دراسة جديدة: كيف تُغيّر الصور المحفورة في ذاكرتنا إحساسنا بالوقت؟

3 دقيقة
دراسة جديدة: كيف تُغيّر الصور المحفورة في ذاكرتنا إحساسنا بالوقت؟
حقوق الصورة: بيكسلز
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

“يمر الوقت سريعاً عندما تستمتع به”، في الواقع الوقت مفهوم مراوغ، ويمكن أن يتأثر بعوامل مختلفة، بما في ذلك حالتنا العاطفية، وانتباهنا، وحتى المحفزات التي نواجهها. وفي دراسة جديدة كشف باحثون عن علاقة تربط بين المحفزات البصرية والإدراك الزمني، حيث وجدوا أن الطريقة التي تبدو بها الصور يمكنها أيضاً أن تُغيّر إدراكنا للحظات التي تمر. علاوة على ذلك، فإن الوقت الذي يعتقد الشخص أنه يقضيه في إمعان النظر إلى شيء ما يؤثّر في تذكره له.

تساعد هذه النتائج التي نُشِرت في أبريل/نيسان 2024، في دورية طبيعة السلوك البشري (Nature Human Behaviour)، على الكشف عن كيف يمكن لاستراتيجية تزييف الزمن في الدماغ أن تسمح له بمعالجة وتذكر المزيد من المعلومات.

اقرأ أيضاً: لماذا يشعر مدمنو المخدرات بمرور الوقت ببطء؟

الوضوح يؤثّر في إدراك الوقت

بينما تتحكم في ساعتنا البيولوجية مجموعة محددة من الخلايا في الدماغ، فإن إدراكنا الواعي للوقت لا يحكمه جزء واحد في الدماغ. عوضاً عن ذلك، يبدو أنه يتأثر بمجموعة من مناطق الدماغ. فالآلية الدقيقة التي تسبب تمدد أو تقلص إدراكنا للوقت ليست محددة حتى الآن، لكن يعتقد الباحثون في الدراسة الجديدة أن سبب هذه الظاهرة هو أن الدماغ يعالج كمية أكبر من المعلومات في إطار زمني محدود.

أجرى فريق البحث بقيادة عالم الأعصاب الإدراكي مارتن وينر  (Martin Wiener)، أربع تجارب شارك في كل منها ما بين 21 -52 مشتركاً. عرضوا فيها عليهم صوراً بستة أحجام وستة مستويات من الفوضى، مثل مشهد غرف فارغة وملعب مليء بالمشجعين ومخزن، وبفواصل زمنية تتراوح بين 300 ميلي ثانية وثانية واحدة، ثم طلبوا منهم وصف المدة التي استغرقوها فيما لو كانت قصيرة أم طويلة.

في التجربة النهائية، طُلِب من المشاركين الضغط باستمرار على زر للإشارة إلى طول وقت عرض الصورة على الشاشة.

أفادت النتائج بأن المشاركين معظمهم اعتقدوا أنهم استغرقوا وقتاً أقل لمشاهدة صور صغيرة لمشهد شديد الفوضى مثل مخزن مكتظ، في حين كان الوقت أطول بالنسبة لهم لدى مشاهدة صور كبيرة الحجم نسبياً لمشاهد أقل فوضى مثل الجزء الداخلي من حظيرة الطائرات.

نجح الأمر أيضاً بشكلٍ عكسي، إذ لدى سؤال المشاركين في اليوم التالي عن الصور التي يتذكرون أنهم شاهدوها، تبين أن 69 مشاركاً تذكروا الصور التي كانت معروفة بالنسبة لهم والتي اعتقدوا أنهم شاهدوها فترة أطول، واستنتجوا أنه كلما طالت المدة الذاتية المدركة للصورة، زادت احتمالية تذكرها في اليوم التالي.

يقول وينر: “كلما ظن الشخص أنه قد مضى وقت أطول في النظر إلى الصورة في اليوم السابق، زاد احتمال تذكرها، على الرغم من أن الصور جميعها قُدِمت بالمقدار نفسه من الوقت”.

