ما هي عواقب السماح للقطط بالتجول بالخارج بحرية؟

السماح للقطط بالتجول بالخارج يمكن أن يكون له عواقب كارثية على القطط نفسها وعلى النظام البيئي
يجب أن يكون خروج القطط في الهواء الطلق تحت الإشراف فقط. حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوز.
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio
تنتقل العديد من الأمراض الحيوانية المنشأ، مثل جدري القرود وإنفلونزا الطيور وكوفيد-19، من الحيوانات إلى البشر. مع ذلك، فإن الأنواع البرية ليست المسؤولة الوحيدة عن تفشي مثل هذه الأمراض، إذ يمكن للحيوانات الأليفة أيضاً أن تنقل الأمراض، خاصة إذا سُمح لها بالتجول بحرية.

على سبيل المثال، القطط التي يمكنها التجول في الخارج. يتفق الأطباء البيطريون وعلماء البيئة وخبراء الأمراض إلى حد كبير على أن نمط الحياة المتجول لا يؤذي القطط نفسها وحسب، بل يشكل أيضاً خطراً على النظام البيئي عموماً وعلى الصحة العامة.

يقول أستاذ علم الأحياء والبيئة في جامعة جورج تاون ومؤلف كتاب “حرب القطط” (Cat Wars) بيتر مارا: «لن يقول أي طبيب بيطري إنه من الآمن ترك قطتك بالخارج. لن نسمح لكلابنا الأليفة بالتجول بحرية في الجوار، فلماذا نسمح للقطط بذلك؟».

اقرأ أيضاً: 5 نصائح تساعد على إطالة متوسط أعمار القطط

هناك الكثير من الأمراض التي تنتشر عن طريق القطط الجوالة

يقول مارا: «على الرغم من أصولها البرية، لا تعد القطط الأليفة (والتي تشمل القطط الأليفة المنزلية وقطط المناطق الحضرية الضالة) أصلية في أي نظام بيئي، ما يجعلها من الأنواع الغازية في أي مكان توجد فيه». في الوقت نفسه، فهي منتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، ويقدر عددها في الولايات المتحدة لوحدها بنحو 50 إلى 100 مليون قط.

بالنظر إلى كثافة انتشارها ولأنها لاحمة، تُعتبر القطط من المفترسات المهمة التي تتغذى على الكثير من الأنواع من الطيور وحتى الأرانب. في دراسة أجريت عام 2016 نظرت في الحيوانات المفترسة الغازية وعلاقتها بفقدان التنوع البيولوجي العالمي، وجد الباحثون أن القطط تهدد 430 نوعاً من الأنواع البرية وترتبط بانقراض 40 طائراً و21 نوعاً من الثدييات واثنين من الزواحف. وقدرت دراسة أخرى أن القطط في الولايات المتحدة تقتل نحو 4 مليارات طائر و22 مليار حيوان ثدي سنوياً.

ولكن مثلما تهدد القطط الخارجية التنوع البيولوجي وصحة النظم البيئية، فإنها تعمل أيضاً كناقلات للأمراض. يقول الأستاذ في جامعة تينيسي نوكسفيل والمتخصص في الالتهابات الطفيلية ريتشارد جيرهولد: «عندما تُمنح القطط فرصة للتجول بحرية في الخارج، فمن المرجح أن تتعرض للأمراض الحيوانية المنشأ وتنقل الفيروسات والطفيليات والبكتيريا من الأنواع البرية إلى البشر».

اقرأ أيضاً: ما هي أبرز أمراض الفطريات التي تصيب القطط؟

ويضيف موضحاً: «هناك طيف واسع من القطط التي يمكنها التجول بحرية. بالنسبة للقطط التي يمتلكها ويعتني بها البشر جيداً، من المحتمل أن يكون نمط الحياة المتجول أكثر خطورة على القطة نفسها وجهود الحفظ من خطورته على الصحة العامة. لكن القطط الضالة التي لا تتلقى رعاية بيطرية يمكن أن تكون مصدراً رئيسياً للأمراض، وتنشر الكثير من الأمراض التي ينقلها القراد والبراغيث إلى الفيروسات مثل داء الكلب».

