دراسة حديثة: الخيول تستشعر مشاعرنا قبل أن ننطق بها

4 دقيقة
دراسة حديثة: الخيول تستشعر مشاعرنا قبل أن ننطق بها
حقوق الصورة: envato.com/ ShiftDrive

تكشف أبحاث حديثة أن التواصل العاطفي بين الإنسان والحصان أعمق مما كان يعتقد سابقاً، ولا يقتصر على الصوت أو الإيماءات، بل يمتد إلى إشارات كيميائية خفية تنقل المشاعر نفسها:

  • أثبتت دراسة منشورة في يناير/كانون الثاني من عام 2026 أن الخيول قادرة على التمييز بين روائح المشاعر ا…

هل تخيلت يوماً أن رائحة خوفك الخفية، التي لا تدركها حواسك، يمكن أن تكون رسالة واضحة يلتقطها حصانك؟ لطالما عرفنا أن الخيول قارئة ماهرة لمشاعرنا من خلال نبرة صوتنا وتعبيرات وجوهنا، لكن لغزاً آخر بقي محيراً: هل بمقدورها فعلاً "شم" رائحة عواطفنا؟ تقدم دراسة ثورية حديثة نشرت في يناير/كانون الثاني في مجلة "بلوس ون" (PLOS One) دليلاً ملموساًعلى أن الخيول يمكنها فعلاً أن تميز روائح المشاعر البشرية وتتأثر بها، محولة ما كان مجرد نظرية إلى حقيقة علمية ملموسة.

وتعليقاً على تحدي البحث، أوضحت الباحثة الرئيسية في الدراسة بالمعهد الفرنسي للفروسية، بلوتين جاردا: "نحن البشر لا ندرك تماماً جميع الروائح المحيطة بنا مقارنة بما تدركه الحيوانات الأخرى، لذا فإن دراسة هذه الروائح ليست بالأمر السهل". إلا أن فريقها نجح في تخطي هذه العقبة، مكتشفاً أن الخيول لا تميز رائحة خوفنا فحسب، بل ويتغير سلوكها ويزداد خفقان قلبها استجابة لها، في كشف مذهل يعيد تعريف عمق التواصل بين الإنسان ورفيقه القديم. دعونا نستكشف التفاصيل المثيرة التي تحملها هذه الدراسة.

اقرأ أيضاً: 10 حيوانات هجينة لم ترها من قبل

كيف تحتجز العاطفة في قطعة قطن؟

لتحويل المشاعر البشرية غير الملموسة إلى "عينات" يمكن اختبارها، اتبع الفريق البحثي الفرنسي الذي ينتمي أفراده إلى مجموعة من المؤسسات الفرنسية، كالمعهد الوطني للبحوث الزراعية والغذائية والبيئة (INRAE) والمعهد الفرنسي للفروسية (IFCE)، منهجية دقيقة:

تجميع "روائح المشاعر"

طلب الباحثون من 30 متطوعاً أن يضعوا لبادات قطنية معقمة تحت آباطهم في أثناء مشاهدتهم مقتطفات فيديو مصممة لإثارة الخوف (من فيلم رعب) أو الفرح (مقاطع كوميدية)، ثم جمعوا هذه اللبادات لتكون عينات للرائحة. وفي المقابل، استخدم الباحثون لبادات نظيفة تماماً لتكون عينة محايدة لأغراض المقارنة.

موضوعات الدراسة

قرر الباحثون تطبيق الاختبارات على 43 فرساً ويلزية، حيث عرضوا هذه الخيول، التي تجهل مصادر الرائحة، بصورة عشوائية لإحدى الروائح الثلاث خلال سلسلة من الاختبارات الموحدة.

