مع الثورة الصناعية الكبرى في مطلع القرن التاسع عشر، تركزت مساعي كبار الصناعيين على التنافس في زيادة حجم الإنتاج، مجبرين العمال على العمل في نوبات عمل طويلة قد تصل إلى 16 ساعة في اليوم، لكن ذلك لم يكن يعني زيادة في الإنتاج فحسب، بل أيضاً زيادة في الإصابات وتراجعاً في الأداء، وانتشاراً للتعاسة.
لذا، وبعد نضال المدافعين عن حقوق الإنسان، بمن فيهم هنري فورد، تحدد عدد ساعات العمل بـ 8 ساعات في اليوم و5 أيام في الأسبوع. حسناً كان هذا مثالياً للعمال الذين يعملون في الوظائف التي تتطلب جهداً جسدياً، لكن التكنولوجيا زادت عبء العمل اليومي، فأصبحنا نعمل في وظائف تتطلب في معظمها جهداً معرفياً مكثفاً؛ لذا، حتى أسبوع العمل التقليدي هذا، الذي يعتبر المعيار الذهبي، قد يكون مرهقاً ومستنزفاً للطاقة، والأداء، والأهم من ذلك للصحة. فكيف يضر المزيد من العمل بصحتك؟
لماذا يضر المزيد من العمل بصحتك؟
مع كل ساعة عمل إضافية عن طاقة الجسم وقدراته، يتسلل الإجهاد والإرهاق إليك تدريجياً. لا يقتصر الأمر على الشعور بالتوتر فحسب، بل يشمل تغيرات في الجسم تؤثر على نحو مباشر في صحتك على النحو التالي:
1- مشكلات الصحة القلبية
عندما تعمل ساعات طويلة، يدخل جسمك في حالة خفيفة من التوتر المزمن، فتنشط استجابة الكر والفر، التي تحفز الغدد الكظرية على إفراز هرمونات التوتر (الكورتيزول والأدرينالين). في حالة التوتر الحاد، تساعد هذه الهرمونات على تعبئة الطاقة، لكن عندما يصبح مزمناً، فإن وجودها فترات طويلة يلحق الأضرار بالجهاز القلبي الوعائي عبر مسارات متعددة:
- ترفع هرمونات التوتر ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، وقد تؤدي إلى مستويات كوليسترول غير صحية.
- يسبب التوتر المزمن حالة من الالتهاب المزمن في الجسم، وهو عامل مساهم في تطور تصلب الشرايين وتراكم الترسبات الدهنية على جدران الأوعية الدموية، ويزيد خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية.
- غالباً ما تعني ساعات العمل الطويلة وقتاً أقل لممارسة الرياضة، واعتماداً أكبر على الوجبات السريعة غير الصحية، وزيادة استهلاك الكحول أو الكافيين، وجميعها عوامل خطر إضافية لأمراض القلب.
اقرأ أيضاً: لماذا تحدث الإصابات بالنوبات القلبية في العمل؟ وكيف يمكن تجنبها؟
2- الحرمان من النوم
لا يعني العمل ساعات طويلة فقط ساعات نوم أقل، بل إنه قد يؤثر في جودة النوم، إذ غالباً ما يبقى دماغك مشغولاً بمهام الغد، أو تلك الرسالة الإلكترونية الصعبة للعميل، أو العرض التقديمي الذي تحتاج إلى إتقانه.
إلا أن النوم ليس رفاهية؛ إنه ضرورة بيولوجية أساسية مثل الأكل والتنفس. ففي أثناء النوم، يصلح جسمك نفسه، ويرسخ الذكريات وينظم الهرمونات. لذا فإن الحرمان المزمن من النوم (الحصول على أقل من 7-9 ساعات من النوم) له عواقب صحية وخيمة، مثل زيادة الوزن بسبب اختلال التوازن الهرموني الذي يؤثر في الشهية ومقاومة الإنسولين وداء السكري من النوع الثاني وضعف المناعة.
3- ضعف المناعة
في أثناء التوتر الحاد، تعزز مستويات الكورتيزول المرتفعة المناعة، من خلال إعداد الجسم للإصابة أو العدوى المحتملة. في المقابل، تضعف مستويات الكورتيزول المرتفعة على المدى الطويل جهاز المناعة، عبر:
- تثبيط إنتاج الخلايا المناعية، خاصة الخلايا التائية والبائية، ما يقلل قدرة الجسم على التعرف إلى مسببات الأمراض ومهاجمتها.
- تثبيط استجابة الالتهاب على نحو مفرط، ما يقلل قدرة الجسم على الاستجابة بصورة فعالة للعدوى أو الإصابات.
- إعادة توزيع الخلايا المناعية، فيسبب انتقالها من مناطق الدفاع في الخط الأمامي، مثل الجلد أو الأغشية المخاطية، إلى مجرى الدم أو الأعضاء اللمفاوية، ما يجعل تلك المناطق أكثر عرضة للإصابة بالعدوى.
- التهاب مزمن منخفض الدرجة، حيث تصبح الخلايا المناعية على المدى الطويل من التعرض للكورتيزول أقل استجابة لإشاراته المضادة للالتهابات، ما يؤدي إلى التهاب مستمر.