على سبيل المثال، تعتبر القطط المضيف الرئيسي لطفيلي “المقوسة الغوندية” أو “التوكسوبلازما” (Toxoplasma gondii)، وهو طفيلي يصيب نحو 50% من السكان، مع معدلات إصابة أعلى في بعض المجتمعات أيضاً. على الرغم من أن معظم الأشخاص المصابين لا تظهر عليهم أي أعراض، إلا أن العدوى الشديدة يمكن أن تسبب تلفاً بالدماغ والعينين والأعضاء الأخرى. في هذا الصدد، قدرت دراسة حديثة أن واحداً من كل 150 أسترالياً مصاب بداء المقوسات العيني، وهي عدوى في العين يسببها هذا الطفيلي. ووجدت دراسة أخرى أن نحو نصف المصابين بداء المقوسات العيني عانى من نقص دائم في الرؤية، بينما أصيب نحو ربعهم بالعمى.

من الطرق التي يمكن أن يُصاب بها البشر بعدوى التوكسوبلازما هي الابتلاع العرضي للطفيلي من خلال ملامسة براز القطط، سواء خلال تنظيف صندوق القمامة أو عند التعرض لبرازها خلال أعمال البستنة.

اقرأ أيضاً: دفاعاً عن هذه الكائنات اللطيفة: هل تسبب القطط العقم والإجهاض حقّاً؟

يعد داء الكلب، وهو مرض يصبح مميتاً بنسبة 100% بمجرد ظهور الأعراض، أحد العوامل الممرضة التي تنقلها القطط. تُعزى غالبية حالات داء الكلب في البشر في الولايات المتحدة إلى الخفافيش، لكن القطط أصبحت المصدر الرئيسي لتعرض الإنسان لداء الكلب بين الحيوانات الأليفة.

يقول مارا: «كانت الكلاب الوسيط الأساسي لانتقال داء الكلب من الحيوانات الأليفة إلى البشر. لكننا بدأنا في فرض تراخيص للكلاب وقوانين لتقييدها بأربطة أثناء اصطحابها إلى الخارج ولقاحات ضد داء الكلب. لم تعد الكلاب الآن المشكلة على الإطلاق، إنها القطط بشكل أساسي».

بشكل عام، يمكن أن يزيد السماح للقطط بالتجول بحرية في الخارج من احتمال جلب المرض إلى المنزل. وجدت دراسة عالمية نظرت في انتقال العدوى الطفيلية لدى الثدييات أن تلك التي يتوفر لها الوصول إلى الهواء الطلق كانت أكثر عرضة للإصابة بالطفيليات بمقدار 2.77 مرة مقارنة بالحيوانات المنزلية التي تبقى في الأماكن المغلقة.

تقول آمي ويلسون، التي شاركت في تأليف دراسة حديثة حول تأثير افتراس القطط والحيوانات الأليفة الأخرى للخفافيش على الصحة العامة: «عندما نتحدث عن الأمراض المرتبطة بالقطط، فإننا لا نقصد بأي حال من الأحوال التهديد الذي تشكله القطط، بل أسلوب لحياة المتجول الذي يسبب كل هذه المشكلات».

كطبيبة بيطرية ومهتمة بالحفاظ على البيئة، تشدد ويلسون على أهمية نهج “الصحة الواحدة” (One Health)، المفهوم الذي يفيد بأن رفاهية الناس والحيوانات والبيئة مرتبطة ببعضها بعضاً وتقول إنه عندما تنظر إلى تأثير القطط الجوالة من هذا المنظور، فمن الواضح أن نمط الحياة هذا ليس مفيداً للبشر أو للحياة البرية وحتى للحيوانات الأليفة نفسها.

