عقود من التجارب المخبرية على الفئران قد تصبح عرضة للشك وإليك السبب

5 دقيقة
عقود من التجارب المخبرية على الفئران قد تصبح عرضة للشك وإليك السبب
دورت الفئران خلال تجارب متتالية العجلة إلى اليسار قليلاً ثم دورتها إلى اليمين، ما جعلها تبدو وكأنها ترتكب أخطاء بينما كانت تطبق استراتيجية في الواقع. إي +/غيتي
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يعلم العلماء منذ زمن أنه يمكن تدريب الفئران على أداء المهام البسيطة مقابل المكافآت. إذا مُنحت الفئران الجائعة القليل من الطعام أو تلك العطشى قطرات من الماء، فيمكن تحفيزها على عبور المتاهات أو الضغط على أزرار معينة. لكن الفئران لا تتصرف كما هو متوقع أحياناً، وتفشل في إكمال المهمات. يستبعد الباحثون غالباً هذه التصرفات باعتبارها أخطاء بسيطة ناتجة عن عدم الانتباه أو عدم الانخراط في التجربة. مع ذلك، تشير دراسة جديدة نُشرت بتاريخ 26 أبريل/نيسان 2024 في مجلة كارنت بايولوجي (Current Biology) إلى أن سلوك الفئران يعتمد على عوامل أخرى؛ إذ يمكن أن تتّبع هذه الحيوانات سلوكاً مختلفاً على الرغم من أنها تفهم قواعد المهمة، أي أنها قد تختبر فرضياتها الخاصة وتحاول تعلّم المزيد عن محيطها.

“تتمتع هذه الفئران بحياة داخلية أكثر ثراءً مما نفترض؛ إذ إنها ليست مجرد آلات استجابة للمحفزات، وقد تتّبع ما يشبه الاستراتيجيات”.

القرارات التي تتخذها فئران التجارب ليست بسيطة كما نعتقد

يبدو أن القرارات التي تتخذها الفئران في أثناء الاختبارات السلوكية أعقد من أن تكون مجرد خيارات بسيطة تهدف للحصول على المكافآت. قد تستكشف الفئران باستمرار قواعد محيطها وتعيد اختبارها وتجري تجاربها الصغيرة الخاصة بها في أثناء التجارب التي يجريها البشر عليها في المختبر.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع الفئران التعرّف على نفسها في المرآة مثل الإنسان؟ دراسة حديثة تجيب

تعمّق نتائج الدراسة الجديدة فهم العلماء لما يحدث داخل أدمغة القوارض وتشير إلى أن الفئران والحيوانات الأخرى غير اللفظية قد تخفي قدرات نجهلها. كما أنها قد تسهم في نهاية المطاف في تسليط الضوء على الأسس العصبية للسلوك البشري. يقول الأستاذ المساعد في علم الأعصاب في جامعة جونز هوبكنز وكبير مؤلفي الدراسة، كيشور كوتشيبوتلا: “تتمتع هذه الفئران بحياة داخلية أكثر ثراءً مما نعتقد؛ إذ إنها ليست مجرد آلات استجابة للمحفزات، وقد تتّبع ما يشبه الاستراتيجيات”.

الفئران تأخذ زمام الأمور

اعتمدت الدراسة الجديدة على بحث سابق اختبر فيه العلماء الفئران في مهمة بسيطة تعتمد على اللعق، وهي تزيد تعقيد التجربة من خلال إجراء اختبار يعتمد على الاختيار بين خيارين بهدف تحليل دوافع الفئران. درّب كوتشيبوتلا وطالب الدكتوراة في علم الأعصاب والمؤلف الرئيسي للدراسة، زيي تشو، الفئران العطشى المقيدة في مكانها على تدوير عجلة بأرجلها الأمامية في اتجاه معين استجابة لصوت ما.