الوقت يخلق الذاكرة

استنتج الباحثون أنه ثمة بعض العوامل الأساسية غير المعروفة التي تسبب كلا هذين التأثيرين، وللكشف عنها حلل الفريق الصور التي يمكن تذكرها باستخدام شبكة عصبونية مصممة على غرار النظام البصري في الدماغ.

اكتشفوا أن الشبكة العصبونية عالجت الصور التي لا تُنسى بشكلٍ أسرع. علاوة على ذلك، كانت سرعة معالجة الصورة مرتبطة بالمدة التي اعتقد المشاركون أنهم كانوا ينظرون فيها إليها.

اقرأ أيضاً: دراسات جديدة تبين الأهمية الكبيرة لهذه المنطقة من دماغ الإنسان

كانت النتيجة أن اعتقد الباحثون في الدراسة أن هذا التأثير في الشبكة العصبونية الاصطناعية قد يكون مماثلاً لما يحدث في أدمغة الإنسان، أي أن الصور التي لا تُنسى قد تكون كذلك لأنه من السهل على أنظمتنا معالجتها، وهو ما قد يكون المفتاح لتفسير سبب تباطؤ الوقت في بعض الأحيان، حيث إن تباطؤ الزمن يعزز القدرة على جمع معلومات أكبر من المحيط، ففي بعض الأحيان، نحتاج إلى معالجة إضافية أو أقل للمعلومات من حولنا، ما يُغيّر الشعور بالوقت. يمكن تطبيق ذلك على مواقف الحياة المتطرفة، كما الحال لدى مواجهة مواقف الموت حيث يبدو أن الزمن لم يتباطأ فحسب بل حتى توقف.

يقول وينر: “عندما نرى أشياء أكثر أهمية أو ذات صلة، مثل الأشياء التي لا تُنسى، فإننا نوسّع إحساسنا بالوقت من أجل الحصول على مزيد من المعلومات”.

لماذا يمر الوقت بشكلٍ أسرع في مرحلة البلوغ؟

بالنسبة للبالغين، عندنا ينظرون للماضي فإنه يبدو أن العقدين الأولين من الحياة كانا الأطول بينما مرت سنوات العمر التالية سريعة، وأصبحت الأيام والسنون أقصر، فما سبب ذلك الإحساس؟ 

وفقاً لدراسة أجراها طبيب الأعصاب أدريان بيجان (Adrian Bejan)، ونُشِرت في دورية المراجعة الأوروبية (European Review)، يتباطأ معدل معالجة المعلومات المرئية بمرور الوقت، ما يجعل الوقت “يتسارع” مع تقدمنا ​​في السن.

ويوضّح بيجان أنه لدى التقدم في العمر يزداد حجم شبكات الخلايا العصبية وتعقيدها في أدمغتنا، وهو ما قد يجعل طريق الإشارات الكهربائية عبر مناطق الدماغ أطول، وبالتالي نحتاج إلى المزيد من الوقت لمعالجة الإشارات. بالإضافة إلى ذلك، تراكم الأعصاب الضرر بسبب الشيخوخة، وبمرور الوقت تزداد مقاومتها لتدفق الإشارات الكهربائية عبرها، ما يزيد من بطء وقت معالجة المعلومات. 

يفترض بيجان أن بطء وقت المعالجة يؤدي إلى تراجع الإدراك البصري (عدد اللقطات في الثانية)، أي يمر وقت فعلي أكبر بين إدراك كل صورة ذهنية جديدة، وهذا يؤدي إلى مرور الوقت بسرعة أكبر.

أمّا الأطفال الصغار فيستوعبون في كل ثانية من الوقت الفعلي عدداً كبيراً من الصور الذهنية.

اقرأ أيضاً: لماذا يمتلك بعض كبار السن ذاكرة خارقة وقدرات معرفية فريدة؟

يقول بيجان: “غالباً ما يندهش الناس من مقدار ما يتذكرونه من أيام بدا أنها تدوم إلى الأبد في شبابهم. لا يعني ذلك أن تجاربهم كانت أعمق بكثير أو أكثر أهمية، بل فقط أنها عُولِجت بسرعة أكبر”.