Reading Time: 6 minutes

تهدف التربية، في إحدى مناحيها، إلى تعليم الأطفال مهارات مختلفة يحتاجونها لنموهم وازدهارهم، وقد تكون هذه العملية مرهقةً للوالدين بالنظر إلى كمّ النصائح الكثيرة والمتضاربة حول هذا الأمر. على سبيل المثال؛ متى يجب أن يبدأ الطفل القراءة؟ وكيف يمكن للوالدين مساعدته بشكلٍ أفضل لتعلّم لغةٍ ثانية؟ وأي عمر هو الأنسب لتعلّم السباحة أو ممارسة الرياضة؟

في الواقع؛ ليس هناك عمرٌ مثالي محدد كي يبدأ الطفل عنده بتعلّم مهارات أنشطة جسدية أو فكرية جديدة؛ ولكن ذلك لا يعني أن التوقيت مهم. لقد سألنا الخبراء عن متى وكيف يجب على مقدمي الرعاية تعليم الأطفال مهارات حياتية جديدة وإدخالها إلى حياة الطفل؟ إليك هذه الإجابات.

أفضل سنٍّ لتعلم لغة ثانية (أو لغة ثالثة)

هل ترغب بتعليم طفلك لغةً ثانية أو ثالثة؟ كلما بدأ في تعلّم لغةٍ ثانية في وقتٍ مبكرٍ أكثر من حياته، كان ذلك أفضل. يقول «دانيال يوروفسكي»؛ أستاذ علم النفس المساعد في جامعة كارنيجي ميلون: «بالنسبة لتعلّم التحدّث بلغةٍ ما؛ يبدأ الأطفال بالتقاط أجزاء وعباراتٍ صغيرة من العبارات منذ وجودهم في الرحم، لذلك لا يوجد سببٌ للانتظار لتعليم الطفل لغةً أخرى».

من المهم البدء مبكراً بشكلٍ خاص كي يتعرّف الطفل على التهجئة وإتقان طرق النطق غير الشائعة في لغة الطفل الأم. في الواقع؛ يصبح التمييز بين الاختلافات الصغيرة بين الأصوات أكثر صعوبةً في سن الخامسة أو السادسة كما يوضح يوروفسكي، نظراً لأننا نبدأ في هذا العمر بترسيخ الأصوات التي اعتدنا عليها، ويضيف قائلاً: «على سبيل المثال؛ لا يُلفظ حرف «R» في بعض الكلمات باللغة الإسبانية عند نطقه باللغة الإنجليزية، لذلك فإن الطفل الذي يتعلّم اللغة الإنجليزية فقط سيهمل صوت هذا الحرف في النهاية».

يشير يوروفسكي إلى أن هذه المعايرة المبكرة تسمح للطفل بفهم تراكيب اللغة التي يستخدمها أكثر، وتنطبق هذه الفكرة أيضاً على التراكيب القواعدية مثل الأسماء المرتبطة بالجنس، فالمتحدث الأصلي للغة الإنجليزية الذي يحاول تعلّم اللغة الفرنسية ليس معتاداً على القواعد التي تتطلب استخدام أحرفٍ مختلفة أمام الأسماء بحسب جنسها، لأن اللغة الإنجليزية مختلفة من هذه الناحية عن اللغة الفرنسية، لذلك كلما قضى الطفل وقتاً أطول في الحديث بلغةٍ واحدة، زاد اعتياده على تراكيبها الخاصة، وزادت صعوبة تكيفه مع اللغة الجديدة.

في حين أن دراسة عدة لغات في نفس الوقت يمكن أن يبطئ من تقدم التعلم الأولي للطفل؛ إلا أنه لا يضر به على المدى الطويل. أسهل طريقة كي يتحدث الطفل بلغات متعددة هي أن يبدأ بسماعها جميعاً عند الولادة أو حتى قبلها، والشيء التالي الأفضل هو إدخال لغات جديدة في سن ما قبل المدرسة.

هذا لا يعني أن الأطفال الأكبر سناً والبالغين يجب ألّا يحاولوا تعلّم لغات جديدة أيضاً. بعض جوانب تعلم اللغة؛ مثل المفردات، هي في الواقع أسهل للبالغين. يمكن أن تبدأ عملية التعلم منذ الولادة؛ لكنها عملية تستمر مدى الحياة.

أفضل سن لبدء القراءة مع طفلك

تعليم الطفل القراءة السريعة

Shutterstock.com/goodluz

على غرار بدايات فهم اللغة اللفظية؛ لن يكون هناك أي مشكلةٍ في البدء بقراءةٍ لغةٍ ثانية مع طفلك مهما كان الوقت مبكراً. يقول «ديبيش نافساريا»؛ الأستاذ المشارك في طب الأطفال في كلية الطب والصحة العامة بجامعة «ويسكونسن ماديسون» والحاصل أيضاً على درجة الماجستير في مكتبات الأطفال: «يمكن أن تكون قراءة الكتب مع الأطفال حديثي الولادة جزءاً أساسياً من تطوير القراءة في مرحلة الطفولة المبكرة. يجب أن نبدأ بذلك منذ الولادة، فنحن نعلم أن الأطفال لديهم قدرات بصرية، ونعلم أنهم يتعلمون اللغة بالفعل».

