كيف يدمر التوتر صحتك وأداءك الوظيفي؟

4 دقيقة
كيف يدمر التوتر صحتك وأداءك الوظيفي؟
حقوق الصورة: بوبيولار ساينس العربية. تصميم: عبدالله بليد.

التوتر في بيئة العمل ليس حالة نفسية عابرة، بل استجابة بيولوجية مزمنة يقودها الكورتيزول، قادرة على تقويض الصحة والأداء معاً إذا تركت دون إدارة واعية:

  • الكورتيزول هرمون أساسي للاستجابة للتوتر، يفيد على المدى القصير، لكنه يصبح ضاراً عند ارتفاعه المزمن نتيجة ضغوط العمل المست…

لم يعد التوتر في المكتب مجرد شعور عابر يمكن تجاوزه بفنجان قهوة أو استراحة قصيرة، فما يحدث داخل قاعات الاجتماعات وبين الشاشات المضيئة ساعات طويلة هو عملية بيولوجية دقيقة يقودها هرمون واحد: الكورتيزول.

مع أن هذا الهرمون يعد صديقاً لنا في الأزمات، فإنه يتحول إلى عدو صامت حين يظل مرتفعاً، ينهش عضلاتنا ويضعف عظامنا ويقوض نومنا وتركيزنا، حتى لدى أكثر الموظفين طموحاً وكفاءة.

دور الكورتيزول في رفع التوتر

يعد الكورتيزول أحد الهرمونات الأساسية في منظومة الاستجابة للتوتر في الجسم، وتفرزه الغدة الكظرية عند التعرض لأي ضغط نفسي أو جسدي. في الحالات الطبيعية، يؤدي هذا الهرمون دوراً إيجابياً في تحسين التركيز، وتنظيم مستوى السكر في الدم، ومساعدة الجسم على التعامل مع التحديات القصيرة الأمد. إلا أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الاستجابة من حالة مؤقتة إلى حالة مزمنة.

إذ توضح الأدلة العلمية أن التعرض المستمر لضغوط العمل، كضغط الوقت، وتعدد المهام، وعدم وضوح التوقعات، يرتبط بارتفاع مستمر في مستويات الكورتيزول، سواء في اللعاب حسب دراسة نشرت عام 2022 في المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة أم في الشعر حسب دراسة نشرت في العام نفسه في مجلة علم النفس العصبي والغدد الصماء، وهو ما يستخدم اليوم بوصفه مؤشراً حيوياً للتوتر المزمن.

هذا الارتفاع المزمن لا يمر دون ثمن، فالكورتيزول المرتفع فترات طويلة يسهم في تكسير البروتينات العضلية، ويضعف كثافة العظام، ويؤثر سلباً في الجهاز المناعي ووظائف الذاكرة والانتباه.

اقرأ أيضاً: لماذا ننسى ونرتبك تحت الضغط؟ الإجابة في الدماغ

كيف يؤثر التوتر في أداء الموظفين في المكاتب؟

قد يبدو التوتر في بيئة العمل ظاهرة نفسية بحتة، لكنه في الواقع ينعكس سريعاً على الأداء المهني عبر مسارات بيولوجية وسلوكية دقيقة. فعندما يبقى مستوى الكورتيزول مرتفعاً فترات طويلة، يعمل الدماغ، وخاصة القشرة الجبهية المسؤولة عن التخطيط واتخاذ القرار، بكفاءة أقل. وتظهر دراسة حديثة نشرتها مجلة علم الأحياء العصبي للإجهاد عام 2024 أن التوتر المزمن يضعف القدرة على التركيز، ويقلل المرونة المعرفية، ويزيد الأخطاء في المهام التي تتطلب انتباهاً مستمراً.

اقرأ أيضاً: كيف تتخلص من التوتر وضغط العمل باستخدام أدوات التكنولوجيا الحديثة؟

على مستوى السلوك الوظيفي، يرتبط التوتر المزمن بانخفاض الإنتاجية حتى عند زيادة ساعات العمل. فالأبحاث، مثل البحث الذي نشرته مجلة آفاق في علم النفس عام 2022، تشير إلى أن الموظف المتوتر قد يبذل جهداً أكبر، لكنه يحقق نتائج أقل بسبب الإرهاق الذهني وضعف استعادة الطاقة. كما أن تأثير التوتر المستمر يؤدي إلى قرارات متسرعة، وتراجع في جودة التواصل داخل فرق العمل.
ولا يقتصر التأثير على الأداء الفردي فقط، بل يمتد إلى الثقافة المؤسسية ككل. فارتفاع مستويات التوتر داخل الفرق يرتبط بزيادة الغياب الوظيفي، وارتفاع معدلات الاستقالة الصامتة، وتراجع الالتزام الوظيفي.

الأمر اللافت أن المدراء والقيادات ليسوا بمعزل عن هذا التأثير، بل غالباً ما يكون أثر التوتر لديهم أكثر تعقيداً. فارتفاع الكورتيزول لدى متخذي القرار يرتبط بتفضيل الحلول القصيرة المدى على حساب الرؤية الاستراتيجية، وبانخفاض القدرة على الإصغاء والتقييم الهادئ للمخاطر. وتؤكد أبحاث في علم الأعصاب التنظيمي مثل البحث الذي نشرته مجلة آفاق في علم النفس عام 2022 أن الضغط المستمر قد يجعل القائد أكثر حدة وأقل تعاطفاً، حتى دون وعي منه.

