هل هناك أسباب جينية تؤدي للموت؟

4 دقيقة
هل هناك أسباب جينية تؤدي للموت؟
حقوق الصورة: مكتبة صور العلوم / جيتي
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

نعرف جميعاً عائلات بها أفراد يعيشون طويلاً. ولكن ما مدى تأثير الجينات في طول العمر بالضبط؟ أشارت دراسة أجريت على 2,700 توأم دانماركي إلى أن نسبة قابلية توريث طول عمر الإنسان، وهي مقياس كمي لمدى تأثير الاختلافات في الجينات في الاختلافات في العمر عند الوفاة، بلغت نحو 25% فقط. بالإضافة إلى ذلك، اعتقد العلماء أن هذه العوامل الوراثية تعود إلى التأثيرات الصغيرة الكلية لعدد كبير من الجينات، ما يعني أن تحديدها على مستوى الجين الفردي صعب. بحلول الوقت الذي أجريت فيه هذه الدراسة الدنماركية في عام 1996، أسهمت دراسة دودة متواضعة بالفعل في قلب هذه الفكرة رأساً على عقب.

دروس من دودة متواضعة

هذه الدودة هي من خيطيات التربة وتنتمي إلى نوع الربداء الرشيقة (Caenorhabditis elegans) الذي اكتشفه العالم الكبير في مجال علم الأحياء المعروف بذكائه الحاد، سيدني برينر. ولد برينر في جنوب إفريقيا وحصل على التعليم فيها في البداية، وأمضى معظم حياته الإنتاجية في مدينة كامبريدج الإنجليزية، قبل أن يؤسس مختبرات في مختلف أنحاء العالم من ولاية كاليفورنيا الأميركية إلى سنغافورة، ما دفع البعض إلى القول بأن “الشمس لا تغرب أبداً عن إمبراطورية برينر”. اشتهر برينر أولاً بسبب اكتشافه الحمض النووي الريبي المرسال (رنا المرسال). بصورة أعم، عمل برينر على نحو وثيق مع فرانسيس كريك على دراسة طبيعة الشيفرة الوراثية وطرق قراءتها بهدف تركيب البروتينات. وبمجرد أن اعتبر هو وكريك أنهما حلا المشكلة الأساسية المتمثّلة في استخدام المعلومات الوراثية لتركيب البروتينات، حوّل برينر انتباهه إلى دراسة تطور الحيوانات المعقدة من خلية واحدة وآلية عمل الدماغ والجهاز العصبي.

اقرأ أيضاً: ما هو تأثير التغذية في الوراثة؟

اعتقد برينر أن الربداء الرشيقة هي كائن حي مثالي للدراسة لأنها تنمو بسهولة وزمنها الجيلي قصير نسبياً، كما أنها شفافة لدرجة تتيح رؤية الخلايا التي تتألف منها. ودرّب عدداً من العلماء في مختبر علم الأحياء الجزيئية التابع لمجلس الأبحاث الطبية في كامبريدج وشكّل مجتمعاً عالمياً كاملاً من الباحثين الذين يدرسون الربداء الرشيقة من مختلف النواحي، من تطورها إلى سلوكها. كان أحد زملاء برينر هو عالم الأحياء، جون سالستون. كان أحد مشروعات سالستون الأكثر تميزاً هو تتبع سلالة كل خلية من الخلايا البالغ عددها نحو 900 خلية في الخيطيات الناضجة وصولاً إلى الخلية الأصلية، وأدى هذا المشروع إلى اكتشاف غير متوقع، وهو خلايا معينة مبرمجة لتموت في مراحل محددة من النمو. حدد العلماء لاحقاً الجينات التي تدفع هذه الخلايا للانتحار في الوقت المناسب الذي يساعد الديدان على النمو.

عوامل جينية للموت

هذه الديدان معقّدة للغاية بالنظر إلى أنها تحتوي على 900 خلية فقط. كما أنها تمتلك بعض الأعضاء نفسها التي تمتلكها الحيوانات الأكبر حجماً ولكن بصورة أبسط، مثل الفم والأمعاء والعضلات والدماغ والجهاز العصبي. لا تتمتع هذه الديدان بجهاز دوران أو جهاز تنفسي. وعلى الرغم من ضآلة حجمها؛ إذ يبلغ طولها نحو ميلي متر واحد فقط، تمكن بسهولة رؤية الخيطيات تتلوى تحت المجهر. تنتج هذه الديدان الحيوانات المنوية والبويضات لأنها خناثى، ولكن الربداء الرشيقة تستطيع أن تتكاثر لا جنسياً أيضاً في بعض الظروف. هذه الديدان اجتماعية عادة، ولكن اكتشف العلماء طفرات تجعلها لا اجتماعية. تتغذى الديدان على البكتيريا، وهي تُستزرع في أطباق بتري في المختبرات حالها حال البكتيريا. يمكن تجميد الديدان إلى أجل غير مسمى في قوارير صغيرة باستخدام النيتروجين السائل وإذابتها وإحيائها عند الحاجة.

