دراسة أقدم الإشارات الراديوية التي وصلتنا توفّر فهماً أفضل للمجرات

رصد جديد لتدفق راديوي سريع سيجبر العلماء على تطوير نماذج جديدة لتفسير هذه الظاهرة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تعد التدفقات الراديوية السريعة من أشدّ الانفجارات التي تحدث عبر الكون وأكثرها غموضاً. وعلى الرغم من أن التلسكوبات الراديوية رصدت المئات من هذه التدفقات، اكتشف علماء الفلك الراديوي مؤخراً واحدة من أروع التدفقات حتى الآن. لم يصدر هذا التدفق من موقع أبعد من مصدر أي تدفق راديوي سريع رُصد حتى الآن فحسب؛ بل كان الأعلى طاقة أيضاً.

التدفقات الراديوية السريعة

يدفع هذا التدفّق الفائق الجديد العلماء إلى التشكيك في فهمهم الضبابي بالفعل لمنشأ التدفقات الراديوية. التدفقات الراديوية السريعة هي دفقات مفاجئة من الموجات الراديوية تدوم عادة أقل من ثانية واحدة، إن لم تدم مدة ميلي ثوانٍ فقط. وتتمتّع هذه التدفقات بطاقة عالية للغاية؛ إذ إنها قد تنقل كمية من الطاقة في بضع الميلي ثوانٍ مساوية لما تصدره الشمس خلال 3 أيام. على الرغم من ذلك، لا يعلم العلماء بعد سبب تشكّل هذه التدفقات بدقة.

رُصد التدفق الجديد، الذي أطلق عليه علماء الفلك اسم “إف آر بي 20220610 أيه” (FRB 20220610A)، أول مرة على شكل ومضة في بيانات تلسكوب مصفوفة باثفايندر الكيلومترية المربعة الأسترالية، وهو مجموعة من الهوائيات الموضوعة في منطقة صحراوية تبعد نحو 580 كيلومتراً تجاه شمال مدينة بيرث الأسترالية. عندما قاس علماء الفلك درجة الانزياح نحو الأحمر التي يتمتّع بها هذا التدفق، استنتجوا أنه أُطلق من المصدر قبل نحو 8 مليارات سنة، وفصّلوا نتائجهم في ورقة بحثية نُشرت بتاريخ 19 أكتوبر/تشرين الأول في مجلة ساينس (Science).

بعد تحديد مصدر التدفّق في السماء ومراجعة بيانات تلسكوبات الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء، توصّل الباحثون إلى استنتاج أوليّ مفاده أن المصدر هو حدث اندماج مجرّي.

اقرأ أيضاً: علماء الفلك يرصدون تدفقاً راديوياً قوياً على بعد 3 مليارات سنة ضوئية

حدث اندماج مجريّ

تقول عالمة الفلك التي تدرس التدفقات الراديوية السريعة في جامعة ويست فرجينيا، سارة بيرك سبولور التي لم تشارك في الدراسة الجديدة: “كلما رصدنا مناطق أعمق في الكون، أصبحت المجرات أكثر خفوتاً لأنها أبعد. تحديد المجرة المصدر لهذا التدفق الراديوي صعب للغاية، وهذا ما فعله الباحثون”.

التدفقات الراديوية السريعة ليست مثيرة فقط لأنها تتمتّع بطاقة عالية. يجب أن تجتاز التدفقات التي تشكّلت خارج مجرة درب التبانة ملايين أو مليارات السنين الضوئية من الفضاء شبه الفارغ بين المجرات حتى تصل إلينا. وخلال هذه الرحلة، تواجه التدفقات عدداً كبيراً من الجسيمات المؤيَّنة المتناثرة للغاية. هذه الجسيمات هي التي تملأ الجزء الأكبر من الكون وتجعله غير فارغ تماماً، ويطلق العلماء على هذا الجزء اسم “الوسط بين المجري”، الذي يمثّل ما يصل إلى نصف المادة “العاديّة” في الكون.

يقول عالم الفلك في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، دانيال ميكيلي الذي لم يشارك في الدراسة الجديدة: “لا نعرف الكثير عن هذه التدفقات لأنها ضعيفة للغاية بطريقة تجعل رصدها صعباً”.

عندما تعبر التدفقات الراديوية السريعة الوسط بين المجري في رحلتها الطويلة، تتسبب الجسيمات المؤينة بتشتت الموجات الراديوية لهذه التدفقات؛ ما يتسبب بتشكّل آثار يستطيع علماء الفلك فحصها. وبذلك، يستطيع العلماء استخدام التدفقات الراديوية السريعة لدراسة الوسط بين المجري. ويتيح رصد التدفقات البعيدة مثل التدفق الجديد لعلماء الفلك دراسة هذا الوسط عبر مساحات واسعة من الكون.

