تؤثر جائحة صحية عامة صامتة في أكثر من 40 مليون فرد يقيمون في الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. تتمثل الجائحة بمجموعة من الأمراض غير المعدية (NCDs) المنتشرة بصمت، والتي غالباً ما يجري تجاهلها، على الرغم من إمكانية الوقاية منها.
ما هي الجائحة الصامتة التي تصيب دول الخليج العربي؟
يطلق على الأمراض غير المعدية (NCDs) اسم الجائحة الصامتة، وهي مجموعة الأمراض المزمنة المرتبطة بالاستعدادات الوراثية وسلوكيات نمط الحياة، وتشكل وباءً منتشراً يتسلل بصمت، على عكس الأوبئة المعدية التي تصدم العالم، لا سيما في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل.
من هذه الأمراض أمراض القلب والسكري والسرطان، المسؤولة عن معظم الوفيات حول العالم. على الرغم من انتشارها الواسع، فإنها لا تثير القدر نفسه من الجدل الذي تثيره الأوبئة المعدية التي تنتشر ومن ثم تختفي، لكن الأمراض غير المعدية تستمر وتنمو ببطء.
يعد نظام الحياة سبباً أساسياً لانتشار هذه الأمراض، فالنظام الغذائي الغني بالأطعمة المصنعة والدهون المشبعة يؤدي إلى السمنة، التي تعد عامل خطر رئيسياً للإصابة بأمراض مثل داء السكري من النوع الثاني وأمراض القلب. ويزيد الخمول البدني تفاقم هذه المخاطر بإضعاف صحة القلب والأوعية الدموية. كما أن التدخين والكحول من العوامل الرئيسية المسببة لمختلف أنواع السرطان والأمراض المزمنة. تضاف إلى هذه العوامل، الظروف الاجتماعية والاقتصادية، ما يشكل بيئة مثالية لتطور الأمراض غير المعدية.
غالباً لا يدرك الشخص إصابته بالمرض. وإذا أهملت هذه العوامل خلال مراحل الإصابة الأولى، فإنها قد تسهم في تطور الأمراض غير المعدية، بالإضافة إلى شيوع حدوث الأمراض المصاحبة، مثل الأمراض العصبية كآلزهايمر، واضطرابات الصحة العقلية ومنها القلق.
تشكل الأمراض غير المعدية تهديداً اقتصادياً عالمياً؛ إذ ترتفع بسببها تكاليف الرعاية الصحية، وتنخفض إنتاجية القوى العاملة، وتزداد خسارة الموارد البشرية. كما تشكل عبئاً مالياً إضافياً بالنسبة للأسر ذات الدخل المنخفض.
الجائحة الصامتة في دول مجلس التعاون الخليجي
تشكل الأمراض السارية غير المعدية عبئاً مالياً متوسطاً يعادل 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي في دول مجلس التعاون الخليجي، ويتراكم ليصل إلى 50 مليار دولار أميركي سنوياً. وتمثل ما بين 69% و83% من إجمالي الوفيات في دول مجلس التعاون الخليجي.
ركزت الدراسة الحديثة، المنشورة في دورية عمان الطبية، على دولة الكويت، وحددت عدة عوامل خطر رئيسية مرتبطة بالأمراض غير المعدية فيها، والتي تتطور بالتدريج على مدى عدة عقود، وتبدأ من مرحلتي الطفولة المبكرة والمراهقة، لكن العلامات السريرية لها تظهر عادةً في العقود الأخيرة من العمر. وتشمل هذه العوامل:
- النمط الغذائي غير الصحي وقلة تناول الفواكه والخضروات.
- الخمول البدني وأنماط النوم غير الصحية.
- السمنة أو زيادة الوزن المفرطة.
- الملوثات البيئية.
- التدخين.