بالإضافة إلى تعريف الطفل بالأصوات والتراكيب التي تشكل اللغة المنطوقة، فإن نشاط القراءة مع الطفل يبني علاقةً عاطفية بينه وبين مقدم الرعاية ويخلق مساحةً آمنة يمكن أن تزيد اهتمام الطفل بالقراءة في المستقبل، ويضيف نافساريا: «إنها طريقة لقضاء المزيد من الوقت في التفاعل مع طفلك».

عندما يقرأ مقدم الرعاية بصوت عالٍ، فإن مستوى المشاركة يعتمد على عمر الطفل. عندما يكون الطفل تحت سنّ الثالثة، تكون فترة انتباهه أقصر، لذلك فإن القراءة لهم لن تكون فعّالة جداً. بدلاً من ذلك؛ يوصي نافساريا بالانخراط في حوارٍ لإشراك الطفل في سرد القصة. يوضح قائلاً: «ليس بالضرورة أن تقرأ كل كلمة في القصة. يمكنك السماح لطفلك بحمل الكتاب والرجوع إلى الصفحات السابقة، أو إلى أي مكانٍ في القصة، لا بأس في ذلك بالفعل».

تساعد القراءة بصوت عالٍ ودعوة الطفل الصغير إلى التفاعل مع القصة على بناء ما يدعوه نافساريا «معرفة القراءة الناشئة». عادةً لا يكون باستطاعة الطفل في هذه المرحلة -قبل سنّ الثالثة تقريباً- القراءة والكتابة؛ لكن يمكنه حقاً إنشاء صلاتٍ بين الكلمات الموجودة على الصفحة التي أمامه والقصة التي تُسرد له.

اقرأ أيضاً: خارج المدرسة: 4 نصائح تشجّع طفلك على حب القراءة

تأتي المرحلة التالية؛ والتي يدعوها نافساريا «الوعي المطبوع»، في سن الثالثة تقريباً؛ حيث يفهم الطفل في هذه المرحلة أن الحروف الموجودة على الصفحة هي مصدر القصة التي تُروى له، حتى لو لم يكن بمقدوره قراءتها بعد.

وحتى بعد أن يصل الطفل إلى مستوى يستطيع فيه القراءة بمفرده، عادةً حوالي سن روضة الأطفال، فإن الاستمرار في القراءة له بصوت عالٍ لا يزال مفيداً؛ إذ تُعد قراءة النصوص عملاً شاقاً على الأطفال صغيري السن، وسيكون معظمهم قادراً على سماع وفهم الجمل الأكثر تعقيداً فيما لو قُرِئت لهم أكثر مما لو قرؤوها بأنفسهم. يمكن أن يساعد النظر إلى الصفحة بينما يقرأ مقدم الرعاية للطفل الصغير على فهم الكلمات الأكثر صعوبةً وتعقيداً بالنسبة له.

ويؤكد نافساريا على أهمية كتب الأطفال عالية الجودة لإثراء هذه العملية؛ حيث يقول في هذا الصدد: «هناك تصور في بعض الأحيان بأنه من السهل تأليف كتب الأطفال. في الواقع؛ هناك فنّ دقيق في صياغة الكلمات والرسوم التوضيحية في كتب الأطفال، وهناك سبب في أن بعض الكتب تحوز على الجوائز دون غيرها»، ويوصي نافساريا بالبحث عن الكتب المميزة والحائزة على جوائز عند تحديد ما يجب قراءته لطفلك.

اقرأ أيضاً: تريد تعليم طفلك القراءة السريعة؟ اتبع هذه الطرق

أفضل سن لتعليم الأطفال السباحة

فوائد السباحة

shutterstock.com/ Michael Brin

يعد تطوير مهارات التنسيق البدني أمراً حيوياً من منظور وظيفي ومن منظور السلامة. في الواقع؛ يغرق 830 طفلاً سنوياً في الولايات المتحدة. لتجنّب حوادث غرق الأطفال؛ كلما بدأ الطفل بملامسة الماء مبكراً، كان ذلك أفضل وفقاً لـ «جينيفر بيك»؛ جرّاحة العظام في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس والمتخصصة في طب الأطفال الرياضي.

تقول بيك: «لدى الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 شهراً ردود فعلٍ طبيعية تسمح لهم ببناء مهارات السلامة المتعلقة بالماء إذا ما ترافقت مع الإشراف والتوجيه. هناك حاجة إلى مستوى معين من التنسيق؛ ولكن ليس إلى حدّ كبير؛ إذ ستتطور مهارات السباحة المتقدمة في مراحل لاحقة عندما عندما يبني الطفل مهاراته البدنية في الماء أكثر».