بعبارة أخرى، التوتر في المكتب لا يضعف الأفراد فقط، بل يستهلك رأس المال البشري للشركة تدريجياً. ومن هنا، فإن التعامل مع الكورتيزول ليس ترفاً صحياً، بل مدخلاً مباشراً لتحسين الأداء، وجودة القرارات، واستدامة النجاح المؤسسي.

اقرأ أيضاً: دليلك للراحة التامة: خطوات لتخفيف التوتر قبل الإجازة وفي أثنائها وبعدها

كيف نخفض نسبة الكورتيزول في الدم لتحسين الأداء في العمل؟

يعد خفض مستويات الكورتيزول في الدم عاملاً مهماً في تحسين الأداء الذهني والبدني في مكان العمل، ويمكن لبعض الاستراتيجيات البسيطة أن تحدث فرقاً ملحوظاً:

اتبع نظاماً غذائياً متوازناً

يؤثر ما تتناوله من طعام في مستويات الكورتيزول لديك، وقد وجدت دراسة نشرتها مجلة نوترينتز عام 2019 أن النظام الغذائي الغني بالسكريات المضافة والدهون المشبعة قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات الكورتيزول مقارنة بالنظام الغذائي الغني بالفواكه والخضروات والحبوب الكاملة. كما أن الألياف الغذائية الموجودة في البقوليات والمكسرات والبذور تسهم في الحفاظ على استقرار مستويات الكورتيزول.

احصل على قسط كاف من النوم

قد يجعل التوتر النوم أو الاستمرار فيه صعباً عليك، لكن عدم الحصول على قسط كاف من النوم قد يزيد مستوى الكورتيزول. لذا اجعل من الحصول على نوم هانئ ليلاً أولوية بالنسبة لك. ويمكنك أيضاً تجربة ما يلي:

  • شرب شاي البابونج.
  • الحفاظ على برودة غرفتك وظلامها.
  • الحد من استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل النوم.
  • استخدام جهاز الضوضاء البيضاء أو أصوات النوم.
  • اتباع جدول نوم منتظم.

قلل تناول الكافيين

مع أن فنجان قهوتك الصباحي قد يوقظك، فإن الكافيين قد يزيد مستويات الكورتيزول لديك، كما أنه قد يؤثر في مزاجك. قد تشعر بتحسن مؤقت بعد تناول كميات كبيرة من الكافيين، لكن سرعان ما يتدهور مزاجك. في الواقع، ليس عليك تجنب الكافيين تماماً، ولكن إذا لاحظت أن فنجاناً ثانياً من القهوة يزيد حالتك سوءاً بدلاً من تحسينها، فقلل استهلاكك إلى فنجان واحد يومياً أو استبدل به القهوة المنزوعة الكافيين.

جرب تقنيات الاسترخاء

لست في حاجة إلى أن تكون خبيراً في اليوغا لتستفيد من تقنيات الاسترخاء كالتنفس العميق أو التأمل. فمن فوائد التنفس العميق أنه يمكنك ممارسته في أي مكان، كلما شعرت بالتوتر. يساعد التنفس العميق المنتظم على خفض ضغط الدم، ومعدل ضربات القلب، ومستويات الكورتيزول.

ضع في اعتبارك المكملات الغذائية

يعد النظام الغذائي المتوازن أفضل طريقة للحصول على العناصر الغذائية الأساسية التي تدعم المزاج وتساعد على إدارة التوتر، لكن بعض المكملات الغذائية قد تفيد أيضاً. على سبيل المثال، ثبت أن أحماض أوميغا 3 الدهنية، وهي دهون صحية موجودة في الأسماك الدهنية مثل السلمون، وبذور الشيا، وبذور الكتان، تساعد على خفض مستويات الكورتيزول. يمكنك الحصول على أوميغا 3 من مكملات زيت السمك. كما ربطت دراسة نشرتها مجلة التطورات العلاجية في علم الغدد الصماء والتمثيل الغذائي عام 2016 أيضاً بين فيتامين د وانخفاض مستويات الكورتيزول.

دور القيادة في خفض التوتر البيولوجي

بقي أن نشير إلى دور القادة في المؤسسات والشركات في خفض التوتر لدى الموظفين، فالقيادة الداعمة وتعزيز مهارات التواصل الواضح لدى القيادات وإدارة التوقعات تقلل الغموض الإداري، وهو أحد أهم محفزات الكورتيزول. ومنذ مطلع العقد الثاني من هذا القرن، بدأت أبحاث علم النفس التنظيمي تظهر أن أسلوب القيادة في المؤسسات يرتبط بانخفاض التوتر الهرموني لدى الموظفين، كالبحث الذي نشرته مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأميركية عام 2012.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن يقتلنا التوتر بالمعنى الحرفي للكلمة؟

التوتر في بيئة العمل لم يعد مسألة نفسية يمكن تجاهلها أو التعامل معها بوصفها ثمناً طبيعياً للنجاح، بل أصبح ظاهرة بيولوجية قابلة للقياس والإدارة، ذات أثر مباشر في الأداء، وصحة الموظفين، وجودة القرارات. والسيطرة على التوتر لا تتطلب حلولاً جذرية أو انسحاباً من متطلبات العمل، بل فهماً أعمق لكيفية عمل الجسد تحت الضغط، وترجمة هذا الفهم إلى ممارسات يومية ذكية على مستوى الفرد والمؤسسة.

المحتوى محمي