ما سر قدرة بعض الرياضيين المحترفين على الاستمرار في التحسن مع تقدمهم في السن؟

5 دقيقة
ما سر قدرة بعض الرياضيين المحترفين على الاستمرار في التحسن مع تقدمهم في السن؟
بالنسبة إلى الرياضيين في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، فإن البقاء في قمة مستواهم مسألة تتعلق بجوانب تطبيقية في علم الأحياء.

حتى مع التقدم في العمر، يثبت بعض الرياضيين المحترفين أن الأداء العالي ليس حكراً على الشباب. السر يكمن في التكيف المستمر بين الدماغ والجسم والعقلية:

  • التعرض المتكرر للمواقف الضاغطة يعزز كفاءة القشرة الجبهية في اتخاذ القرارات وضبط الانفعالات، ويحد من سيطرة اللوزة الدماغية …

في عالم يهيمن فيه الشباب والسرعة على الرياضة، فإن بعض الرياضيين في أواخر الثلاثينيات وحتى الأربعينيات من العمر لا يواكبون التطور فحسب، بل يزدهرون.

لا يزال نوفاك ديوكوفيتش يتفوق على خصومه الذين يبلغون نصف عمره تقريباً في أكبر ملاعب التنس. ويواصل ليبرون جيمس فرض إيقاع مباريات الدوري الأميركي للمحترفين لكرة السلة، مدافعاً عن مراكز وسط الارتكاز ومنظماً للألعاب ببراعة بصفة صانع ألعاب. وفازت أليسون فيليكس بميداليتها الأولمبية الحادية عشرة في ألعاب القوى في سن الخامسة والثلاثين. وفاز توم برادي ببطولة السوبر بول في سن الثالثة والأربعين، بعد فترة طويلة من اعتزال معظم لاعبي الوسط في دوري كرة القدم الأميركية.

إن التفوق المستمر لهؤلاء الرياضيين لا يرجع فقط إلى الموهبة أو العزيمة، بل إلى جوانب تطبيقية في علم الأحياء. فالبقاء في قمة مستواهم يعكس تقارباً قابلاً للتدريب بين الدماغ والجسم والعقلية. أنا عالم أداء ومعالج فيزيائي أمضيت أكثر من عقدين من الزمن في دراسة كيفية تدريب الرياضيين وتخفيض حجم تدريبهم تدريجياً وتعافيهم وبقائهم في قمة مستواهم. هذه الرؤى ليست مخصصة فقط للرياضيين الرفيعي المستوى، فهي تنطبق على أي شخص يخوض تغييرات كبيرة في الحياة أو يسعى للحفاظ على صحته.

تظهر الأبحاث على نحو متزايد أن الأنظمة التي تدعم الأداء العالي، من التحكم الحركي إلى تنظيم التوتر إلى التعافي، ليست سمات ثابتة بل قدرات قابلة للتدريب. في عالم يتسم بالتغيير والاضطراب المتسارع، قد تكون القدرة على التكيف مع التغييرات الجديدة أهم مهارة على الإطلاق. إذاً، ما الذي يجعل هذه القدرة على التكيف ممكنة، بيولوجياً وإدراكياً وعاطفياً؟

اقرأ أيضاً: لماذا يتسارع نبض القلب إذا كان القلق في الدماغ؟

اللوزة الدماغية والقشرة الجبهية

تظهر أبحاث علوم الأعصاب أنه مع التعرض المتكرر للمواقف العالية المخاطر، يبدأ الدماغ في التكيف. وتصبح القشرة الجبهية -المنطقة الأكثر مسؤولية عن التخطيط والتركيز واتخاذ القرارات- أكفأ في إدارة الانتباه واتخاذ القرارات، حتى تحت الضغط.

في المواقف العصيبة، مثل مواجهة فرصة تسجيل النقطة الحاسمة في المباراة النهائية من بطولة غراند سلام، يمكن لهذه المنطقة من الدماغ أن تساعد الرياضي على البقاء متماسكاً واتخاذ خيارات ذكية، ولكن فقط إذا تدرب عليها الرياضي جيداً.

