Reading Time: 6 minutes

في عام 1823 استعدّ «جون وارن»؛ كبير الجراحين في مستشفى ماساتشوستس العام، لتشريح مومياءَ مصرية عمرها 2500 عام. اعتقد وارن أن فحص المومياء -وهي هدية من أحد الرعاة وُضعت في جناح الجراحة بالمستشفى لجمع المال- من شأنه أن يعزز معرفتنا بالعصور القديمة، وبعد أن بدأ في قص أغطية الكتان القديم بعناية، توقّف. كشف وارن عن رأس أسود؛ ولكنه محفوظ بشكلٍ رائع: عظام وجنتان مرتفعة، وخصلات من الشعر البني، وأسنان بيضاءُ متلألئة. كما روى وارن لاحقاً؛ كان هذا شخصاً، و«لعدم استعداده للعبث به»، توقف عند هذا الحد.

انتقالاً إلى أكتوبر/ تشرين الأول العام الماضي، عندما كانت الصحافة حاضرةً حين كشف علماء الآثار المصريون عن أول مومياء من مخبأ يحتوي على 59 مومياء تم اكتشافها مؤخراً ليراها العالم بأسره، كاشفين عن جثة ملفوفة بشكلٍ مثالي. انتشر تسجيل فيديو الحدث، وتبعته ردود كثيرة على موقع تويتر. كتب أحد المستخدمين في تغريدة حصدت ما يقرب من ربع مليون إعجاب: «حتى في حالة الموت، لا يمكن للملونين الهروب من التطفل والاستغلال الانتهازي للبيض».

إن التساؤل عمّا إذا كان عرض المومياوات المصرية القديمة أمراً غير لائق أو فظيعاً أو غير محترم أو حتى عنصرياً، أو ما إذا كان مساهمة نبيلة في العلم والتعليم، قد عكّر صفو عروض المومياء منذ أن أمسك وارن مشرطه منذ ما يقرب من 200 عام، وقد أدّى تركيز حركة «بلاك لايفز ماتر» على قضايا الملكية الثقافية والاستيلاء الثقافي، إلى تعظيم المعضلة الأخلاقية المستمرة التي تواجهها المتاحف والخبراء الذين يدرسون المومياوات.

المشكلة تخص المنتديات الأكاديمية والأوراق العلمية؛ لكن نتائجها حقيقية – سواء في مصر أو خارجها. تقول «باميلا هاتشفيلد»؛ الرئيسة السابقة للمعهد الأميركي لحفظ الأعمال الفنية؛ وهي جمعية احترافية تتألف من مجموعة من أخصائيي حماية الأعمال الفنية: «إنه موضوع نقاش ضخم في مجالنا في الوقت الحالي».

اقرأ أيضاً: أنفاق وممرات مخبأة بعناية: كشف أسرار الهرم المصري العائم

موكب المومياوات الملكية

في أبريل/ نيسان الماضي، شاهد العالم 22 مومياء ملكيةً يتم نقلها إلى متحفٍ جديد (المتحف القومي للحضارة) في عرض فخم في شوارع القاهرة. حسب أحد التقديرات، فإن هناك ما لا يقل عن 350 مؤسسة حول العالم تعرِض مومياوات مصرية، وهذا الافتتان الدائم بالمملكة الفرعونية القديمة جعل هذه العروض عامل جذب حاسم للمتاحف؛ ما وضع العلماء والقائمين على المعارض في وجه أسئلة محفوفة بالمخاطر على نحو متزايد مثل:

هل يجب إعادة تغطية المومياوات التي أُزيلت لفائفها من الكتّان لمراعاة الحساسيات المختلفة؟
هل يجب وضع الجسد بكل ما يحيط به في تابوته مجدداً؟
هل يجب أن يكون التابوت مفتوحاً أو مغلقاً، أو يُنزع من العرض تماماً؟

بالنسبة لـ «هبة عبد الجواد»؛ عالمة المصريات في القاهرة، فإن فكرة عرض المومياوات والرّفات البشري «مزعجة»؛ لكنها -ما تقول- لا تستطيع التحدّث نيابةً عن جميع المصريين، كما يجب مراعاة وجهات النظر المختلفة. تقول عبد الجواد: «كوني خبيرةً أو متخصصةً لا يعني أن عليّ أن أملِي على الناس كيف يجب أن يشعروا تجاه أسلافهم، أو حتى إذا كانوا يعتبرونهم أسلافهم أم لا».