قياس الاستجابة على مستويين

  • السلوك: من خلال اختبارات مثل "اختبار الاقتراب من الإنسان" لقياس الرغبة في التفاعل، و"اختبار المفاجأة" (على سبيل المثال: فتح مظلة فجأة) لقياس رد الفعل على الخوف.
  • الفيزيولوجيا: عمد الباحثون إلى قياس معدل ضربات القلب بصورة مستمرة، وأخذ عينات اللعاب لتحليل مستوى هرمون الكورتيزول، الذي يعد علامة على التوتر البيولوجي.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن أن تساعد المواد الوراثية المحفوظة في فهم الأنظمة البيئية القديمة؟

الاختبارات المطبقة

استخدم فريق البحث سلسلة من الاختبارات الموحدة والدقيقة لقياس تأثير الروائح البشرية في السلوك والفيزيولوجيا لدى 43 حصاناً، وقد طبق الفريق الاختبارات بعد تعريض كل حصان لرائحة تتعلق بمشاعر "الخوف" أو "الفرح" أو "الشعور المحايد" بوضع لبادة قطنية بالقرب من منخريه.

وقد تضمنت الاختبارات السلوكية الرئيسية ما يلي:

  1. اختبار الاقتراب من الإنسان: حيث يقف باحث مألوف للحصان بطريقة محايدة دون أي تواصل معه، كي يتمكنوا من قياس مدى رغبة الحصان في أن يقترب منه ليلامسه طوعاً والمدة الزمنية التي استغرقها كي يفعل ذلك، وذلك لتقييم الرغبة في التفاعل الاجتماعي.
  2. اختبار المفاجأة (الاستثارة): من خلال فتح مظلة ملونة على نحو مفاجئ بالقرب من الحصان، لقياس شدة رد فعل الخوف (مقدار القفز)، ووقت التعافي والعودة للأكل، والاستجابة البصرية.
  3. اختبار الجسم الجديد: أي عرض غرض غير مألوف (كصندوق ملون) على الحصان ومراقبة مدى استكشافه أو تجنبه.
  4. اختبار التنظيف (التمليس): حيث يجري تسجيل سلوك الحصان في أثناء تنظيف الباحث له، لرصد أي علامات استرخاء أو توتر.

وعلى التوازي، رصد الباحثون المؤشرات الفيزيولوجية بدقة، حيث شملت معدل ضربات القلب بصورة مستمرة عبر جهاز متخصص، وأخذ عينات من اللعاب قبل الاختبارات وبعدها لتحليل مستويات هرمون الكورتيزول، وهو مؤشر حيوي رئيسي للتوتر. هذا الدمج بين الملاحظة السلوكية الموضوعية والبيانات الفيزيولوجية القابلة للقياس هو ما أعطى الدراسة قوتها ومصداقيتها العلمية.

اقرأ أيضاً: هل تقبيل الحيوانات الأليفة أمر مضر بالصحة؟

كيف نجح الباحثون في تحضير العينة المناسبة؟

اختار الباحثون عينة مكونة من 43 فرساً بالغة (إناث) من سلالات مختلفة، بهدف التحكم في متغيرات قد تؤثر في النتائج، وقد تراوحت أعمارها بين 6 سنوات و10 سنوات تقريباً. ويعد اختيار الإناث فقط خطوة منهجية مهمة لاستبعاد التباين السلوكي والهرموني الموسمي الكبير الذي قد يظهر لدى الذكور، كما أن الخيول جميعها كانت تعيش في ظروف الإيواء والرعاية نفسها في المنشأة البحثية، وهو ما يضمن تجانس الخلفية الاجتماعية والبيئية.

هذا التصميم الدقيق يزيد موثوقية النتائج، حيث يمكن عزو الاختلافات الملاحظة على نحو أوضح إلى عامل رائحة الإنسان العاطفية، وليس إلى عوامل أخرى.

