لماذا ما تزال المواد الصناعية عاجزة عن تقليد جلد سمك القرش؟

3 دقائق
لماذا ما تزال المواد الصناعية عاجزة عن تقليد جلد سمك القرش؟
تتمتع أسماك القرش بجلد فريد يسمح لها بالسباحة بسرعة عبر البحار. بيكسلز
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تثير سمكة القرش في النفوس الرعب، لذلك قلة من الناس فكرت في الاقتراب منها ومداعبتها. إذا أُتيح لك يوماً ما تمرير يدك على جسم سمكة القرش من رأسها وحتى ذيلها- احذر من القيام بذلك- ستشعر بنعومة ملمسها الشبيه بملمس الجلد المدبوغ، وبالمقابل، سيبدو ملمسها خشناً مثل ورق الصنفرة لو مررت يدك عليها في الاتجاه المعاكس. في الحقيقة، إذا نظرنا إلى جلد سمك القرش تحت المجهر، سنجد أنه مكون من حراشف مضلعة ومتشابكة فوق بعضها بعضاً ومرتبة في طبقات مثل ألواح أسطح المنازل القرميدية. تُدعى هذه الهياكل الجلدية بالأسنان الجلدية (dermal denticles)، وهي تشبه بالفعل الأسنان أكثر من الجلد بالنظر إلى تركيبها المكون من العاج والمينا. تصل الأعصاب إلى هذه الحراشف، ويساعد نمطها المضلع والمكون من طبقات على انسياب الماء عبر ظهر القرش من خلال تقليل الاحتكاك والمقاومة. وعلى هذا النحو، فإن خصائص جلد سمك القرش الرائعة هذه تساعدها على الانزلاق عبر الماء، حيث تصل سرعة بعض الأنواع إلى 50 كيلومتراً في الساعة.

اقرأ أيضاً: بالفيديو: ماذا يحدث عندما تتعارك الحيتان القاتلة مع أسماك القرش الأبيض الكبيرة؟

أسنان سمك القرش الجلدية

أثارت أسنان سمك القرش الجلدية هذه إعجاب المهندسين. حاول علماء المواد محاكاة قدرة القرش الانسيابية العالية في الماء من خلال تصميم أسطحٍ لهياكل القوارب وتوربينات الرياح وحتى ملابس السباحة عالية الجودة شبيهة ببنية جلد سمك القرش بهدف زيادة كفاءتها إلى أقصى قدر ممكن.

ولكن في دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة هارفارد في ماساتشوستس بقيادة عالمة الأسماك مولي غابلر سميث، ولأول مرة، قارن الباحثون المواد التي تحاول محاكاة جلد القرش بجلد القرش الحقيقي، وتبين لهم أن الطريق ما تزال طويلة أمام هذه المواد كي تضاهي خصائص جلد القرش في الواقع.

لقد قام العلماء في السابق بدراسة أسنان سمك القرش الجلدية بدقة عالية مستخدمين مجاهر المسح الإلكترونية- وهي تكنولوجيا يمكنها إظهار تفاصيل هياكل لا تتجاوز أبعادها نانومتراتٍ قليلة. لكن الصور الملتقطة بهذه التكنولوجيا ثنائية الأبعاد، ومن المهم للغاية عند دراسة تقليل المقاومة والاحتكاك على أي جسم، على غرار دراسة تأثير هذه العوامل على سيارة في الأنفاق الهوائية، أن تكون هياكلها ثلاثية الأبعاد.

لذلك لجأ العلماء لاستخدام تقنية تصوير تُدعى "قياس خشونة السطح" (surface profilometry)، وتتم من خلال تطبيق طبقة رقيقة من الهلام لعمل قالب للسطح المراد دراسته، ما سمح لغابلر سميث وفريقها باستعراض جلد القرش من منظور ثلاثي الأبعاد. تقول سميث في هذا الصدد: «الأمر أشبه بالنظر إلى خريطة طبوغرافية يمكنك مشاهدة القمم والوديان فيها».