وتضيف ويلسون: «نظراً لأن القطط تفترس الأنواع البرية، فإنها تديم دورات حياة الطفيليات وتسبب أمراضاً تضعف المناعة لدى الأنواع البرية، ما يزيد من صعوبة استمرارها في هذا العالم. إذا تُركت القطط الجوالة دون مأوى وعناية، يمكن أن تتعرض لخطر الاصطدام بالسيارات أو الافتراس من قبل أنواعٍ أخرى مثل القيوط أو البومة القرناء الكبيرة».

اقرأ أيضاً: أعراض وأسباب ارتفاع درجة حرارة القطط وكيفية علاجها

كيف تؤثر القطط حرة التجوال على جهود الحفظ؟

يقول جيرهولد: «لا يوجد مكان محصن ضد تأثير القطط الضالة. لكن بعض المناطق الجغرافية يمكن أن تكون أكثر عرضة لتأثيراتها، مثل الجزر، حيث يكون التنوع البيولوجي هناك هشاً بشكل خاص والأنواع عرضة للانقراض. في جزر هاواي، على سبيل المثال، مثلت القطط الجوالة مشكلة رئيسية لطائر هاواي الباحث عن العسل – مجموعة فريدة وملونة من الطيور المغردة- الذي تتناقص أعداده بسرعة».

كانت القطط الأليفة أيضاً مصدر قلق كبير في أستراليا، حيث تم توثيق معدلات وفاة عالية بالتوكسوبلازما بين الحيوانات الجرابية مثل الكنغر والولاب والبوسوم والومبت.

يقول جيرهولد: «القضية هي لماذا يجب أن نهتم بالتنوع الحيوي. في كل مرة نفقد فيها أحد الأنواع، يؤدي ذلك إلى إلحاق الضرر بنا بطريقة أو بأخرى. لقد أصبح من الواضح تماماً أن الحاجة إلى الحفاظ على الحياة البرية تتقاطع مع الحاجة إلى الحفاظ على سلامة البشر وحمايتهم. أعتقد أن الناس بدؤوا يدركون أكثر مدى الترابط الوثيق بين البشر وبيئتهم».

تعتقد ويلسون من جانبها أنه من الضروري أن يكون هناك نقلة نوعية في الطريقة التي ننظر بها إلى سلوكيات القطط. وتجادل بأننا فعلنا الشيء نفسه بالنسبة للكلاب؛ فقد أصبح من غير المقبول اجتماعياً أن يقتل كلب أليف أنواعاً أخرى. إذ يشير ذلك في الواقع إلى الكلب ليس تحت السيطرة، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر سلباً على سمعة مالكه.

اقرأ أيضاً: نزع مخالب القطط يضرّها بشكلٍ أكبر مما تعتقد: إليك هذه البدائل

تقول ويلسون: «لصالح رفاهية القطط وصحتها، ومن أجل الصحة العامة ودعماً للحفظ، يجب على محبي القطط السماح لها فقط بـ “الوصول الخاضع للإشراف” إلى الأماكن الخارجية. يمكن أن يكون وضع القطط في أقفاصٍ خارجية كبيرة حلاً فعالاً، ويعد التدرب على استخدام رباط القطط خياراً آخر للمالكين الذين يرغبون في اصطحاب قططهم في نزهةٍ على الأقدام أو رحلة قصيرة معهم للخارج. أخيراً، يمكن التقليل من مخاطر نقل الحيوانات الأليفة للأمراض إلى المنزل من خلال الحرص على تلقيح الحيوانات الأليفة ضد الأمراض المعدية وتنظيفها بعد العودة من الخارج».

في الأساس، تنجم التأثيرات السلبية للقطط الجوالة نتيجة إهمال البشر وليس عن تصرفات الحيوان السيئة بحد ذاتها. ولا يدرك الكثير في الواقع ببساطة المخاطر المرتبطة بترك قططهم الصغيرة تتجول بحرية في الأماكن الرائعة الخارجية. ولا يمكن لتربية الحيوانات الأليفة المسؤولة أن تقلل من انتشار الأمراض والوفيات بين الأنواع البرية وحسب، بل يمكنها أيضاً تحسين رفاه رفاقنا القطط وإطالة عمرها.

Content is protected !!