تشنجات الساق الليلية هي انقباضات عضلية مؤلمة، مفاجِئة ولا إرادية، تصيب غالباً ربلة الساق أو القدم أو الفخذ، وقد تستمر من ثوان معدودة إلى بضع دقائق، فتربك نومك وتعطل نشاطك اليومي والرياضي. وعلى الرغم من شدة الألم، فإنها في معظم الحالات ليست خطرة بحد ذاتها، لكنها قد تكون مرتبطة بحالات طبية معينة أو أدوية، كما تتأثر بعوامل خطر يمكن الحد منها. فإذا كنت تعاني مثل هذه التشنجات، تابع هذا المقال لتتعرف إلى أسبابها وطرق علاجها.
أسباب تشنج الساق ليلاً
وفقاً للأستاذ في قسم طب الأسرة بجامعة ألبرتا، الطبيب سكوت غاريسون، يميل الجسم الطبيعي ليلاً في أثناء النوم إلى مد الكاحل للأسفل (الأصابع مشدودة للأمام)، وهي وضعية تقصر عضلة الساق الخلفية و"وتر أخيل"، ما يضع العضلة في حالة استعداد للانقباض. فإذا بقيت القدم في هذه الوضعية فترات طويلة، تصبح حتى الحركات البسيطة سبباً للتشنج، لأن الألياف العضلية القصيرة تكون أقل مرونة وأكثر عرضة للتشنج عند أدنى إشارة عصبية غير مستقرة.
بالإضافة إلى ذلك، عندما يبدأ الدماغ بالتحول من حالة اليقظة إلى النوم، يتبدل نشاط الجهاز العصبي، وترتخي معه العضلات تدريجياً. غير أن هذا الانتقال لا يكون دائماً متزامناً على نحو مثالي، ففي بعض الأحيان، ترتخي العضلات قبل أن ينهي الدماغ تماماً إشرافه الحركي عليها. هذا الخلل المؤقت في التوقيت، بين الاسترخاء الجسدي وبقاء بعض النشاط العصبي، قد يترجم إلى انقباض عضلي مفاجئ في أثناء النوم.
عموماً، من المحفزات الشائعة التي قد تسبب تشنجات الساق ليلاً:
الإرهاق العضلي
تعتمد مرونة حركة الجسم وانسيابها على تعاقب انقباض الألياف العضلية وانبساطها. ولكن، حين تجبر عضلاتك على مجهود يفوق طاقتها، أو تقف فترات زمنية ممتدة، خاصة إذا كنت غير معتاد على الرياضة أو تمارسها أول مرة بجهد مفرط، تتعب الألياف العضلية، ويتراكم الإجهاد، وتصبح أكثر قابلية للتقلصات المؤلمة ليلاً حين يحاول الجسم الدخول في طور الاسترخاء.
نقص المغنيزيوم
يعد المغنيزيوم من العناصر الأساسية التي تسهم بتنظيم وظائف العضلات، بالإضافة إلى بناء الحمض النووي (DNA)، وضبط ضغط الدم. ويؤدي نقص هذا العنصر الحيوي إلى فقدان العضلات لقدرتها على الارتخاء السلس، ما يجعلها عرضة للتقلص المفاجئ. وتزداد هذه المخاطر لدى المصابين بمرض "السيلياك" (حساسية الغلوتين) أو الإسهال المزمن، حيث يضعف امتصاص المغنيزيوم في الجسم.
نقص البوتاسيوم
يؤدي البوتاسيوم دور "المنظم" للانقباضات العضلية؛ ففي الحالة الطبيعية، تطلق الأنسجة العضلية البوتاسيوم في أثناء التمرين لتوسيع الأوعية الدموية وضمان تدفق الدم. لذا، فإن انخفاض مستوياته في الدم يؤدي على نحو مباشر إلى ضعف العضلات، وظهور التشنجات الليلية باعتبارها عرضاً سريرياً أولياً لهذا الاختلال.
نمط الحياة الخامل
من المفارقات العلمية أن قلة الحركة تسبب التشنج بقدر ما يسببه الإفراط فيها. فالجلوس فترات طويلة أو تبني نمط حياة ساكن يؤدي إلى ضعف تروية الساقين بالدم. علاوة على ذلك، فإن الجلوس بوضعية خاطئة قد يتسبب في ضغط الأعصاب أو إعاقة تدفق الدم، وكلاهما عاملان يزيدان من قابلية العضلات للتقلص المؤلم.
الآثار الجانبية للأدوية
قد تكون تشنجات القدم إحدى الآثار الجانبية لبعض الأدوية، مثل:
- حاصرات بيتا.
- الستاتينات (مخفضات الكوليسترول).
- حبوب منع الحمل.
- بعض المدرات البولية.
كما أن الأشخاص الذين يخضعون لجلسات الغسيل الكلوي يكونون أكثر عرضة للإصابة بتشنجات الساق الليلية.
الأحذية الضيقة
تضغط الأحذية الضيقة على القدم وأصابعها، ما قد يحد من تدفق الدم إلى هذه المنطقة. كما أن الصنادل غير المريحة أو الأحذية ذات الكعب العالي تضع القدم في وضعيات تشريحية غير طبيعية فترات طويلة، قد تظهر تبعاتها لاحقاً على شكل تقلصات ليلية.
الحمل والتغيرات الفيزيولوجية
تعد النساء الحوامل، خاصة في الثلثين الثاني والثالث من الحمل، من الفئات الأكثر عرضة لهذه التقلصات. وعلى الرغم من أن السبب الدقيق غير واضح تماماً، يرجح أن يكون الثقل الإضافي الواقع على الساقين مع نمو الجنين من العوامل التي تسهم في هذه التشنجات.