قابلت إحدى النغمتين تدوير العجلة إلى اليمين، بينما قابلت الثانية تدويرها إلى اليسار. مُنحت الفئران كوباً صغيراً من الماء عند استجابتها لأي من النغمتين بالإجراء الصحيح. ولم تحصل على أي مكافأة إذا أدارت العجلة في الاتجاه الخاطئ أو لم تدر العجلة على الإطلاق. تتبع الباحثون خيارات الفئران وسرعة استجابتها ودقتها خلال آلاف التجارب التي شملت 13 فأراً، ولاحظوا عدة أنماط في سلوكها. من إحدى النواحي، بدت قرارات الفئران أدق مع تكرار التجارب، ما يشير إلى أنها كانت تتقن المهمة التي كانت تجريها. كما بدا أن بعض الفئران يتمتع بخصوصية وتفضيلات عندما يتعلق الأمر باختيار اتجاه تدوير العجلة.

بقيت الفئران تستجيب على نحو خاطئ في بعض الأحيان حتى عندما أصبحت ذات كفاءة في تدوير العجلة؛ إذ إنها دورت العجلة غالباً بالاتجاه نفسه على نحو متكرر بغض النظر عن الصوت الذي شُغّل.

اقرأ ايضاً: هل يمكن استخدام ألعاب الفيديو لدراسة تشكيل الذاكرة لدى الفئران؟

أجرى كوتشيبوتلا وتشو تجارب “استقصائية” لفهم هذه السلوكيات بعمق أكبر؛ وتوقفا مؤقتاً فيها عن منح المكافآت للفئران عند تدوير العجلة بالاتجاه الصحيح. غيرت الفئران سلوكها بسرعة كبيرة وتوقفت عن الاستكشاف، وبدأت تستجيب للإشارات الصوتية التي تقابل تدوير العجلة لليمين أو اليسار بدقة أكبر ووفقاً للنمط الذي تدربت عليه، ما يشير إلى أنها فهمت ما كان من المفترض أن تفعل للحصول على كوب الماء وأنها كانت تتخلى عن المكافأة عن قصد.

يقول الحاصل على درجة الدكتوراة وعالم الأعصاب والطبيب النفسي في مستشفى ماونت سيناي، الدكتور برايان سوايس، الذي يجري أبحاثاً في مجال السلوك الحيواني ولم يشارك في الدراسة الجديدة: “بصفتنا متخصصين في علم الأعصاب السلوكي ندرس النماذج الحيوانية، يقع على عاتقنا عبء التوصل إلى طرق أذكى لاستخلاص معنى [أفعال] الحيوانات غير اللفظية”، ويضيف مشيراً على وجه التحديد إلى فحص بيانات التجارب الأولية اللاحق والطرق التي نوّع الباحثون تجاربهم وفقها: “أعتقد أن مؤلفي الدراسة أنجزوا هذه المهمة بنجاح؛ إذ إنهم تعمقوا بطريقة جميلة في التحليل السلوكي“.

“قد يبدو أن الحيوانات ترتكب الكثير من الأخطاء، ولكنها في الواقع تصبح أذكى خلال ارتكاب هذه الأخطاء”.

استخدم تشو وكوتشيبوتلا نموذجاً حسابياً لتحديد العلاقة بين كل نتيجة من نتائج التجارب بنتائج التجارب التي سبقتها والتي تلتها والعوامل التي يبدو أنها تؤثر في سلوك الفئران. اكتشف الباحثان أن المكافأة أدت دوراً كبيراً، وكذلك التحيّز لتدوير العجلة في اتجاه مفضّل اختلف من فأر إلى آخر. مع ذلك، لم يكن هذا التحيّز ثابتاً؛ إذ كانت الفئران تغيّره بتدوير العجلة بالاتجاهين خلال العديد من التجارب، كما أنها دوّرتها بالاتجاه غير المفضّل لديها على نحو متكرر عندما شغّل الباحثون لها أوامر صوتية تقابل التدوير بهذا الاتجاه المفضل فقط. تُبيّن هذه المشاهدات إجمالاً وجود تحيز ديناميكي في الاختيار يفترض الباحثون أنه من استراتيجيات التعلّم.