اقرأ أيضاً: هل تسبب الحيوانات الأليفة العقم لأصحابها؟ وكيف تحمي عائلتك؟

النتائج تؤكد أن رائحة الخوف تطلق إنذاراً صامتاً

كشفت النتائج عن تأثير قوي ومتسق لرائحة الخوف البشري في الخيول، وقد ظهر هذا التأثير من خلال الجوانب التالية:

سلوك أكثر خوفاً وحذراً

عند شم رائحة الخوف، أظهرت الخيول نفوراً من التفاعل الاجتماعي، إذ قلت على نحو ملحوظ مرات لمس الإنسان في اختبار الاقتراب. وأظهرت رد فعل مبالغاً فيه تجاه المفاجآت، إذ زادت شدة قفزتها من الخوف واستغرقت وقتاً أطول لتهدأ عند اختبار فتح المظلة المفاجئ. كما أظهرت حذراً متزايداً تجاه الأجسام الجديدة، إذ أمضت وقتاً أطول في التحديق بأجسام غير مألوفة، وهو سلوك يرتبط بالتيقظ والريبة.

تغيرات فيزيولوجية واضحة

لم يكن التأثير سطحياً، بل تعدى ذلك ليظهر من خلال التسارع في ضربات القلب، إذ سجلت الخيول المعرضة لرائحة الخوف أعلى معدل لضربات القلب استجابة للمواقف المفاجئة مقارنة بتعرضها للرائحة المحايدة أو رائحة الفرح. وعلى صعيد مؤشرات التوتر، أظهرت تحاليل اللعاب اتجاهاً لارتفاع هرمون الكورتيزول لديها، ما يؤكد استجابة التوتر على المستوى الكيميائي الحيوي.

أما رائحة الفرح البشري، فلم تظهر تأثيراً إيجابياً واضحاً مقارنة بالرائحة المحايدة، ما يشير إلى أن الخيول قد تكون متكيفة على وجه الخصوص للانتباه إلى إشارات الخطر والتهديد، أكثر من الانتباه إلى الإشارات الإيجابية.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع الكلاب شم رائحة الخوف؟ العلم يجيبك بدقة

لماذا تتخطى أهمية النتائج حدود الفضول العلمي؟

هذه النتائج ليست مجرد حقيقة غريبة، بل تحمل معاني عميقة تتجلى فيما يلي:

  • فهم أعمق للتطور والتدجين: تبين النتائج أن التواصل العاطفي عبر الروائح ليس حكراً على التواصل داخل النوع الواحد (كالإنسان مع الإنسان)، بل يمكنه عبور الحدود بين الأنواع، خاصة تلك التي عاشت تاريخاً طويلاً من الشراكة معنا مثل الخيول.
  • دليل عملي للتعامل مع الخيول: تذكرنا الدراسة بأن حالتنا العاطفية الداخلية، التي نعتقد أنها مخفية، قد تكون واضحة بالنسبة للحصان من خلال رائحتنا. فعندما يكون المدرب أو الفارس قلقاً أو خائفاً، فإنه قد ينقل عن غير قصد حالة من التوتر والريبة إلى الحصان، ما قد يفسر بعض حالات العصبية أو عدم التعاون غير المبررة ظاهرياً.
  • تأكيد على تعقيد إدراك الخيول: تضيف هذه النتائج بعداً جديداً إلى قدرات الخيول المعرفية المعروفة سابقاً (مثل قراءة تعابير الوجه ونبرة الصوت)، مؤكدة أنها تستقبل معلوماتنا العاطفية عبر حزمة متكاملة من الحواس.

اقرأ أيضاً: هل للخوف رائحة عند البشر؟

شراكة تقوم على الوعي

في المرة القادمة التي تقترب فيها من حصان، تذكر أن ثمة محادثة كيميائية صامتة تدور بين جسدك وجسده. فهذه الدراسة تزيل الغموض عن أحد أكثر جوانب التواصل بين الإنسان والحصان بدائية وغموضاً. والفهم الأعمق لهذا "الرابط الشمي" لا يجعلنا أكثر إعجاباً بشركائنا من الخيول فحسب، بل يدعونا إلى أن نكون أكثر وعياً بحالتنا الداخلية، لأن الهدوء الذي نزرعه في أنفسنا قد يكون أفضل هدية نقدمها لها.

المحتوى محمي