وعلى النقيض من ذلك، يمكن للوزة الدماغية، وهي العضو الذي يكشف التهديدات في دماغنا، أن تسيطر على الأداء عن طريق إثارة الذعر أو تجميد الاستجابات الحركية أو التحريض على اتخاذ قرارات متهورة. ومع التعرض المتكرر للحظات العالية المخاطر، يعيد الرياضيون النخبة تشكيل هذا المسار من الترابط بين الخلايا في الدماغ تدريجياً.

فهم يتعلمون ضبط تفاعل اللوزة الدماغية والحفاظ على نشاط القشرة الجبهية، حتى عندما يرتفع الضغط. هذا المسار المحسن بين الخلايا العصبية في الدماغ يمكن الرياضيين المتمرسين من الحفاظ على سيطرتهم على المشاعر.

إنشاء حلقة بين الدماغ والجسم

عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ، أو "بي دي إن إف" (BDNF) اختصاراً، هو جزيء يدعم التكيف السريع مع التغيرات. يمكن اعتباره عاملاً مخصباً للدماغ. فهو يعزز اللدونة العصبية: أي قدرة الدماغ على إعادة تشكيل مسارات الترابط بين خلاياه من خلال التجربة والتكرار. تساعد هذه العملية الرياضيين على بناء أنماط الترابط بين خلايا الدماغ وتعزيزها للتحكم في مشاعرهم وإدارة انتباههم والتحرك بدقة.

ترتفع مستويات "بي دي إن إف" مع النشاط البدني المكثف والتركيز الذهني والممارسة المتعمدة، خاصة عندما يقترن ذلك باستراتيجيات التعافي مثل النوم والتنفس العميق.

وترتبط مستويات "بي دي إن إف" المرتفعة بارتفاع القدرة على الصمود في مواجهة الإجهاد وقد تدعم التعلم الحركي الأسرع، وهي عملية تنطوي على تطوير أنماط الحركة أو تحسينها.

على سبيل المثال، بعد خسارة مجموعة في مباراة التنس، غالباً ما يستعيد ديوكوفيتش توازنه بعد الخسارة بأن يأخذ أنفاساً عميقة وبطيئة، لا من أجل أن يهدئ أعصابه فحسب، بل من أجل التوقف لحظات واستعادة السيطرة. هذه الطريقة المتعمدة في التنفس تساعده على استعادة التركيز، ومن المرجح أنها تهدئ إشارات التوتر في دماغه.

في مثل هذه اللحظات، من المرجح أن المستويات العالية المتوفرة من "بي دي إن إف" تسمح له بتنظيم انفعالاته وإعادة ضبط استجابته الحركية، ما يساعده على أن يسبق خصمه في العودة إلى ذروة الأداء.

إعادة تشكيل المسارات العصبية في أدمغتنا

من حيث الجوهر، فإن الرياضيين الذين يتدربون ويتنافسون بصورة متكررة في بيئات حافلة بالضغط الشديد يعيدون تشكيل المسارات العصبية في أدمغتهم للاستجابة بفعالية أكبر لتلك المتطلبات. وتساعد عملية إعادة الضبط هذه، الناتجة عن التعرض المتكرر للضغط، على تعزيز مستويات العامل "بي دي إن إف"، ما يؤدي إلى إبقاء القشرة الجبهية في قمة نشاطها وتقليل ميل اللوزة الدماغية إلى المبالغة في رد الفعل.

هذا النوع من الضبط البيولوجي هو ما يسميه العلماء "الاحتياط الإدراكي والتوازن الداخلي"، وهو العملية التي يستخدمها الجسم لإجراء التغييرات استجابة للتوتر أو المتطلبات البيئية للحفاظ على استقراره. وهي تساعد الدماغ والجسم على أن يكونا مرنين لا هشين.

والأهم من ذلك، لا يقتصر هذا التكيف على الرياضيين النخبة. إذ تظهر الدراسات التي أجريت على البالغين من الأعمار جميعها أن النشاط البدني المنتظم -خاصة التمارين التي تحفز الجسم والعقل على حد سواء- يمكن أن يرفع مستويات "بي دي إن إف"، ويحسن قدرة الدماغ على التكيف والاستجابة للتحديات الجديدة، ويخفف ردود الفعل تجاه التوتر.