4- الاضطرابات العضلية الهيكلية
وفقاً لدراسة نشرتها المجلة الإثيوبية للعلوم الصحية، تحدث الاضطرابات العضلية الهيكلية المرتبطة بالعمل بسبب طبيعة العمل المكتبي، بما في ذلك الوضعية غير الملائمة، والجلوس فترات طويلة، والانحناء غير المناسب، والإجهاد في مكان العمل، والأثاث غير المناسب، وفترات الراحة غير الكافية.
وهي مجموعة الاضطرابات مثل تصلب العضلات وآلام المفاصل وتيبسها وتورم المنطقة المصابة التي تؤثر في العضلات والأوتار والأربطة والأعصاب وغيرها من مكونات الجهاز العضلي الهيكلي، ومن هذه الاضطرابات الشائعة:
- إصابات العضلات: تنجم عن الجلوس فترات طويلة أو تكرار الحركات في العمل المكتبي، وتوتر عضلات أسفل الظهر والرقبة والكتف.
- إصابة الأوتار: بمرور الوقت، يؤدي الاستخدام المتكرر لليد أو الكتف في العمل المكتبي إلى إجهاد أوتار الكفة المدورة في الكتف، والعضلات القابضة للمعصم، وباسطات الساعد.
- إصابة الأعصاب: عندما تضغط العضلات أو الأوتار على الأعصاب القريبة منها تسبب إصابات عصبية، مثل متلازمة النفق الرسغي.
5- تراجع الصحة النفسية
هل تعتقد أن هذه الساعات الإضافية تزيد إنتاجيتك؟ أعد التفكير. يضعف الإفراط في العمل قدراتك الإدراكية وذاكرتك ومهارات اتخاذ القرار. ليس هذا فحسب، بل له تأثير في الصحة النفسية؛ فقد أثبتت دراسة نشرتها دورية الطب النفسي وجود ارتباط قوي بين أسابيع العمل الطويلة وزيادة حالات الاكتئاب السريري واضطرابات القلق.
إذ عندما تكون منهمكاً باستمرار في العمل، تقل المساحة المعرفية والطاقة العاطفية المتبقية لممارسات الصحة النفسية، من الرعاية الذاتية والتواصل الاجتماعي، حيث يحتاج دماغك إلى وقت فراغ لمعالجة المعلومات وترسيخ الذكريات، وتنظيم العواطف.
6- تغيرات سلوكية
عندما يستهلك العمل حياتك، فإن كل جانب آخر فيها يتأثر، بما يشبه لعبة الدومينو. ومن أهم هذه التأثيرات:
- التغذية غير الصحية: مع المزيد من ساعات العمل، لا يبقى وقت للتخطيط للوجبات الغذائية، فتستعيض عنها بوجبات سريعة أو سكرية، مع الإفراط في تناول الكافيين. بالنتيجة قد تصاب بنقص العناصر الغذائية وتبعاته الصحية، وزيادة الوزن، وخطر الإصابة بالأمراض المزمنة.
- الخمول ونقص النشاط البدني: مع ما يتركه العمل من إرهاق جسدي ونفسي، قد تصبح الرياضة عبئاً، ومع ذلك، فإن ضعف الالتزام بالتمارين الرياضية مع الجلوس فترات طويلة، يزيد خطر الإصابة بالسمنة، ومرض السكري، وبعض أنواع السرطان.
- ضعف التواصل والروابط الاجتماعية: مع انشغالك الدائم، يتوقف أصدقاؤك عن دعوتك للخروج، وتفوت العديد من المناسبات الاجتماعية، وتصبح وجبات العشاء العائلية سريعة. إلا أن مثل هذه الروابط الاجتماعية تمثل شبكة دعم تحميك من مشكلات الصحة الذهنية، بل تطيل العمر أيضاً.
اقرأ أيضاً: ما هي الأمراض التي قد تسببها ضغوط العمل والمهام اليومية؟
كيف تحمي صحتك من تأثير ساعات العمل الطويلة في صحتك؟
هل تستقيل من عملك؟ ليس بالضرورة، فما لم يكن تحذير الأربعين ساعة يمثل تهديداً مباشراً على صحتك، فإنك تستطيع مع اتخاذ خطوات مدروسة استعادة السيطرة على صحتك، مثل:
- حدد ساعات عملك؛ متى تبدأ ومتى تنتهي، فلا مزيد من رسائل البريد الإلكتروني بعد انتهاء ساعات العمل.
- قل "لا" للمهام الإضافية إذا كان ذلك يعني حماية راحتك ووقتك الشخصي.
- حدد فترات راحة منتظمة خلال أوقات العمل، مثل أن تمشي مسافات قصيرة، وتتمدد، وأن تتحدث إلى زميل.
- استغل الوقت المخصص للإجازات وعطلات نهايات الأسبوع للراحة الحقيقية، مثل ممارسة الهوايات والرياضة، وبناء علاقات اجتماعية هادفة.
- تواصل مع صاحب العمل (إن أمكن) حول إدارة عبء العمل وتحديد الأولويات.
- حرك جسمك، حتى المشي القصير أو تمارين التمدد يمكن أن تخفف آثار الجلوس فترات طويلة.
- تناول الطعام الصحي بانتظام للحفاظ على طاقتك.
- مارس تقنيات إدارة التوتر مثل التنفس العميق واليقظة الذهنية.