تدفقات تساعد العلماء على دراسة الكون

يقول عالم الفلك الذي يدرس التدفقات الراديوية السريعة في جامعة تورنتو، زيغي بلونيس الذي لم يشارك في الدراسة الجديدة: “هذا المجال الدراسي مثير للغاية، وهو بالتأكيد أحد التطبيقات المفيدة للتدفقات الراديوية السريعة. هذه التدفقات هي حالياً الظاهرة الوحيدة التي نعرف أنها تتفاعل مع الوسط بين المجري بطريقة لها تأثير كبير بما يكفي ليتيح لنا قياس خصائص هذا التفاعل”.

رسم توضيحي يبيّن شعاعاً أصفر يمثّل تدفقاً راديوياً سريعاً ينتقل بين المجرات. المرصد الأوروبي الجنوبي/إم. كورنميسر
رسم توضيحي يبيّن شعاعاً أصفر يمثّل تدفقاً راديوياً سريعاً ينتقل بين المجرات. المرصد الأوروبي الجنوبي/إم. كورنميسر

قد يتمكّن علماء الفلك في المستقبل من استخدام التدفقات الراديوية السريعة لدراسة توسّع الكون. ولكن لفهم هذه الظاهرة الغامضة، سيحتاج علماء الفلك إلى رصد التدفقات الراديوية السريعة التي نشأت في مواقع أعمق في ماضي الكون من تدفّق إف آر بي 20220610 أيه. يقول بلونيس: “لم نرصد بعد تدفقات بعيدة ما يكفي تتيح لنا استخدامها في العديد من التطبيقات المحتملة؛ ولكن دراستها واعدة بالتأكيد”.

هذه التدفقات لا تدوم للأبد؛ إذ إن الجسيمات الموجودة في الوسط بين المجري تفتت التدفقات إذا قطعت هذه الأخيرة مسافة طويلة بما يكفي؛ ما يتسبب بتشتتها وتحوّلها إلى ضوضاء الخلفية. يجب أن تكون التدفقات الراديوية السريعة أكثر سطوعاً وأعلى طاقة لتستمر. وبالمقابل، يستطيع علماء الفلك تقدير الطاقة الأصلية للتدفقات من خلال تحديد درجة تشتتها.

استنتج الباحثون من خلال حساب الأرقام الخاصة بالتدفق الجديد أنه التدفق الأعلى طاقة الذي رُصد حتى الآن. (يتمتّع تدفق آخر رُصد مؤخراً، يحمل اسم “إف آر بي 20201124 أيه” (FRB 20201124A) بطاقة مقاربة للتدفق الجديد؛ ولكن هذا الأخير يتفوق). يوجّه رصد تدفق يتمتّع بهذا القدر من الطاقة ضربة إلى فهم علماء الفلك لمنشأ التدفقات الراديوية السريعة، الذي يعد سطحياً إلى حد ما بحد ذاته.

اقرأ أيضاً: كوكبة «العواء»: رصد موجات راديو من كوكب خارج المجموعة الشمسية

تدفقات مجهولة المنشأ

مجدداً، لا يعلم العلماء بدقة منشأ هذه التدفقات. وما يزيد المسألة تعقيداً هو أن هناك تدفقات راديوية سريعة تومض مرة واحدة وتختفي وأخرى تتكرر؛ ما يشير إلى أن نوعي التدفقات الراديوية السريعة قد يتمتّعا بمنشأين مختلفين. (على سبيل المثال؛ يبدو أن تدفق إف آر بي 20220610 أيه ومض مرة واحدة فقط بينما يبدو أن تدفق إف آر بي 20201124 أيه متكرر).

مع ذلك، أجرى علماء الفلك محاكاة لبعض السيناريوهات، التي تتضمن في أغلبها النجوم النيوترونية، بهدف كشف منشأ التدفق الجديد. ربما تنشأ التدفقات الراديوية السريعة من مكان قريب من سطح نجم نيوتروني، أو من الموجات الصادمة التي تتشكّل في المادة التي تقذفها النجوم النيوترونية.

ولكن عندما قارن مؤلفو الدراسة الجديدة المحاكيات التي أجروها مع بيانات التدفق الجديد، لاحظوا أن السيناريوهين لا يفسرا بوضوح تدفقاً يتمتّع بهذه الطاقة العالية؛ ما يشير إلى أن علماء الفلك النظريين سيضطرون إلى إجراء المزيد من الأبحاث ليتمكنوا من تفسير هذه الأحداث على نحو مرضٍ.

تقول سبولور: “ما يلفت انتباهي دائماً حول التدفقات الراديوية السريعة هو أن كل رصد جديد يعرّفنا على نوع مختلف منها”.