اقرأ أيضاً: لماذا نتحدث في أثناء نومنا؟ يبدو أنه خلل في الدماغ

وقد ثبت أن البرامج التي تجمع بين الحركة الهوائية ومهام التنسيق، مثل الرقص أو التدريبات المعقدة أو حتى المشي السريع في أثناء حل المشكلات، تحافظ على المهارات مثل التركيز والتخطيط والتحكم في الانفعالات وتنظيم الانفعالات بمرور الوقت.

بعد جلسات التدريب المكثفة أو بعد المباريات، غالباً ما ترى الرياضيين يسارعون إلى ركوب دراجاتهم الهوائية أو يقضون بعض الوقت في المسابح. إذ تساعد هذه الحركات الخفيفة التي تتطلب بذل مجهود منخفض، والمعروفة باسم التعافي النشط، على تهدئة الجهاز العصبي تدريجياً.

بعيداً عن التعافي النشط، يعد النوم العملية الأمثل لإعادة الضبط والإصلاح الحقيقيين. يساعد النوم على التعلم، ويقوي الروابط العصبية التي واجهت التحديات في أثناء التدريب والمنافسة.

وبمرور الوقت، يخلق هذا التقارب سلسلة من الخطوات القابلة للتدريب بين الدماغ والجسم، وهي مجهزة على نحو أفضل للتكيف والتعافي وتقديم الأداء المطلوب.

 

دروس خارج نطاق الرياضة

مع أن الأضواء قد تكون مسلطة على الملاعب الرياضية، فإنك لست في حاجة إلى أن تكون رياضياً محترفاً للتدرب على هذه المهارات نفسها.

فالقدرة على الأداء تحت الضغط هي نتيجة للتكيف المستمر. وسواء أكنت تخوض غمار مسيرة مهنية أو تعتني بأفراد أسرتك أو تسعى ببساطة للحفاظ على رباطة جأشك في ظل التغيرات التي يشهدها العالم، فإن المبادئ هي نفسها: واجه التحديات، وسيطر على التوتر، وتعاف بأسلوب مدروس.

في حين أن السرعة والرشاقة والقوة قد تتراجع مع التقدم في السن، فإن بعض المهارات الرياضية الخاصة، مثل التوقع واتخاذ القرار والوعي الاستراتيجي، تتحسن بالفعل. فالرياضيون الذين يتمتعون بسنوات من الخبرة يطورون نماذج ذهنية أسرع لكيفية سير اللعبة، ما يسمح لهم باتخاذ قرارات أفضل وأسرع وبأقل جهد ممكن. هذه الكفاءة هي نتيجة سنوات من تقوية المسارات العصبية التي لا تتلاشى على الفور مع التقدم في السن. وهذا أحد الأسباب التي تجعل الرياضيين المتمرسين يتفوقون في كثير من الأحيان حتى لو كانوا قد تجاوزوا ذروة لياقتهم البدنية بكثير.

يعزز النشاط البدني، وخاصة الحركة الديناميكية والمتناسقة، قدرة الدماغ على التكيف. وينطبق الأمر نفسه على تعلم المهارات الجديدة وممارسة اليقظة الذهنية وحتى التدرب على الأداء تحت الضغط. في الحياة اليومية، قد يكون الشخص المقصود جراحاً يتدرب على إجراء عملية جراحية حرجة باستخدام نظام محاكاة حاسوبية، أو معلماً يحضر لاجتماع صعب مع أولياء الأمور، أو متحدثاً يتدرب على عرض تقديمي ذي أهمية بالغة ليحافظ على هدوئه واتزانه عند الضرورة. هذه ليست طقوساً مخصصة للنخبة، بل هي استراتيجيات سهلة المنال لبناء القدرة على الصمود والكفاءة الحركية والتحكم في المشاعر.

يمتلك البشر قدرة فطرية على التكيف، وباتباع الاستراتيجيات الصحيحة، يمكنك الحفاظ على التميز في أي مرحلة من مراحل الحياة.

المحتوى محمي