اقرأ أيضاً: ما الذي يعنيه تكيف أسماك القرش للعيش بالقرب من المدن؟

طبّقت سميث هذه التقنية على 17 عينة جلد مأخوذة من أنواع مختلفة من أسماك القرش. كما درست نوعين من ملابس السباحة من ماركة "سبيدو" (Speedo)- الأول إف إس فاست سكين 2 والثاني إل زي آر ريسر إيلايت 2- وتُسوقان على أساس أن خصائصهما تحاكيان خصائص جلد سمك القرش، بالإضافة إلى سطحٍ صنعته غابلر في مختبرها بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد. في النتيجة، وجدت سميث، وبعد مقارنة نسبة الأسنان وارتفاع وتباعد الأضلاع، اختلافاتٍ كبيرة بين أسنان القرش الجلدية الحقيقية والمواد الاصطناعية.

يكاد يكون من المستحيل هندسة جلد القرش. توضح نظرة ثلاثية الأبعاد السبب.
جلد القرش الحقيقي (في الأعلى على اليمين) بالمقارنة مع مادة مصنوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (في الأسفل إلى اليمين)، لباس سباحة إف إس فاست سكين 2 (في الأسفل يساراً)، لباس سباحة إل زي آر ريسر إيلايت 2 (في الأعلى يميناً). مولي غابلر سميث

تُظهر لقطة مقربة الاختلافات بين جلد القرش الحقيقي (في الأعلى يميناً) والمواد الاصطناعية المختلفة بما في ذلك المادة المصنوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (في الأسفل يميناً)، ولباس سباحة "سبيدو إف إس فاست سكين 2" (في الأسفل يساراً) و"سبيدو إل زي آر ريسر إيلايت 2" (في الأعلى يساراً). الصور مقدمة من مولي غابلر سميث.

لا شيء يحاكي جلد سمك القرش حتى الآن

تقول غابلر سميث: «لا يمكنني القول إن ملابس السباحة تحاكي جلد سمكة القرش بالفعل، لأنها في الحقيقة ليست كذلك مطلقاً». وتضيف بإن أحد الاختلافات الأساسية تكمن في أن جلد القرش الحقيقي مكون من هياكل صلبة من المينا مرتكزةٍ على سطح مرن على العكس من القماش المضلّع. عندما سُئلت عن كيفية تقييمها لمواد ملابس السباحة من ناحية شبهها بجلد القرش الحقيقي، أعطت لباس سبيدو إف إس فاست سكين 2 وسبيدو إل زي آر ريسر إيلايت 2 درجة 3 و7 من 10 درجات على التوالي، بينما أعطت السطح المصمم مخبرياً 8 أو 9 درجات من 10.

وتضيف سميث: «لقد أبلى مصممو ملابس السباحة حسناً في أخذ جميع المعلومات التي قاسها علماء الأحياء من جلد القرش الحقيقي بعين الاعتبار، ولكن لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله. من الناحية النظرية، يجب أن تقلل إضافة نسيج مضلّع أو خشن إلى أسطح ملابس السباحة أو القوارب من مقاومة الماء، لكن الأسطح التي فحصناها لا تزال بعيدة عن العمل مثل جلد القرش الحقيقي».

اقرأ أيضاً: تعّرف على هذا القرش الصغير الذي يأكل الأعشاب

تقول مهندسة الطيران في جامعة ألاباما التي تدرس جلد سمك القرش، والتي لم تشارك في البحث، إيمي لانغ، إن استنساخ خصائص تقليل مقاومة الماء التي يتمتع بها جلد القرش صعبٌ جداً ويتجاوز مجرد صنع سطح مضلّع به أسنان تشبه أسنان جلد القرش، حيث يجب أن تكون الأضلاع بالحجم والعمق المناسبين لتقليل المقاومة بدلاً من زيادتها، وتضيف: «من المثير للاهتمام استخدام مقياس خشونة السطح لمقارنة جلد القرش مباشرة بالمواد المُهندسة، ولكن من المهم بنفس القدر أيضاً اختبار كيفية أداء هذه المواد الاصطناعية في الماء».

ولكن الآن، وبعد أن أصبح لدى العلماء معلومات محدّثة عن البنية ثلاثية الأبعاد لأسنان جلد أسماك القرش ولأنواع مختلفة، قد يكون المهندسون على بعد خطوة واحدة من تقليد أحد أمهر سبّاحي الطبيعة على الإطلاق.