يصيب السرطان الجسم بأذى بالغ، ويحتاج أساليب فعالة لمواجهته، وقد توصل الباحثون إلى طرق طبيعية يمكن الاستفادة منها لهذا الغرض، وذلك عبر عوامل مسببة للمرض بالنسبة للبشر، لكنها قد تفيد في علاج السرطان إن عُدّلت ووُجِّهت للقضاء عليه. عُرضت هذه النتائج في دراسة حديثة من جامعة برمنغهام.
اقرأ أيضاً: البيض ليس الناقل الوحيد لبكتيريا السالمونيلا
هل يعد استخدام السالمونيلا في علاج السرطان نوعاً جديداً من العلاج؟
لا، عرف العلماء تقنيات استخدام البكتيريا في علاج السرطان منذ 200 عام على الأقل، وهناك أدلة على استخدام المصريين القدماء لهذه الطرق منذ 4000 عام، حيث اختبروا عدوى السالمونيلا باعتبارها وسيلة علاج للسرطان قبل تطوير علاجات السرطان الحديثة مثل العلاج الكيميائي أو العلاج الإشعاعي.
تعتمد هذه العلاجات القديمة على شكل بدائي من العلاج المناعي الذي يستخدم حالياً، ويعتبر من أكثر علاجات السرطان تقدماً، وبهذا النوع من العلاج يجري تحفيز الجهاز المناعي على مهاجمة السرطان. لكن ما دعا للابتعاد عن استخدام هذه الطرق في العلاج الطبي الحديث، هو تسببها في عدوى بكتيرية تضعف مناعة الشخص وتجعله أقل قدرة على مواجهة السرطان، وقبل اكتشاف المضادات الحيوية، كان هذا النوع من العلاجات مميتاً لمن يخضع له.
اقرأ أيضاً: قد تكون السالمونيلا موجودةً في مُطِعمات الطيور: إليك طريقة التخلص منها
هل يمكن استخدام السالمونيلا حالياً لعلاج السرطان؟
نعم، لكن بعد إجراء التعديلات المناسبة عليها ولأنواع محددة من السرطان فقط، إذ تسهم بكتيريا السالمونيلا في مهاجمة الخلايا السرطانية والقضاء عليها، لكن السالمونيلا تسبب اضطرابات في المعدة والأمعاء. وقد أصبح من الممكن حالياً تعديل بكتيريا السالمونيلا وراثياً بطرق تحتفظ بقدرتها على مكافحة السرطان ولكن مع تقييد قدرتها على إلحاق الضرر بمرضى السرطان، ما قد يفتح المجال أمام تحويل البكتيريا الممرضة مثل السالمونيلا إلى وسيلة علاجية جديدة مناعية.
وفقاً للدراسة التي أجراها باحثون من جامعة برمنغهام، ونُشرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تعد النتائج مبشرة وقابلة للتطبيق، فالبكتيريا المعدلة وراثياً تعمل على إيقاف نمو بعض أنواع السرطان، وبما أن السالمونيلا تسبب الضرر بالأمعاء، يمكن استغلالها لاستهداف أورام الأمعاء. ركزت الدراسة على طريقة تسهم من خلالها السالمونيلا في مهاجمة الخلايا السرطانية في الأمعاء، دون إلحاق الضرر بالخلايا الطبيعية، مع تعزيزها لعمل الخلايا المناعية التائية للهجوم على الخلايا السرطانية.
رصدت الدراسة كيفية تفاعل الخلايا التائية المناعية مع السالمونيلا المعدلة وراثياً لدى فئران التجارب المصابة بسرطان الأمعاء، وتبين أن بكتيريا السالمونيلا قادرة على الدخول إلى عمق أنسجة الأورام لامتصاص العناصر الغذائية التي تختزنها الخلايا السرطانية الصلبة من أجل نموها وتمددها في الجسم، ما يشكّل منافسة غذائية شديدة بين السالمونيلا والسرطان حيث تسرق السالمونيلا غذاء السرطان، ويرجع سبب هذه الظاهرة إلى أن الخلايا السرطانية والبكتيريا تحتاجان إلى العناصر الغذائية نفسها الغنية بالطاقة من أجل النمو والاستمرار بالغزو. في الوقت ذاته، تحتاج خلايا الجسم الطبيعية وخصوصاً الخلايا التائية المناعية إلى العناصر الغذائية نفسها للحياة والانقسام ومهاجمة الخلايا السرطانية، هذا يجعل السالمونيلا عدواً ينافس الخلايا السرطانية والمناعية وينافسهما على الغذاء، وما اقترح الباحثون في الدراسة فعله، هو أن يضموا السالمونيلا إلى صف الجهاز المناعي للجسم ضد الخلايا السرطانية دون إلحاق الضرر والحرمان الغذائي بالخلايا المناعية.
اقرأ أيضاً: كيف أدّى البطيخ الأصفر إلى نشر السالمونيلا في الولايات المتحدة؟ وهل يجب علينا الحذر؟
ما هي نقطة القوة التي تسمح باستخدام السالمونيلا في علاج سرطان الأمعاء؟
اكتشف الباحثون في الدراسة مفتاحاً بيولوجياً لم يكن معروفاً من قبل، وهو أن حمض الأسباراجين الأميني؛ أحد العناصر الغذائية ذات الأهمية الحيوية بالنسبة للخلايا السرطانية والبكتيريا والخلايا التائية المناعية، تستهلكه بكتيريا السالمونيلا لتنمو وتتكاثر، ويحتاجه الجسم أيضاً لتنشيط الخلايا التائية المناعية. هذا يستدعي هندسة بكتيريا سالمونيلا لا تستنفد الأسباراجين، ما يسمح للخلايا التائية المناعية بالعمل ضد الخلايا السرطانية من دون التنافس مع السالمونيلا على الغذاء، وبدورها تعمل السالمونيلا على سحب العناصر الغذائية من الخلايا السرطانية فقط، وبالتالي توفير علاجات جديدة للسرطان.
انطلاقاً من هذا الاكتشاف، أجرى الباحثون في الدراسة تعديلات وراثية جردت السالمونيلا من قدرتها على التسبب في الإسهال والقيء وتقلصات المعدة، بالإضافة إلى تكوين سلالات من البكتيريا المعدلة وراثياً لا تتفاعل مع الأسباراجين، وعلى الرغم من أنها لا تمتلك الدرجة نفسها من الفاعلية مثل السالمونيلا الأصلية في تقليص الأورام، لكنها تعد خطوة مفصلية في تحفيز الخلايا التائية المناعية وكبح الورم، هذا يعني أن السرطان يتعرض لهجوم من جهتين، هما السالمونيلا والجهاز المناعي الممثل بالخلايا التائية.
ما هي الخطوات التالية اللازمة لأجل استخدام السالمونيلا في علاج السرطان؟
يسعى الباحثون من جامعة برمنغهام وجامعة غلاسكو في المرحلة التالية من البحث لقياس فاعلية الخلايا التائية التي تعمل مع السالمونيلا في تثبيط سرطانات الأمعاء، ويخططون لإيجاد طرق تعزز طريقة العلاج هذه من خلال تطوير سلالات من السالمونيلا تتغذى على الأسباراجين من الخلايا السرطانية على نحو انتقائي، دون منع الخلايا التائية المناعية من استهلاك الأسباراجين والقيام بوظيفتها الدفاعية في الجسم.
يشارك الدكتور المصري جودة محمد عواد، عبر قناة اليوتيوب التي ينشر عليها معلومات طبية للحفاظ على الصحة، مجموعة من المعلومات حول السالمونيلا والأمراض التي تسببها وطرق الوقاية منها.