متحف كلية التصميم في مدينة «بروفيدنس» في ولاية رود آيلاند، هو من بين المتاحف الأميركية التي أعادت النظر في كيفية عرض المومياوات في السنوات الأخيرة. كان المتحف يحتوي على كاهن محنّط يبلغ من العمر 2100 عام يُدعى «نسمين» منذ عام 1938. كان ملقىً ملفوفاً بجوار نعشه، وكان يتلقّى زيارات من رحلات طلاب الصف السادس الميدانية؛ لكن في أبريل/ نيسان في عام 2014، نُقل نسمين إلى قاعة مركزية، وسرعان ما أصبح محور نقاش حول كيفية التعامل مع التاريخ العرقي والثقافي.

وصف بعض النقاد عرض هذا الكاهن بأنه غير محترم، أو حتى مسيء. في عام 2016، عقد المتحف مناقشةً عامة. قالت باحثة من أصول مصرية: «شعرت بالدهشة بسبب رؤية أحد أسلافي معروضاً بهذه الطريقة». قدّمت هذه الباحثة بعض التراتيل ووقفت في لحظة صمت، وقالت أنها «تريد إحضار الزهور» إلى المومياء العجوز.

بعد تفكير طويل؛ أعاد موظفو المتحف نسمين برفق إلى تابوته في أغسطس/ آب 2018، ثم أغلقوا الغطاء، وأعادوا المومياء إلى الظلام الأبدي.

يقول المدافعون عن هذه الأفكار أن المومياوات لم توافق على عرض أجسادها على الملأ، وأن الاحترام الثقافي يتطلب إبعادها عن الأنظار. يجادل خبراء آخرون بأن المصريين القدماء اعتنقوا فكرة اتحاد الموت والحياة، وأن الموتى تم تحنيطهم لإعطاء الروح جسداً؛ وبالتالي كانوا ليرحبوا ببعض التفاعل الحديث مع الأحياء؛ لكن هذه الحجج تتعارض مع الدفع الحالي تجاه إبداء قدر أكبر من الحساسية الثقافية.

تقول «جاسمين داي»؛ باحثة ورئيسة جمعية مصر القديمة في غرب أستراليا في مدينة بيرث: «الجميع يخاف من التعبير عن آراءهم»، وتضيف أن الاعتراضات على عرض المومياوات تأتي من «الأشخاص الذين يشعرون بالإهانة كموضة». تفيد داي أيضاً بأنها «قلقة لسماعها عن موجة المحافظة وكره المخاطرة التي تجتاح عالم المتاحف».

يؤكد بعض النقاد أن العنصرية متجذّرة في ممارسة تجميع الآثار التي يسيطر عليها البيض. جلب المستكشفون البيض وجامعو الآثار وعلماء الآثار المومياوات بالمئات من مصر في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ على الرغم من أن العديد من المومياوات تم إيجادها على يد غزاة المقابر المصريين، أو تم شراؤها من السلطات المصرية.

أفاد سائح فرنسي في عام 1833 أن العودة من مصر «لن تكون أمراً يستحق الاحترام بدون مومياء في يدّ، وتمساح في اليد الأخرى».

تابوت الكاهن نسمين

بعد مناقشة مجتمعية كبيرة، قررت إدارة متحف كلية التصميم في ولاية رود آيلاند إعادة مومياء الكاهن نسمين إلى تابوتها. الصورة: صندوق تمويل متحف كلية التصميم في ولاية رود آيلاند، وصندوق «ماري بي جاكسون» للتمويل.

