكظرية لدراستها بشكل أعمق.

وبعد المراقبة الدقيقة للملاحظات الاستنتاجية التي توصل إليها العالِم هنش، وبمساعدة الباحث "إدوارد كيندال"، تم توجيه الجهود للتعمق بشكل أكبر في البحث عن تركيب هرمونات القشرة الكظرية، ووجد العالمان نتائج مثيرة حول اكتشاف عدد من المركبات الهرمونية والتي سُميت بالمركبات "A و B و E". كان المركبان A وB غير فعالين نسبياً، إلا أن المركب E أظهر نتائج واعدة وفعّالة وذلك في 21 سبتمبر/أيلول من عام 1948، وكان هذا المركب هو الكورتيزون.

بقيت هذه الدراسة سرّية إلى حد ما، إلى أن تم الإعلان عنها في المؤتمر الدولي السابع للأمراض الرثيانية في عام 1949، وأُعجب العلماء بهذا الاكتشاف فشكلوا فرق بحثية مكونة من عدد من الأطباء وعلماء الكيمياء الحيوية الذين قرروا التحقيق في الأهمية السريرية للكورتيزون ودوره العلاجي في التهابات المفاصل الرثيانية.

اقرأ أيضاً: هيدروكسي وديكساميثازون: علاج يذهب وآخر يأتي وكورونا مستمر

العوائق التي واجهها العالم هنش 

بعد طرح الكورتيزون كدواء، تطورت في الولايات المتحدة الأميركية تداعيات طبية واجتماعية خطيرة نظراً للنتائج التي حدثت بعد إيقاف علاج المرضى بالكورتيزون، فالمرضى الذين تراجعت أعراضهم بشكل كبير بعد العلاج بالكورتيزون لم يكونوا مستعدين للانتكاس بعد نفوذ الإمدادات منه، وأصبحوا معتمدين عليه بشكل كلي. إضافةً إلى ذلك، كان لإيقاف الكورتيزون المفاجئ تأثيراً سلبيّاً على الجسم، حيث دخلت أجسام المرضى بحالة من قصور الغدة الكظرية الحاد، وبالمقابل، أدت الجرعات الزائدة غير المدروسة من الكورتيزون إلى حدوث آثار جانبية مدمرة.

وجد العلماء أنفسهم أمام مادة ذات تأثيرات شافية، إلّا أنها خطيرة بنفس الوقت، ولذلك تم تنظيم دراسة تجريبية بريطانية عام 1954، كان الهدف منها دراسة فوائد الكورتيزون على 61 مريضاً مصاباً بالتهاب المفاصل الرثياني، إلّا أن أحد أهم أهدافها كان المعرفة الدقيقة بكيفية بدء العلاج بالكورتيزون وكيفية سحبه من الجسم بطريقة تدريجية لا تخل بالتوازن الهرموني لأنظمة الغدد الصم لجسم الإنسان، ونجحوا بعد ذلك. فكان الكورتيزون عندئذ ثورة طبية وأحد أعظم الاكتشافات التي ما زلنا ننعم بآثارها الإيجابية إلى يومنا هذا.