لماذا توقفنا عن إرسال البشر إلى القمر؟

لماذا توقفنا عن إرسال البشر إلى القمر؟
حقوق الصورة: بيكساباي.
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

في تمام الساعة 13:32:00.3 صباحاً، حسب التوقيت العالمي الموّحد، يوم الأربعاء الموافق 16 يوليو/تموز عام 1969، انطلقت مركبة أبولو 11 من مجمع الإطلاق 39A في مركز كينيدي للفضاء، بولاية فلوريدا في الولايات المتحدة الأميركية نحو القمر، لتحقيق الهدف الذي وضعه الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي في مطلع الستينيات من القرن العشرين، وهو وضع أول رجل على القمر. كانت أبولو 11 تحمل 3 رجال في ريعان شبابهم، وهم: نيل أرمسترونغ وباز ألدرين ومايكل كولينز، حاملين آمالاً عظيمة للبشرية، يرصدهم جميع سكان الأرض بعناية طوال الرحلة. 

وفي يوم 20 يوليو/تموز، هبط أرمسترونغ وألدرين على القمر، ورُفع العلم الأميركي هناك، وبذلك أصبح أرمسترونغ أول بشري تتحرك قدميه على سطح ذلك الجرم السماوي الرائع. جمع الشابان العينات من على سطح القمر، بينما كان زميلهما الثالث مايكل كولينز ينتظر عند مدار القمر، وما إن انتهى أرمسترونغ وألدرين من مهمتهما على القمر، بدأ الثنائي في الاستعداد لرحلة العودة، وبالفعل قابلا كولينز وعاد الثلاثي إلى الأرض بسلام وسط حفاوة من العالم أجمع. 

اقرأ أيضاً: 10 حقائق لا تعرفها عن هبوط أبولو 11 على سطح القمر

لماذا توّقفت ناسا عن إرسال البشر إلى الفضاء؟ 

بعد نجاح أبولو 11 توالت الرحلات إلى القمر، ويُقدر عدد الأشخاص الذين مشوا على سطح القمر بين عامي 1969 و1972، بنحو 12 رائد فضاء، وهم بالترتيب: نيل أرمسترونغ وباز ألدرين وتشارلز كونراد وألان بين وألان شيبارد وإدجار ميتشيل وديفيد سكوت وجيمس إروين وجون يونغ وتشارلز دوك ويوجين سيرنان وهاريسون شميت. 

كانت آخر مرة هبط فيها الإنسان على القمر في ديسمبر/كانون الأول 1972. على الرغم من ذلك، لم يتوقف سباق الفضاء للحظة، وصارت أعين الدول المتقدمة منصبة نحو الكون الفسيح، فبعد أن كان أقصى ما يستطيع الإنسان فعله هو رصد النجوم والكواكب ليلاً، أصبح بإمكانه إرسال رحلات إلى هناك دون الحاجة إلى بشر يقودون المركبات الفضائية. لكن هناك العديد من الأسباب الأخرى التي منعت ناسا من استكمال رحلات أبولو التي كان من المقرر أن تكون 20 رحلة وأُلغيت آخر 3 رحلات، وبذلك بقيت رحلة أبولو 17 هي الأخيرة في تلك السلسلة التي أدهشتنا. ومن تلك الأسباب ما يلي: 

اعتبارات سياسية

عندما قرر كينيدي تشجيع ناسا على تجهيز رحلات الفضاء، كان من ضمن الأسباب الدخول في سباق الفضاء الذي بدأته دول العالم المتقدمة بعد الحرب العالمية الثانية، وما إن استطاعت ناسا تحقيق ذلك عبر عدة رحلات ووضعت العلم الأميركي على سطح القمر، لم تعد هناك حاجة للمزيد من الرحلات. 

اقرأ أيضاً: كيف سيبدو الأمر إن كنت تقود مركبة على القمر؟

أموال باهظة 

تخطت تكاليف إرسال رحلة أبولو 11 العشرين مليار دولار وقتها، وذلك بسبب توصيات جون كينيدي بوضع كل المبالغ المطلوبة لإنجاز المهمة مهما كانت التكاليف باهظة. لكن في 2019، كانت ميزانية وكالة ناسا 21.5 مليار دولار، بينما وصلت ميزانية الجيش الأميركي إلى 680 مليار دولار سنوياً، وهذا يعني أنّ الدولة بدأت في تقسيم الميزانية حسب الأولويات، ورأت أنّ رحلات إرسال البشر إلى الفضاء تكلفها الكثير، أضف إلى ذلك أنّ الشعب الأميركي كان على خلاف في تلك النقطة، فهناك مَن دعموا فكرة تمويل رحلات البشر للقمر، وبعض من عامة الشعب رأوا أنّ هذه الرحلات لاعتبارات سياسية، والأولى وضع تلك الأموال في مشروعات أخرى تفيد الدولة، فأُلغيت إلى وقت آخر. 