عند مدخل متحف «جونز هوبكنز» الأثري في ولاية بالتيمور، ترقد أنثى غير مغلفة جزئياً تُدعى «مومياء غاوتشر» بذراعين متصالبتين على صدرها. في عام 2008، قالت «سانشيتا بالاشاندران»؛ المديرة المساعدة والمحافظة في المنشأة، أنها عملت لأسابيع لمحاولة جعل حالة المومياء مستقرة. تقول بالاشاندران: «لقد قضيت الكثير من الوقت معها فقط»، وطوّرت «علاقةً شخصية مع إنسان، مع شخص!». نتيجةً لذلك؛ تقول بالاشاندران أن مشاعرها تطورت تجاه العرض العلني للمومياء.

تقول بالاشاندران: «أعتقد أن الناس ينزعجون جداً من مقابلة شخص حقيقي يرقد في مكانٍ ما ببساطة»، وتفيد أيضاً بأنها تشعر بمشاعرَ متضاربة بشأن العرض وأصبحت تدريجياً تحمي مومياء غاوتشر بشكلٍ مبالغ به. تقول أيضاً أنه قبل أن تغلق جائحة كوفيد-19 المتحف، «اعتاد الناس على الدخول والتقاط صور شخصية مع المومياء. وكنت أقول لهم: لم تمنحكم هذه المومياء موافقتها على التصوير، لذلك لا يمكنكم فعل ذلك».

يقول الناشطون والباحثون الذين يطالبون بالتغيير إن المومياوات استُخدمت كأدوات قبل المتاحف؛ والتي تعاملها على أنها قطع أثرية. في الواقع؛ على الرغم من إدراك وارن في القرن التاسع عشر بأن المومياء -المسماة «باديهيرشيف»– والتي كانت تحت رعايته- كانت إنساناً؛ إلا أن الجثة لا تزال في علبة زجاجية في جناح الجراحة القديم بالمستشفى، ولا تزال برأس غير ملفوف تحدّق في السماء إلى الأبد.

اقرأ أيضاً: الآثار المصرية تكشف عن كنز جديد: توابيت عمرها 3 آلاف عام وألعاب وآبار

النظرة الأخلاقية للمومياوات

في الولايات المتحدة، بدأت النظرة الأخلاقية للمومياوات تتغير بعد حركة الحقوق المدنية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وأصداؤها المتعلّقة بالأميركيين الأصليين. في عام 1990، طالب قانون «حماية قبور الأميركيين الأصليين وإعادتهم إلى الوطن» بإعادة رفات السكان الأصليين إلى القبائل في الولايات المتحدة. بعد ذلك؛ بدأ مسؤولو المتحف ينظرون بنظرة يسودها عدم الارتياح إلى المصريين في مقتنياتهم. تقول «جينا بوروميو»؛ كبيرة أمناء وأمينة الفن القديم في متحف كلية التصميم في ولاية رود آيلاند: «عندما تبدأ في التفكير في الأمر تتسائل: ما هو الفرق بين رفات الأميركيين الأصليين والمومياوات المصرية؟».

تقول «إنغريد نيومان»؛ أحد كبار مسؤولي الترميم الذين تألّموا إلى جانب بوروميو عندما بدأ الطلاب في إثارة اعتراضات على عرض نسمين خلال اجتماع مزدحم في عام 2016: «هل تنتمي البقايا البشرية المحنطة إلى متحف فنّي؟ إنها ليست تحفةً فنيةً؛ إنهم بشر»، وتضيف: «أعتقد أن الجسد البشري مختلف عن لوحة على حائط متحف».

صراع الآراء لا يمكن فصله عن معضلة المتاحف. عند اختيار طريقة عرض المومياوات، فرأي من هو الأهم؟ رغبات القدماء المحتملة؟ المصريون المعاصرون؟ العلماء؟ أو رعاة المتحف؟ في مقابلة عبر سكايب، قالت عبد الجواد أن آراء المصريين المعاصرين مثلها كثيراً ما يتم تجاهلها بسبب «التصور العنصري الاستعماري الخاطئ» المتمثّل بأن «البقايا البشرية القادمة من مصر القديمة لا يطالب بها أحد ولا جدال حولها».