اقرأ أيضاً: العامل الصامت: الخمول البدني يتسبب في 8% من الأمراض والوفيات
بالإضافة إلى ذلك، تظهر النتائج التزام السكان الضعيف بالسلوكيات الصحية التي تقلل خطر الإصابة بالأمراض غير المعدية، فقد وجد الباحثون أن عدداً كبيراً من المصابين بارتفاع ضغط الدم ليس لديهم علم بإصابتهم أو أنهم غير مدركين لخطورة الأمر. ويعود سبب ارتفاع حالات الإصابة إلى الاستهلاك المفرط للملح والسكريات المكررة ما يسبب ارتفاع الوفيات بأمراض القلب والأوعية الدموية.
جرى أيضاً تحديد عوائق ثقافية واجتماعية وبيئية تعوق تبني أنماط حياة صحية، وأبرزها المناخ الجاف الذي يحد من الأنشطة الخارجية، والتوافر المفرط للأطعمة فائقة المعالجة، بالإضافة إلى العمران والتطور التكنولوجي الذي يشجع على السلوكيات الخاملة ويقلل النشاط البدني، علاوة على نقص المرافق الرياضية الملائمة.
لتقليل المخاطر، تنصح الدراسة بتبني النظام الغذائي المتوسطي منخفض السعرات الحرارية، وممارسة التمارين الرياضية بانتظام والحفاظ على أنماط نوم صحية، والإقلاع عن التدخين.
تركز الدراسات عموماً على أهمية الكشف المبكر عن الأمراض لتحديد علامات الخطر التي قد لا يجري التقاطها في زيارات الرعاية الصحية الروتينية، وذلك من خلال دمج مقاييس الأداء البدني، مثل قوة العضلات واللياقة الهوائية، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالصحة الأيضية ومخاطر الوفاة.
وتوصي مقدمي الرعاية الصحية بتوجيه توصيات نمط حياة محددة ومناسبة لكل فرد، بدلاً من تقديم نصائح عامة، مثل التوصية بالاستفادة من الأماكن المغلقة المكيفة، كالمراكز التجارية الكبيرة، لتشجيع زيادة النشاط البدني لمواجهة تحدي المناخ الحار.
سبل الوقاية التي يمكن لدول الخليج اتباعها للحد من خطر الجائحة الصامتة
إن التطور البطيء للإصابة بالأمراض المعدية يتيح فرصة للتدخل المبكر وإنقاذ الأرواح، فعوامل الخطر الرئيسية قابلة للوقاية. من الإجراءات الوقائية التي يمكن اعتمادها:
- تخطيط المدن بحيث تعطى الأولوية لإنشاء مجتمعات سكنية ملائمة للمشي وركوب الدراجات، وزيادة إمكانية الوصول إلى المساحات الخضراء.
- إنتاج الأغذية الصحية وبأسعار معقولة، مع خفض الدعم المقدم للخيارات المصنعة غير الصحية.
- تنفيذ برامج تثقيف صحي شاملة في المدارس وأماكن العمل للتشجيع على اتباع أنظمة غذائية صحية وممارسة النشاط البدني.
- فرض الضرائب على التبغ والمشروبات السكرية، وتقييد الإعلانات عن المنتجات غير الصحية، وتطبيق معايير أكثر صرامة لجودة الهواء.
- تعزيز أنظمة الرعاية الصحية لتحسين الوقاية من الأمراض غير المعدية والكشف المبكر عنها وإدارتها، واعتماد برامج الفحص بأسعار معقولة، وتدريب العاملين في مجال الرعاية الصحية على إدارة الأمراض غير المعدية، وضمان توفير إمدادات موثوقة من الأدوية والتقنيات الأساسية.
- توحيد الجهود عبر دول مجلس التعاون الخليجي لتبادل الخبرات وتطبيق أفضل السياسات.
اقرأ أيضاً: الجائحة الصامتة: كيف نقلل انتشار ظاهرة مقاومة الصادات الحيوية؟
باختصار، تتطلب الوقاية تضافر الجهود التعاونية بين المتخصصين في المجال الطبي والصحة وصانعي السياسات، بالتعاون مع الجهات المعنية الأخرى لتحسين الثقافة الصحية بين سكان دول مجلس التعاون الخليجي.