الجفاف
الجفاف ليس مجرد شعور بالعطش، بل هو فقدان للعناصر المنظمة للحركة (الأملاح والمعادن). فعندما يقل منسوب السوائل بسبب قلة الشرب أو المرض أو التعرق تحت أشعة الشمس، تفقد العضلات توازن "الإلكتروليتات" اللازم لعملها، ما يجعلها عرضة لنوبات تشنجية متكررة. ونظراً إلى أنك لا تشرب الماء في أثناء النوم 7 أو 8 ساعات، فإنه مع استمرار جسمك في فقدان السوائل عبر التنفس والتعرق الليلي، يصل تركيز الأملاح (الإلكتروليتات) حول الأعصاب إلى نقطة حرجة في منتصف الليل، فترسل إشارات نبضات عشوائية للعضلات، ما يؤدي لتقلصها.
استهلاك الكحول
يؤدي الإفراط في استهلاك الكحول إلى حالة تعرف بـ "الاعتلال العصبي الكحولي"، حيث تتضرر الأعصاب وتظهر أعراض تتراوح بين الوخز والتنميل والتقلصات الحادة. فضلاً عن ذلك، يستنزف الكحول مخزون الجسم من فيتامينات ب ويسبب الجفاف، ما يضاعف احتمالية حدوث التشنج.
مؤشرات لأمراض أخرى
أحياناً، يكون تشنج الساق "رسالة مشفرة" من أعضاء أخرى. فقد ربطت الأبحاث بين التقلصات الليلية ومجموعة من الاضطرابات الصحية، منها:
- الفشل الكلوي واعتلال الأعصاب السكري.
- متلازمة تململ الساقين.
- فقر الدم وتليف الكبد.
- اضطرابات الغدة الدرقية.
- ضيق القناة الشوكية، لأنه يؤدي إلى ضغط على الأعصاب يترجم بصورة ألم وتقلص في الأطراف.
اقرأ أيضاً: ما لم يخبرك به مدربو اللياقة عن بناء العضلات
كيف تقلل تشنجات الساق ليلاً؟
يمكن لتبني بعض العادات اليومية أن يخفض تكرار تشنجات الساق الليلية وحدتها، مثل:
- تمديد العضلات قبل النوم: يساعد تمديد عضلات الساق الخلفية (بطن الساق) وأوتار الركبة يومياً، ولا سيما قبل الخلود إلى النوم، على منح الألياف العضلية المزيد من المرونة، ويقلل قابليتها للانقباض المفاجئ عندما تسترخي في وضعية النوم.
- ممارسة نشاط بدني منتظم: يساعد النشاط الخفيف المنتظم بعد وجبة العشاء، مثل المشي الهادئ أو استخدام دراجة ثابتة، على تحسين الدورة الدموية، وتخفيف تيبس العضلات قبل النوم.
- الترطيب الجيد خلال اليوم: بقاء الجسم رطباً، خصوصاً في أشهر الصيف الحارة، شرط أساسي لعمل العضلات بصورة طبيعية. كما ينبغي الحد من تناول الكافيين والكحول؛ فكلاهما يمكن أن يسهم في زيادة فقدان السوائل ويفاقم مشكلة الجفاف.
- اختيار أحذية داعمة: اختر أحذية مريحة وملائمة للمشي والوقوف، بحيث توفر دعماً جيداً لقوس القدم والكاحل وتساعد على تحسين توزيع الضغط على العضلات والأوتار، وتخفف الجهد الواقع على عضلات الساق طوال اليوم.
- حمام دافئ قبل النوم: النقع في ماء دافئ قبل النوم فعال في إرخاء عضلات الساق وتحسين تدفق الدم إليها.
- ترك أغطية السرير فضفاضة: قد لا يخطر في بالك أن طريقة ترتيب الأغطية تؤثر في تشنجات الساق، لكن البطانيات المشدودة عند طرف السرير يمكن أن تقيد حركة القدم وتضعها في وضعية تشجع التقلصات.
اقرأ أيضاً: 5 تمارين لإطالة الجزء السفلي من الظهر لتخفيف الأوجاع والآلام
ماذا تفعل عندما يداهمك التشنج؟
في حال حدوث تشنجات الساق الليلية، يمكنك اتباع هذه الخطوات لتخفيف الألم بسرعة نسبياً:
- تمديد العضلة المتشنجة برفق: عند تشنج بطن الساق، حاول سحب أصابع القدم في اتجاه الساق؛ أي ثني القدم إلى الأعلى. أما في حالة تشنج القدم، يمكن تمطيط الأصابع أو استخدام رولر مخصص للقدم.
- تدليك العضلة: دلك العضلة المتشنجة بلطف باستخدام اليد، أو يمكنك وضع كمادة باردة أو قطعة ثلج ملفوفة بقماش على المنطقة وتدليكها بحركات دائرية خفيفة.
- الوقوف والمشي بضع خطوات: مجرد الوقوف والمشي القصير في الغرفة يساعد على إعادة تفعيل الدورة الدموية وإعادة العضلة إلى وظيفتها الطبيعية.
- استخدام كمادة دافئة بعد زوال الألم الحاد: يمكن للحرارة الموضعية أن تهدئ العضلات المتصلبة وتزيد تدفق الدم، ما يدعم التعافي بعد التشنج.
- التنفس العميق البطيء: يساعد التنفس العميق عبر الشهيق والزفير على تخفيف توتر الجهاز العصبي، وهو ما قد يسهم في ارتخاء العضلة وتسريع انتهاء التشنج.