اقرأ أيضاً: العلماء يكتشفون نظاماً جديداً لتعديل الجينات ينافس تقنية كريسبر

تعيش الديدان عادة نحو أسبوعين من الزمن، مع ذلك، فهي يمكن أن تدخل عند التعرض للمجاعة في حالة سبات تحمل اسم “مرحلة التحمّل” (dauer)، وهي مشتقة من الكلمة الألمانية التي تعني “التحمل”، ويمكنها البقاء على قيد الحياة في هذه الحالة مدة تصل إلى شهرين قبل أن تستيقظ مجدداً عند توافر المواد الغذائية بكثرة. تقابل فترة السبات هذه مدة تبلغ 300 عام بالنسبة لحياة البشر. تمكنت هذه الديدان بطريقة ما من إيقاف عملية التقدم في العمر الطبيعية مؤقتاً. مع ذلك، لا تتمكن سوى الديدان اليافعة من الدخول في حالة التحمّل. ولن تتمكن الديدان من الدخول في السبات بمجرد وصولها إلى سن البلوغ وتحولها إلى ديدان بالغة.

أصبح ديفيد هيرش مهتماً بالربداء الرشيقة عندما كان زميلاً باحثاً تحت إشراف برينر في جامعة كامبريدج، ثم واصل دراسة هذه الديدان عند انضمامه إلى الهيئة التدريسية في جامعة كولورادو. أشرف هيرش هناك على مايكل كلاس، الذي كان طالباً في مرحلة ما بعد الدكتوراة يرغب بالتركيز في دراسته على التقدم في العمر.

اعتقد العلماء في تلك الفترة أن التقدم في العمر هو عملية طبيعية وحتمية من البلى والتلف، ونظر معظم علماء الأحياء إلى أبحاث التقدم في العمر بازدراء نوعاً ما. مع ذلك، بدأت هذه النظرة تتغير في تلك الفترة، ويعود ذلك جزئياً إلى قلق الحكومة الأميركية بشأن شيخوخة السكان. يتذكر هيرش أن المعاهد الوطنية للصحة أنشأت حينها المعهد الوطني للشيخوخة، وتمثّل على الأقل بعض دوافعه هو وكلاس للعمل في هذا المجال في أنهما كانا يعرفان أن احتمال تلقيهما للتمويل الفيدرالي مرتفع.

إيقاف عملية التقدم في العمر

بيّن هيرش وكلاس أولاً أن الديدان في حالة التحمّل لا تتقدم في العمر وفقاً للعديد من المعايير إلا قليلاً، وذلك إن تقدّمت في العمر في المقام الأول. بعد ذلك، أراد كلاس أن يحدد إن كان بإمكانه عزل ديدان طافرة تستطيع العيش فترة أطول دون أن تدخل بحالة السبات بالضرورة. كان سيساعده ذلك على اكتشاف الجينات التي تؤثر في مدة الحياة. عالج كلاس الخيطيات بمواد كيميائية مطفّرة ليولّد بسرعة ديداناً طافرة يمكن اختبار معدل التقدم في العمر لديها. وأدّت جهوده إلى تحضير الآلاف من أطباق الديدان التي استمر في دراستها بعد أن أسس مختبره الخاص في ولاية تكساس الأميركية. نشر كلاس في عام 1983 ورقة بحثية عن بعض الخيطيات الطافرة التي عاشت فترة طويلة، لكنه أغلق مختبره في النهاية وانضم إلى شركة أبوت لابوراتوريز (Abbott Laboratories) بالقرب من مدينة شيكاغو. لكن قبل ذلك، أرسل كلاس دفعة من الديدان الطافرة المجمّدة إلى زميله السابق من ولاية كولورادو، توم جونسون، الذي كان يعمل حينها في جامعة كاليفورنيا في مدية إرفاين.

اقرأ أيضاً: بهدف إطالة العمر: دراسة تكشف الآليات الرئيسية للشيخوخة

الطفرة إيج-1 (Age-1)

اكتشف جونسون من خلال تطبيق التوالد الداخلي على بعض الديدان الطافرة أن متوسط فترة حياة هذه الديدان يتراوح بين 10 أيام و31 يوماً، واستنتج من ذلك أن مدة الحياة لدى الديدان على الأقل تتأثر بشدّة بعوامل جينية. لم يكن حينها عدد الجينات التي تؤثر في طول العمر معروفاً بدقة، ولكن توصل جونسون بالتعاون مع طالب جامعي متحمس باسم “ديفيد فريدمان” في عام 1988 إلى استنتاج مذهل يتعارض تماماً مع الفكر السائد عندها الذي ينص على أن هناك العديد من الجينات التي تؤثر في طول العمر ويسهم كل منها بإسهامات بسيطة. بدلاً من ذلك، تبيّن أن هناك طفرة في جين واحد تمنح الديدان عمراً أطول، وأطلق جونسون وفريدمان عليها اسم “أيج-1” (age-1). بيّن جونسون أن معدل الوفيات لدى الديدان التي تتمتع بهذه الطفرة أقل بغض النظر عن عمرها، بالإضافة إلى أن عمرها الافتراضي الأقصى يزيد على ضعف عمر الديدان الطبيعية. تعدّ مدة الحياة الافتراضية، التي تُعرَّف بأنها مدة عمر الـ 10% من السكان الذين يعيشون العمر الأطول، مقياساً أدق لتأثيرات التقدم في العمر لأن متوسط مدة العمر يمكن أن يتأثر بالعديد من العوامل الأخرى التي لا تتعلق بالضرورة بالشيخوخة، مثل المخاطر البيئية ومقاومة الأمراض.