تقول عبد الجواد: «لا ينظر العالم لنا على أننا أخلاف المصريين القدماء».

يجادل آخرون أنه ليس من الواضح ما الذي كان يريده المصريون القدماء -الذين سعوا «بيأس» إلى تحقيق الخلود- أو من يجب أن يتحدث نيابةً عنهم الآن. توافق الباحثة الأسترالية «داي» على أن المومياوات تستحق الاحترام؛ لكنها تعتقد أن إزالتها تراعي نفوراً حديثاً من رؤية الموتى. قالت داي في مكالمة عبر سكايب أنه يجب على المتاحف «عرض المومياوات بطريقة تبيّنها كأشخاص، وليس كأغراض في متحف فنّي»، وتضيف أن المتاحف يمكنها إضفاء الطابع الإنساني على المصريين القدماء باستخدام علامات التحذير القائلة «بقايا بشرية»، والغرف الهادئة، والإضاءة المظلمة، ومنح ولوج محدود إلى عروض المومياء.

«عند اختيار طريقة عرض المومياوات، رأي من هو الأهم؟ رغبات القدماء المحتملة؟ المصريون المعاصرون؟ العلماء؟ أو رعاة المتحف؟»

يصف «بيتر لاكوفارا»؛ كبير المنسقين السابق في متحف «كارلوس» في ولاية أتلانتا والمدير الحالي لصندوق التراث المصري القديم والآثار في نيويورك، الاعتراضات على عرض المومياوات بأنها «نابعة من قلّة اطّلاع» على الديانة المصرية القديمة. يقول لاكوفارا: «أكثر من أي شيء آخر؛ أراد المصريون أن يُنظر إليهم، أرادوا أن يرى العالم أشكالهم، وأرادوا أن نتذكرهم»، ويضيف: «لقد أرادوا أن يكونوا جزءاً من عالم الأحياء، وبالطبع؛ هذا ما تفعله عروض المتاحف».

تقترح «ميمي ليفيك»؛ خبيرة الحفظ الاستشارية في بوسطن -والتي تفقدت أو احتفظت بأكثر من 40 مومياء-، أنه إذا تم التعامل مع المومياوات بشكلٍ صحيح، فيمكن أن تكون مفيدةً للغاية، وتقول: «إذا عاملناها باحترام، فإن هذه الأجساد تحتوي على قدرٍ كبير من المعلومات». تفيد ليفيك بأنها غالباً ما عملت على المومياوات في مختبرات المتاحف المفتوحة للجمهور؛ مما أدى دائماً إلى زيادة عدد زوار المتحف. تقول ليفيك: «الناس يرغبون في رؤيتها».

تقول ليفيك أيضاً أنها تعتقد أن المصريين القدامى كانوا سيوافقون، وأن المتاحف في الواقع تساعد في تلبية رغبة قديمة تتمثّل في أن الأجيال الجديدة تتذكر المصريين القدماء بشكلٍ جيد. تقول ليفيك: «من وجهة نظر الشخص الذي تم التنقيب عنه، فإن ما أراده هو أن يتم تذكّر شخصيته وتكرار اسمه»، كما تضيف: «قال قدماء المصريين أنه إذا تم تذكر اسمك؛ حتى لو لم يستمر جسدك، فستعِش للأبد».

في ضوء ذلك؛ تُبين ليفيك أنه ما المكان الأفضل من المتحف لتوضع به المومياوات المصرية؟ تقول ليفيك: «توجد المومياوات في قبر مجيد عملياً»، وتضيف: «أليس هذا ما يميّز المتاحف؟»

حتى لو كان هذا صحيحاً؛ إلا أن عبد الجواد تقترح أن بعض رغبات القدماء على الأقل معروفة وليست مفتوحةًللتأويل، وتقول أن هناك تعليمات واضحةً جداً حول ما أراد المصريون القدماء أن يحدث لأجسادهم بعد الموت، وتقول: «هذه التعليمات لا تشمل فك أغطية المومياوات المصرية أو عرضها خارج توابيتها».