بينما قد يعتقد البعض أن السلامة المهنية تؤدي حتماً إلى ارتفاع التكاليف وانخفاض الإنتاجية، تقدم إدارة الجودة منظوراً مختلفاً، ينظر إلى السلامة عنصراً أساسياً لاستقرار العمليات. من هذا المنطلق، لا تعد الإصابات والحوادث الوشيكة والظروف غير الآمنة مجرد مسائل امتثال، بل هي مؤشرات على التباين والهدر الذي يعطل سير العمل، ويزيد فترات التوقف، ويقلل الإنتاج. تتناول هذه المقالة العلاقة بين السلامة المهنية والإنتاجية، موضحة أن تحسين السلامة يمكن أن يعزز الأداء من خلال تصميم أفضل للأنظمة، وتقليل الانقطاعات، وعمليات أكثر موثوقية.
الإنتاجية والسلامة المهنية وجهان لعملة واحدة
كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة التربية في غانا أن تطبيق قواعد الصحة والسلامة المهنية في المستشفيات الخاصة يرتبط بزيادة واضحة في إنتاجية العاملين.
وركزت الدراسة على العاملين في 16 مستشفى خاصاً حيث جمع الباحثون البيانات من 344 عاملاً صحياً باستخدام استبيانات منظمة. وسعت الدراسة للإجابة عن سؤال رئيسي: هل تؤثر معايير الصحة والسلامة في إنتاجية العاملين؟ والنتيجة كانت واضحة: كلما زاد الالتزام بالإجراءات الوقائية زادت الإنتاجية.
اقرأ أيضاً: كيف يؤثّر الجلوس لساعات طويلة في الإنتاجية والصحة؟
كيف تؤثر السلامة المهنية في الإنتاجية؟
العلاقة بين الإنتاجية والسلامة المهنية علاقة مضطردة، فكلما كانت السلامة المهنية في أعلى مستوياتها ازدادت معها الإنتاجية، والعكس صحيح. إليك طريقة تأثير السلامة المهنية الجيدة في الإنتاجية:
انخفاض معدل الإصابات والانقطاعات
لا تقاس الإصابات والحوادث في مكان العمل، ولو كانت بسيطة، بألمها فقط، وإنما بما تحدثه وتؤثر به في سير العملية الإنتاجية، بما فيها التوقف لتقديم الإسعاف الأولي والاستجابة للحادث فالتحقيقات، ثم إعادة تنفيذ ما تعطل، وربما تدريب بديل لتعويض الغياب. وهكذا، تتضخم تكلفة الحادث من دقائق إلى ساعات، ومن مهمة إلى جدول كامل ينزلق خطوة خطوة نحو التأخير والاختناق التشغيلي. في المقابل، انخفاض عدد الإصابات يعني عدداً أقل من الإجازات المرضية والتغييرات في الجداول الطارئة، ووقتاً أقل يهدر في التحقيقات والأوراق بدلاً من جوهر العمل.
انخفاض الغياب ودوران الموظفين
عندما تضعف السلامة المهنية، تزداد أيام الغياب والإجازات الطبية، وقد يزداد عدد حالات الاستقالات، خصوصاً في الأعمال التي تتطلب جهداً بدنياً عالياً، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة التوظيف والتدريب ويقلل مهارات الفريق وتنسيقه، وكلاهما يقلل الإنتاجية والجودة. أما عندما يكون الضغط الجسدي والنفسي على الموظفين أقل، فتقل الأخطار والإجهاد المزمن المرتبط بالاحتراق الوظيفي ودوران الموظفين، وهما من أكبر مستنزفات الإنتاجية في أي مؤسسة.
جودة أفضل وتقليل إعادة العمل
البيئات غير الآمنة غالباً ما تكون انعكاساً لعدم استقرار العملية نفسها، مثل فوضى في المكان وسوء الصيانة والتسرع والتدريب غير الكافي. وهو ما ينعكس في شكل أخطاء وعيوب تتطلب إعادة العمل. والمفارقة أن معالجة المخاطر لا تعني فقط إزالة الخطر، بل غالباً ما تستدعي تحسين طريقة العمل، بما في ذلك توحيد الخطوات، ورفع مستوى النظافة والترتيب، وتعزيز موثوقية المعدات، وتخفيف الإجهاد الحركي.
معنويات ومشاركة أعلى
وفقاً لعالمة السلوك التنظيمي في جامعة هارفارد، آمي إدموندسون، فإن مفهوم السلامة للفريق هو شعور مشترك بين أعضائه بالأمان عند خوضهم مخاطر شخصية، فيشاركون الإدارة أفكارهم مهما كانت غير مكتملة، ويعترفون بأخطائهم، ويناقشون بصراحة القضايا الصعبة وسوء الفهم.
عندما يثق العمال بأن الإدارة تعطي الأولوية لرفاهيتهم وصحتهم الجسدية، فمن المرجح أن يبلغوا عن المشكلات مبكراً، ويقترحوا تحسينات، ويعترفوا بأخطائهم دون خوف من العقاب، ما يزيد موثوقية العمليات ويقلل الخسائر الخفية مثل الاختصارات والحلول البديلة والمخاطر غير المبلغ عنها.
انخفاض التكاليف وقدرة أكبر على الاستثمار المنتج
تؤدي إصابات العمل إلى تكاليف مباشرة (علاج وتعويضات) وتكاليف غير مباشرة، مثل انخفاض الإنتاج وساعات عمل إضافية وعمالة بديلة ووقت إداري وقانوني، وأثر في السمعة.
اقرأ أيضاً: كيف تعمل من المنزل دون أن تفقد الإنتاجية؟
كيف تحول السلامة إلى أداة يومية للإنتاج؟ 5 خطوات لتعزيز السلامة المهنية
لست بحاجة إلى ميزانية خيالية كي تحمي العاملين وترفع الإنتاجية، وإنما يمكنك اتباع الخطوات التالية:
- الاستثمار في الوقاية لا في رد الفعل: الصيانة الدورية للمعدات، وتحسين تنظيم المكان، وإجراء تقييمات منتظمة للمخاطر تمنع عدداً كبيراً من الإصابات الشائعة التي قد تكلف أياماً أو أسابيع من العمل الضائع لاحقاً.
- التصميم المريح: لدى إعطاء الأولوية لراحة الموظف وصحته، من خلال تعديل محطات العمل والأدوات وتدفق المهام، يمكن تقليل الإصابات واضطرابات العضلات والعظام والضغط النفسي، التي تعد سبباً رئيساً للألم المزمن والغياب وبطء وتيرة الأداء.
- توفير تدريب عالي الجودة: التدريب الشامل على إجراءات السلامة يقلل الحوادث ويؤدي إلى عمليات أكثر سلاسة وأقل انقطاعاً.
- تصميم العمل وفق المخاطر البيئية: مع تغير المناخ وزيادة موجات الحر والظروف الجوية القاسية، يصبح توفير الظل وأنظمة التبريد ونقاط الماء، ضرورياً للحفاظ على صحة وإنتاجية العاملين، خاصة في الأعمال الخارجية والصناعية.
- تقوية قنوات التواصل: تشجيع الإبلاغ عن المخاطر والحوادث الوشيكة دون لوم يمكنك من معالجة الخلل مبكراً، بدل الانتظار حتى وقوع إصابة خطيرة.