التعلّم دون اللغة

يقول كوتشيبوتلا: “تستخدم الفئران نُهجاً ذات مستوى عال على نحو مدهش لتعلّم حتى المهام البسيطة، وهو سلوك قد يبدو غير تكيفيّ. قد يبدو أن هذه الحيوانات ترتكب الكثير من الأخطاء، ولكنها في الواقع تصبح أذكى خلال ارتكاب هذه الأخطاء. وضعنا هذه الحيوانات في مواقف غريبة، وهي لا تعرف متى قد يتغيّر محيطها ومتى يمكن أن نغير قواعد التجربة. سلوك الاستكشاف المستمر الذي اتبعته الفئران قيّم”.

بينما يستطيع البشر الاعتماد على اللغة لفهم مهمة ما، يتعين على الحيوانات غير اللفظية أن تكتشف بنفسها قواعد موقف معين. يشير كوتشيبوتلا إلى أن هذا الاختلاف قد يفسر سبب اتباع الفئران هذا النهج المتغير باستمرار في أداء المهام؛ إذ يقول: “تؤدي التعليمات الشفهية أو المكتوبة إلى انهيار الفضاء الذهني للاستكشاف؛ إذ إن الاستكشاف يصبح غير ضروري بمجرد معرفة ما يجب فعله. هذه إحدى الفرضيات التي توصلنا إليها، وهي تنص على أن البشر [أيضاً] سينخرطون في عملية الاستكشاف المستمر في غياب التعليمات”. يجري كوتشيبوتلا حالياً أبحاث متابعة ضمن التجارب السلوكية على البشر لاختبار صحة هذه الفرضية.

الدروس المستقاة من أخطاء الفئران

تضمنت أبحاث المتابعة الأخرى تتبّع النشاط العصبي للفئران في أثناء مهمة تدوير العجلة وتدريبها على مهام متعددة في وقت واحد واختبار أدائها فيها بهدف تحديد كيفية تغيّر الاستراتيجيات التي تتبعها، إضافة إلى إخضاع الفئران التي تعاني ضعف الإدراك لاختبارات مشابهة يمكن أن تكشف عن الأنماط الكامنة وراء الأمراض العصبية التي تصيب البشر مثل آلزهايمر.

اقرأ أيضاً: اكتشاف علمي جديد يُسلّط الضوء على السبب المحتمل للإصابة بآلزهايمر

تعاني الدراسة بعض العيوب؛ إذ يقول سوايس إنه على الرغم من الدقة العالية التي اتبعها مؤلفو الدراسة الجديدة، قد تسهم ظاهرة أبسط من وضع الاستراتيجيات في تفسير سلوك الفئران. على سبيل المثال، ربما غيرت الفئران اتجاه تدوير العجلة بين الحين والآخر لأن أرجلها الأمامية تعبت. يقول سوايس: “لا أعتقد أن هذا ينفي أي تفسير يطرحه [مؤلفو الدراسة]، ولكن العوامل الجسدية قد تؤدي دوراً. علينا أن نفسر سلوك الدماغ في ضوء الجسم ككل”.

مع ذلك، يضيف سوايس قائلاً إن فحص عملية الاختيار “يمنحنا رؤية عميقة حول الآليات المختلفة التي يعمل وفقها الدماغ“، ويمكن أن يوضح ما يحدث عندما نرصد سلوكيات غير مفهومة. يقترح سوايس إجراء مشروع متابعة آخر يمكن أن يبحث فيه العلماء كيفية تأثير الشيخوخة في عملية الاستكشاف وإن كانت المرونة في إنجاز المهام تتغير مع التقدم في العمر أو تتراجع. هناك العديد من المجالات الفرعية المحتملة لإجراء الأبحاث المثيرة للاهتمام، وتمثّل الدراسة الجديدة “أساساً ثرياً يساعدنا على فهم علم الأحياء أكثر قليلاً”، حسب تعبيره. تعيد الدراسة الجديدة صياغة المعلومات التي جمعها العلماء عبر عقود من دراسة سلوك القوارض، التي استبعدوا فيها الأخطاء واعتبروها إخفاقات غير مهمة. يقول سوايس إن “الحيوانات يجب أن ترتكب الأخطاء حتى تتعلم”، ويمكننا تعلم الكثير من دراستها أيضاً.