اقرأ أيضاً: دليلك لتشجّع طفلك على تخطي خوفه من نزول البحر 

متى يجب أن يبدأ الأطفال في ممارسة الرياضة؟

يمكن أن تكون ممارسة الرياضة جزءاً مهماً من الطفولة كنشاطٍ اجتماعي وجسدي. فوفقاً لبيك؛ إن البدء في ألعاب القوى ليس ممكناً حتى يتم تدريب الطفل على استخدام الحمام. بعد ذلك؛ توصي ببدء ممارسة الأطفال الصغار الألعاب الرياضية التي تبني المهارات الحركية الأساسية مثل الجري والجمباز والقفز، بالإضافة إلى تمارين بناء الجزء العلوي من الجسم، وتمارين الرقص وفنون الدفاع عن النفس، وذلك لبناء الإدراك العام بالجسم والقوة والمرونة، وتوصي برياضة التنس والبيسبول لتعلّم مهارات الرمي.

التدريب الرياضي على الأطفال

shutterstock.com/ Gorynvd

الأهم من ذلك كله؛ توصي بيك ببدء ممارسة الطفل مجموعة متنوعة من الرياضات حتى يتمكنوا من معرفة أيها يستمتع به أكثر ويرغب بمتابعته، وتضيف في هذا الصدد: «في النهاية؛ من المفترَض أن تكون ممارسة الرياضة أمراً ممتعاً ونشاطاً بدنياً صحياً في نفس الوقت، لذلك من المهم الانتباه إلى ما يفضله الطفل وما إذا كان يستمتع به حقاً. هناك الكثير من الرياضات، ويمكن للطفل تجربة شيءٍ آخر إذا لم يبدي اهتمامه بأحدها».

ولكن بيك تشير إلى أنه من الأفضل أن يمارس الطفل رياضاتٍ متعددة لأطول فترةٍ ممكنة؛ الأمر الذي يعزز نمو العضلات بشكلٍ جيد ويساعده على تجنّب الإصابة بالإجهاد، لذلك يوصي الخبراء في هذا المجال بعدم التخصص في رياضةٍ معينة قبل مرحلة المدرسة الثانوية. وتضيف بيك: «يمكن أن يحمي ذلك أيضاً الصحة العقلية للأطفال من خلال تجنّب الإرهاق والحفاظ على متعة النشاط البدني».

أخيراً؛ توصي بيك بالانتظار حتى مرحلة المدرسة الإعدادية المتأخرة أو بدايات المدرسة الثانوية قبل السماح للطفل بالمشاركة في الرياضات التي تتطلب الاحتكاك الجسدي من أي نوع. تقول بيك: «تترسّخ الحركات الأساسية في المرحلة الابتدائية. نصيحتي هي انتظار ممارسة الرياضة التي تتطلب حركات معقدة حتى سن ما قبل المراهقة أو خلالها؛ أي بعد بناء الحركات الأساسية».

اقرأ أيضاً: دليلك للتعرّف إلى آثار التدريب الرياضي على الأطفال

السن المناسب للأطفال لبدء استخدام الإنترنت

أدوات الرقابة الأبوية

shutterstock.com/ fizkes

في عالم اليوم الذي بات يُوصف بعصر الاتصالات، قد يكون من الصعب حقاً تحديد كيفية ووقت منح الطفل إمكانية الوصول إلى الويب. تنصح منظمة «كومون سينس ميديا» غير الربحية أن يجلس مقدمو الرعاية مع الأطفال الصغار أثناء استكشافهم لأنشطة جديدة عبر الإنترنت، بحيث يمكنهم مراقبة وشرح ما يحدث على الشاشة لهم. بالإضافة إلى ذلك؛ تشجّع «مايو كلينيك» مقدمي الرعاية على معاينة البرامج مسبقاً للتأكد من أنها مناسبة للطفل، والبحث عن خيارات تفاعلية وجذابة، واستخدام أدوات الرقابة الأبوية لتصفية المحتوى غير الضروري أو غير المناسب.

توصي الأكاديمية الأميركية للطب النفسي للأطفال والمراهقين بزيادة وقت الشاشة تدريجياً مع تقدم الطفل في السن، مع وضع ضوابط وتعديلها عند الضرورة. بالنسبة للأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 شهراً، تقترح الأكاديمية قصر وقت الشاشة على محادثات الفيديو مع العائلة والأصدقاء مع الاشراف طبعاً. مع تقدم الطفل بالعمر، يمكن السماح بالبرامج التعليمية القائمة على الشاشة إلى جانب الأنشطة غير التعليمية وفق ضوابط محددة في سن الثالثة تقريباً. فوق سن السادسة، يجب أن تبقى الضوابط الزمنية والرقابة الأبوية ساريةً؛ ولكن لا بأس بمنح الأطفال المزيد من الحرية للسماح لهم ببناء عاداتهم الصحية الخاصة بهم.

توصي كلّ من الأكاديمية الأميركية لطب نفس الأطفال ومنظمة «كومون سينس ميديا» بإيقاف وقت الشاشة أثناء لقاء أفراد العائلة معاً- وذلك ينطبق على البالغين أيضاً، وقبل 30 دقيقة من النوم على الأقل أيضاً. يساعد ذلك الأطفال على فهم الحدود بين عالم الإنترنت ومحيطهم، ويضمن ألا يعيق وقت الشاشة قضاء وقتٍ ممتع مع العائلة والأصدقاء والحصول على نومٍ جيد.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.