مخاطر فوق القمر 

يبلغ عمر القمر 4.425 مليار سنة تقريباً، وليس له غلاف جوي يحميه مثل الأرض، وهذا يعني أنه يكون عرضة لأشعة الشمس القاسية، وفي بعض الأيام، يبتعد عن الشمس تماماً بحيث يكون واحداً من أكثر المناطق برودة في الكون، وهذه الظروف متطرفة بالنسبة للإنسان، لذلك عند التعامل مع القمر ينبغي الحذر، فالأمر ليس بهذه السهولة. علاوة على ذلك، فالقمر مُعرض للاصطدام بالأجسام السماوية الأخرى مثل النيازك، وما تخلفه من قلق متمثل في الغبار القمري الذي يغطي سطح القمر منذ عقود. ذلك الغبار محمل بمواد تلوث المركبات الفضائية وبدلات الرواد وتؤثر على الأنظمة المستخدمة في الرحلة. لذلك لا يجب الاستهانة بالمخاطر التي تحف برحلات الفضاء. 

تقليل إنتاجية الصواريخ 

كانت التحديات الأولية التي دفعت الولايات المتحدة لإطلاق صواريخ نحو الفضاء أسباباً سياسية متعلقة بسباق الفضاء، لكن مع هدوء الخلافات السياسية بين الدول، ظهرت محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية (SALT)، والتي ساهمت في تقليل إنتاجية الصواريخ، بما فيها تلك المستخدمة في أغراض الفضاء. 

اقرأ أيضاً: ما هو تأثير العيش في الفضاء على عظام رواد الفضاء؟

انطفاء الشغف نحو الفضاء 

كان هبوط الإنسان على القمر ملهماً لدرجة أنّ الغالبية العظمى من الأطفال الأميركيين كانوا يقولون إنهم يريدون أن يصبحوا رواد فضاء، ولكن مع انتشار فكرة المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، صارت أحلام كثير من الأطفال تتجه لأن يصبحوا مشهورين على اليوتيوب، بدلاً من فكرة رواد الفضاء، وتحتاج مهام رائد الفضاء إلى شخص لديه طاقة وحيوية للقيام بالمهام الصعبة، وهذه المؤهلات تتوفر في الشباب، ففي رحلة أبولو 17، كان متوسط أعمار رواد الفضاء فيها 26 عاماً، ما ساهم في نجاح العملية. 

برنامج أرتميس: إحياء فكرة إرسال البشر للقمر من جديد 

عندما قررت ناسا إرسال طاقم أبولو 11 إلى القمر، أرسلت صواريخ فضائية لمسح المناطق الملائمة لهبوط رواد الفضاء الثلاثة، وبعد مرور عقود على آخر رحلة نحو القمر، لا بد من تعرض سطح القمر لتغيرات قد تجعله دار هلاك للبشر الحالمين بالذهاب إلى هناك، لذلك جاء برنامج أرتميس، وهو تابع لوكالة ناسا ومسؤول عن الرحلات الفضائية، الذي أحيا فكرة إرسال البشر للقمر من جديد بخطة تتكلف 93 مليار دولار. 

وكجزء من خطة الإعداد، تم تصميم أقوى صاروخ في العالم حتى الآن، والذي يبلغ ارتفاعه 100 متر، ليستكشف القمر قبل هبوط الإنسان عليه من جديد. ومن المقرر أن ينطلق الصاروخ في أغسطس/آب 2022، لأداء مهمته التي سيُحلق فيها حول القمر لفترة زمنية تتراوح بين 26 إلى 42 يوماً، في رحلة تُسمى رحلة أرتميس 1، تمهيداً لهبوط الإنسان على القمر في عام 2025. 

اقرأ أيضاً: لماذا لا يمكننا بناء محطة فضائية على القمر؟

كانت رحلة أبولو 11 خطوة مذهلة للبشرية فتحت آفاق البشر للسير نحو الفضاء في مهام أخرى، وزادت طموحهم إلى إقامة مستعمرات لبني البشر فوق تلك الأجرام السماوية التي قد لا تُدركها أعيننا من على سطح الأرض، فهل سيأتي اليوم الذي تعيد فيه أرتميس أمجاد أبولو؟

Content is protected !!